سياسة صحف وآراء

العلاقة الأميركية الإسرائيلية..إعادة هندسة تجري في الظل

  الدكتور سعيد عيسى*

يُخيّل للبعض أنه توجد في السياسة الأميركية حقائق يصعب التشكيك فيها، وأنه إذا وقفت مع إسرائيل وأيدتها تربح أصواتاً، وإذا دعمتك “أيباك” فتحت لك الأبواب، وإذا طمحت إلى منصب سياسي رفيع إياك والمغامرة بالخروج عن الإجماع المؤيد لتل أبيب. لكن على ما يبدو أن ما كان حقائق وصمد عقوداً طويلة بدأ يتزعزع، وهذا التزعزع يُقرأ في غالب الأحيان بطريقة خاطئة. كان يصعب سابقاً تصور مرشح يتباهى علناً برفض أموال اللوبي المؤيد لإسرائيل، وآخر يجعل من معارضته “أيباك” جزءاً من هويته السياسية، وأمسى التقرّب من إسرائيل بحاجة إلى تبرير بعد أن كان العكس.

تحول بطيء

ما يجري أعمق من خلاف على الحرب في غزة، أو جدل حول سياسات نتنياهو. إنه تحوّل بطيء ومتواصل في نظرة الأميركيين إلى إسرائيل وموقعها داخل الحياة السياسية الأميركية، وفي الكلفة الانتخابية المترتبة على تأييدها أو انتقادها. السياسة الأميركية تقاس بالأصوات في نهاية المطاف، وهذا التحوّل قد يكون من أكثر المتغيرات تأثيراً في الانتخابات النصفية المقبلة، وفي السباق الرئاسي الآتي نحو البيت الأبيض. وما نذكره ليس تخميناً بل وقائع ترصدها استطلاعات مركز “بيو” التي تقول إن 60% من الأميركيين باتت نظرتهم سلبية إلى إسرائيل. فيما تظهر استطلاعات “غالوب” أن الفجوة في التعاطف الأميركي مع إسرائيل تضيق منذ سنة 2019، حتى أصبح الفلسطينيون يحظون بتعاطف أعلى منها مع حلول سنة 2026، وهو ما كان يبدو مستحيلاً قبل عشر سنوات.

دلالة الأرقام

الرقم الأهم لا يتعلق بالنسبة العامة، بل بنسبة من هم دون سن الخمسين من العمر الذين ارتفعت نظرتهم السلبية إلى إسرائيل لمستويات غير مسبوقة. فلم تعد إسرائيل تعرّف بالنسبة لهم بوصفها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، بل من خلال صور الحرب في غزة، وقضايا حقوق الإنسان، والعدالة والهوية. وداخل المجتمع اليهودي الأميركي نفسه، يظهر تحليل “بيو” لسنة 2024 أن الشباب اليهود يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر مما يتعاطفون مع إسرائيل، وهذا فارق بالغ الأهمية لأنه يلامس القاعدة التقليدية الداعمة لإسرائيل. ولم يعد التحول حكراً على الديمقراطيين، بل تعداه إلى الجمهوريين الذين اتسعت الفجوة بينهم وبين المحافظين التقليديين الملتزمين استراتيجياً بدعم إسرائيل، وبين تيار “أميركا أولاً” الذي يتساءل عن جدوى الانخراط في نزاعات الشرق الأوسط وحروبه، وكلفة الدعم غير المشروط، وهذا كلّه لا يعكس تبدلاً في الرأي العام فحسب، بل يعكس تصدعاً في الإجماع السياسي الأميركي الذي كان قائماً لعقود خلت.

اللوبي المؤيد

تمتع اللوبي المؤيد لإسرائيل بسمعة شبه أسطورية في تمويل الحملات واستهداف خصومه، في انتخابات 2024 في الولايات المتحدة أنفق ما يزيد على 100 مليون دولار، لكن النتائج لم تأتِ حسب توقعاته، فكثير من المرشحين الذين استهدفهم فازوا، بينما آخرون حولوا معارضة “أيباك” إلى جزء من هويتهم السياسية، وهناك أسماء يتم التداول بها للترشّح الرئاسي المقبل تعلن صراحةً رفضها دعم اللوبي لها. ونائب الرئيس الحالي جاي دي فانس حذّر الإسرائيليين علناً من المبالغة في تقدير حجم الدعم الغربي لهم، كما أن الرئيس دونالد ترامب أعلن صراحةً إنه غير سعيد بالعمليات الإسرائيلية في لبنان، بل وصف نتنياهو في مكالمة هاتفية بالمجنون.

