صحف وآراء مجتمع

المثقف الذي عرف كل شيء

* زكريا نمر

يجلس المثقف وحيدا في المقهى التي اعتاد أن يسميها مكتبه المؤقت. أمامه كتب لميشيل فوكو وغرامشي وكامو، وإلى جوارها فنجان قهوة برد منذ ساعتين، ليس لأنه نسيه، بل لأن فكرة واحدة كانت كافية لتوقف الزمن من حوله. يرفع رأسه قليلا، ويحدث نفسه: كيف يمكن تغيير هذا العالم؟.لطالما اعتقد أن العالم ينقصه مزيد من الأفكار، وأن الأزمات التي تعيشها البشرية سببها نقص الوعي لا نقص الخبز، وأن الإنسان لو قرأ أكثر، وفكر أكثر، وتحرر من أوهامه، لكان العالم مكانا أكثر عدلا.

ولهذا أمضى سنوات يقرأ الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، حتى صار قادرا على تفسير سقوط الإمبراطوريات، ونقد الرأسمالية، وتحليل السلطة، والحديث بثقة عن الديمقراطية والحداثة وما بعد الحداثة، وكأن مفاتيح التاريخ كلها مستقرة بين يديه.

كان يعرف لماذا فشلت الثورات، ولماذا تنهار الدول، ولماذا يتحول الدين إلى أداة سياسية، ولماذا تعجز النخب عن بناء مجتمع حر. كان يكتب المقالات الطويلة عن العدالة الاجتماعية، ويهاجم الاستبداد، وينتقد الاستهلاك، ويحلم بعالم أكثر إنسانية، حتى بدأ يصدق، دون أن يشعر، أن خلاص البشرية قد يتأخر إذا توقف عن الكتابة يوما واحدا. لكن الحقيقة جاءت من مكان لم يكن يتوقعه. عاد إلى منزله ذات مساء، فاكتشف أن مصباح غرفته ما زال معطلا منذ أسبوعين، وأن الكتب المكدسة على الأرض أصبحت أكثر من الكتب الموجودة في الرفوف، وأن فاتورة الإنترنت لم يدفعها بعد، وأن والدته اتصلت به مرات عديدة ولم يجد وقتا للرد، لأنه كان مشغولا بكتابة منشور عن أهمية الروابط الأسرية في بناء المجتمع.

توقف فجأة. شعر أن هناك تناقضا لا يستطيع أي فيلسوف أن يبرره. كيف يمكن لإنسان يريد إصلاح العالم أن يعجز عن ترتيب غرفته؟ وكيف يكتب عن العدالة وهو يؤجل الاعتذار لصديق جرحه بكلمة قاسية؟ وكيف يدافع عن حرية الرأي، بينما يفقد أعصابه إذا خالفه أحد في تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي؟، حينها أدرك أن أصعب معركة ليست مع السلطة، ولا مع المجتمع، ولا مع الأيديولوجيات، بل مع النفس التي تتقن إخفاء عيوبها خلف الكلمات الجميلة. لقد قرأ فرويد، لكنه لم يحلل خوفه الشخصي. وقرأ نيتشه، لكنه لم يسأل نفسه لماذا يحتاج دائما إلى الشعور بأنه أكثر وعيا من الآخرين. وقرأ كامو، لكنه لم يتعلم أن يعيش حياة بسيطة من دون أن يحول كل تفصيل فيها إلى سؤال وجودي.

شيئا فشيئا، تحولت المعرفة عنده من وسيلة لفهم الإنسان إلى وسيلة للشعور بالتفوق عليه. صار ينظر إلى الناس من أعلى رفوف مكتبته. يرى بائع الخضار أقل وعيا، وسائق الحافلة أقل فهما، والعامل البسيط أقل ثقافة، مع أن هؤلاء يستيقظون كل صباح، يعملون، ويحبون، ويربون أبناءهم، ويواصلون الحياة بصدق، من دون أن يقرأوا صفحة واحدة من فوكو أو غرامشي. و بدأ الشك الحقيقي. هل تمنحنا المعرفة حكمة أعمق، أم تمنحنا غرورا أكثر تهذيبا؟. كم من مثقف يكتب عن التسامح، لكنه لا يسامح. ويتحدث عن التواضع، لكنه يغضب إذا لم يذكر اسمه في ندوة أو مقال. ويدافع عن حرية التعبير، لكنه لا يحتمل رأيا يخالف قناعاته. ويهاجم الشهرة بوصفها مرض العصر، ثم يقضي المساء يراقب عدد الإعجابات على منشوره الأخير، ويقنع نفسه بأنه لا يبحث عن الشهرة، بل عن انتشار الفكرة. بل إن علاقته بالمال ليست أقل تناقضا. فهو يحتقر الرأسمالية في مقالاته، لكنه يفرح في داخله إذا حصل على جائزة مالية أو دعوة إلى مؤتمر فاخر. لا يسمي ذلك حبا للمال، بل يسميه دعما للثقافة، أو اعترافا بالإبداع، بينما يبقى المال هو المال، مهما تغيرت الأسماء.

في تلك اللحظة، أدرك أن الإنسان لا يكذب على الآخرين بقدر ما يكذب على نفسه، وأن المثقف ليس استثناء من هذه القاعدة. فالمعرفة لا تعصم صاحبها من الوهم، بل قد تمنحه أوهاما أكثر تعقيدا، لأنها تجعله قادرا على تبرير تناقضاته بلغة أنيقة ومصطلحات رنانة.

نهض من مقعده، أغلق كتبه، وأخذ فنجان القهوة البارد إلى المطبخ. اتصل بوالدته، واعتذر لصديقه، ثم أصلح مصباح غرفته ورتب مكتبته. كانت تلك الأفعال الصغيرة أكثر صدقا من عشرات المقالات التي كتبها عن تغيير العالم. وقبل أن ينام، ابتسم لنفسه وقال: ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من المثقفين الذين يجيدون تفسيره، بقدر ما يحتاج إلى أناس يجيدون العيش فيه بصدق. وربما تبدأ أعظم الثورات من لحظة يعترف فيها الإنسان بأن أصعب شيء ليس تغيير العالم، بل تغيير نفسه.

*  تم النشر بتاريخ 30 تموز 2026 على صفحة الفايسبوك الخاصة بالكاتب