وفي هذا السياق يمكن قراءة ما يبدو تناقضاً في مواقف نائب الرئيس ووزير خارجية الولايات المتحدة. ففانس يعبر عن تيار “ماغا” وعن الجناح الجمهوري غير المتحمس لإسرائيل، ويجسد مقولة “أميركا أولاً” وروح الحزب الجديدة التي تتساءل عن ثمن التحالفات الخارجية وجدوى الانخراط في حروب الآخرين. في حين يتحدث الخارجية وزير ماركو روبيو بلسان “أيباك” واللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري وخارجه، ويرى في دعم إسرائيل ركيزة من ركائز السياسة الخارجية يجب ألا تمس. هذا التوتر بين الرجلين ليس خلافاً شخصياً، بل انعكاس لصراع يدور داخل الحزب الجمهوري حول هوية الولايات المتحدة مستقبلاً.

بناءً على ذلك يجب ألا يفضي ما تقدّم إلى الخلط بين تآكل الإجماع الشعبي على السياسة الإسرائيلية وبين اهتزاز العلاقة الاستراتيجية العميقة. فقد سبق لهذه الثقة السياسية أن اهتزت أكثر من مرة على الأقل، منذ عهد بوش الأب وصولاً إلى ترامب وما بينهما من رؤساء. وما يجري في الداخل الأميركي تستشعره تل أبيب وتراقبه بدقة، كما يستشعره السياسيون المؤيدون لها، ولذلك هم يتحركون بسرعة للتكيف مع هذه المتغيرات. لذا لا يمكن تفسير المشهد الحالي على أنه تراجع في التحالف، بل هو إعادة هيكلة للعلاقة بشكل يجعلها أقل علانية وأقل عرضة لضغوط الرأي العام الأميركي.

وفي هذا السياق، يرى البعض في الاقتراح المقدم من النائب الجمهوري توم ماسي إلى الكونغرس لإلغاء 3.3 مليار دولار من المساعدات الأميركية لإسرائيل، مؤشر على فك الارتباط بين الطرفين. لكن ما لا يدركه هؤلاء هو أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح سابقاً التخلي عن صيغة المساعدات العسكرية المباشرة البالغة 3.8 مليار دولار سنوياً ونقلها من خانة المساعدات الخارجية إلى شراكات صناعية وعسكرية مدمجة مباشرة داخل ميزانية البنتاغون، حيث تتراجع آليات المراقبة والمساءلة من الكونغرس ومعها الرأي العام إلى حدودها الدنيا.

تسريع التشريع

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، فالمادة 224 من مشروع قانون الدفاع الوطني الأميركي لسنة 2027، المطروح إقراره قريباً في 2026، تقترح تأسيس مبادرة للتعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهنا تنتقل العلاقة من علاقة مانح ومتلقٍ إلى اندماج الصناعات الدفاعية بين البلدين، وإذا أُقرّ هذا القانون فإنه سيجعل فك الارتباط بين الصناعتين الدفاعيتين شبه مستحيل تقنياً وسياسياً، بغض النظر عمن سيكون رئيساً في البيت الأبيض أو عضواً في الكونغرس. وهذا التسريع في التشريع ليس صدفة، فأنصار إسرائيل في الكونغرس يستغلون الفرصة السانحة خشية تغير موازين القوى بعد الانتخابات النصفية المقبلة، كما أن هذا دليل على تحول حقيقي في الرأي العام.

ما يحصل إذن هما معركتان تسيران باتجاهين متعاكسين، واحدة على مستوى الرأي العام والخطاب الانتخابي، والثانية هي تجذير وتعميق العلاقة على مستوى الصناعات الدفاعية بعيداً عن عيون الرأي العام. وهنا يكمن جوهر المسألة. فالخطر الحقيقي ليس خسارة إسرائيل الرأي العام الأميركي، وهي في طريقها لذلك على ما يبدو، بل إن تتم إعادة الهيكلة بسرعة قبل أن يتحول الرأي العام ويتحول إلى ضاغط فعلي يمنع إعادة الهيكلة. فإذا نجحت إسرائيل يصبح السؤال ما الذي يستطيع الرأي العام فعله بعد ذلك؟ فلا انتخابات تلغي الاندماج ولا يوقفها ضغط الرأي العام، ولا رئيس متحمس أو عضو معارض في الكونغرس.

الرأي العام الأميركي يتغير لكن العلاقة تعاد هندستها بمعزل عنه.

 * تم النشر بتاريخ 5 تموز 2026 على موقع المدن