تعيش القراءات السياسية الدارجة حول “اتفاق الإطار” اللبناني الإسرائيلي في بورصة عقيمة من السجالات، حيث ينقسم المتابعون بين خطابين لا يقلان تهافتاً: خطاب يرى في الاتفاق “إنجازاً استراتيجياً”، وآخر يراه “خيانة وصك استسلام عارٍ”. لكن هذين الخطابين يعجزان عن ملامسة الحقيقة الأنثروبولوجية والجيوسياسية للبلد في صيف 2026. إن هذا الاتفاق، في جوهره البارد، ليس انتصاراً ولا هزيمة طارئة، بل هو التعبير العاري والنهائي عن وزن لبنان الفعلي اليوم. إنه صك إعلان رسمي بأن بقاء هذا الكيان لم يعد مشروطاً بالميثاقية أو فصاحة العيش المشترك، بل أصبح مشروطاً بالإذعان التكنوقراطي البارد لشروط الجغرافيا والأمن الإقليمي.
طوال عقود، عاش لبنان بوهم رومانسي وإمبراطوري يرى في نفسه المركز الوجْداني والثقافي للشرق، والساحة الفسيحة التي تتقرر فيها مصائر المنطقة عبر السلاح والبلاغة الحارقة. جاء اتفاق الإطار ليسدل الستار على هذا المسرح بأكمله، معلناً ببرود أن وزن لبنان اليوم هو وزن وظيفي نثري بحت. فالإقليم المعاصر، الذي يعيد صياغة خطوطه وحساباته، لا يحتاج من لبنان فصاحته ولا شعاراته، بل يحتاج منه تأمين حدوده، وانضباط مكوناته، والإقلاع عن الشغب الأمني والفكري على حد سواء، وتالياً تحويل ترسانته الرمزية إلى أداة انضباط محلي لا تشاغب على الإقليم. لقد تحول الإذعان من خيار سياسي يخضع للنقاش البرلماني، إلى شرط بيولوجي واستشفائي؛ فإما الامتثال لدفتر الشروط بخصوص المطار والمرفأ والحدود والسيادة والتهجير، وإما التحلل الكامل والوقوع في طين الجوع والانفجار الأهلي العبثي.
تهافت المقارنة مع 17 أيار (عقلية طبيب الطوارئ)
تنزلق الكثير من التحليلات نحو عقد مقارنة تاريخية بين هذا الاتفاق واتفاق 17 أيار (1983)، وهي مقارنة تسقط عند أول فحص بنيوي لآليات التفاوض وعقلية القائمين عليه. إذ إن اتفاق 17 أيار استند في الأصل إلى موازين قوىً حادة وعنيفة: هزيمة طرف داخلي وإقليمي، وتوهم طرف لبناني آخر بأنه “منتصر” ومحمول على متن الدبابات الإسرائيلية، فذهب ليصيغ اتفاقاً يترجم مصالحه العضوية المتداخلة مع تل أبيب بغية إخضاع الشريك في الداخل وإعادة تشكيل السلطة من موقع الغلبة والنشوة.
أما اليوم، فالأمر مختلف جذرياً. السلطة الرسمية التي صاغت “اتفاق الإطار” ذهبت إلى الطاولة وهي تدرك في عمق وعيها ولا وعيها أنها مهزومة سلفاً، وفي الأصل من الشريك والعدو على حد سواء. هي مهزومة من خصمها وشريكها الداخلي (حزب الله) الذي صادر قرار الدولة وعقّم مؤسساتها لسنوات، وهي مهزومة من العدو الإسرائيلي الذي دمر بنية البلد الفيزيائية والتحتية. هذه السلطة لا تملك ترف النشوة ولا تتحرك بدافع الاستقواء أو رغبة الانتقام من الخصم الداخلي، بل تتحرك بعقلية طبيب الطوارئ في مستشفى مدمر؛ تذهب للتفاوض لتنقذ ما يمكن إنقاذه من الحطام، وتؤمن النجاة العارية لجسد الكيان المتداعي.
نزيف الوريد والتحنيط بالوصفة الإيرانية
يبقى أن المفارقة الأشد عمقاً وتطلباً للتأمل تكمن في قراءة سلوك هذه السلطة تجاه خصمها الداخلي. فحزب الله، ورغم كل خطابات الصراخ والبلاغة المنتصرة فوق الأشلاء التي يملأ بها الفضاء الرقمي والإعلامي، ينزف اليوم من الوريد. هذا ليس نزيفاً عابراً في الأطراف يمكن ترميمه بضمادة مؤقتة، بل هو تحلل بنيوي، ونفسي، وعسكري، أصاب ألياف وجوده الوجداني والديمغرافي. وهنا تتجلى سيكولوجية التفاوض الرسمية: السلطة في وعيها ولا وعيها تفترض أنها تفاوض لتحمي ما تبقى من إرث حزب الله البشري والجغرافي، لا لتجهز عليه.
وتذهب إلى الاتفاق مدفوعة بيقين بارد يعاكس تماماً ادعاءات الحزب؛ يقين يرى أن استمرار الحرب لن يقود إلا إلى تعميق الجرح القاتل الذي أصيب به الحزب، وتشتيت بيئته الاجتماعية والديمغرافية على نحو كارثي لا سابقة له في التاريخ القريب للبلاد. هذا التفاوض لم يحدث في فراغ، بل فوق جثة داخلية تنزف ببطء. هكذا بدت السلطة في سلوكها التفاوضي كحارس مقبرة يريد تسييج المكان لحماية من بداخلها من التحلل المطلق، ولم تكن أبداً تعيش وهم أنها منتصرة على طرفين، واحد داخلي وآخر خارجي.
والأرجح أن حزب الله ومن يحالفه يحدسون بكل هذا، لكن حزب الله ما زال يراهن على إيران منتظراً أن تنجح في إعادة ضخ الدم في عروقه المتيبسة. لكن هذا الرهان بالذات يحمل في أحشائه الإعدام النهائي لِما تبقى من الدولة؛ فبقاء الحزب حياً بلا وظيفة إقليمية يعني تحويله إلى عبء داخلي كامل على بنية الدولة. ذلكَ أن حزب الله بتكوينه وطبيعته لا يجيد سوى وظيفة واحدة، وإذا نجحت الوصفة الطبية الإيرانية في إبقائه حياً بلا وظيفة إقليمية، فإن الكيان اللبناني سيفقد بالضرورة كل مقومات صموده الباقية. بقاء الحزب على هذه الشاكلة يعني إقحام لبنان في معادلات تقع فوق حدود قدرته الفيزيائية والنفسية على الاحتمال، وهي معادلات قد تنجح برودتها التكنوقراطية في تخفيف حدة القتل والاستنزاف المباشر لفترة وجيزة، لكنها في مقبل الأيام ستدفع بالبلد حتماً نحو انتحار بنيوي أخير، لا عودة بعده.
* تم النشر بتاريخ 3 تموز 2026 على موقع المدن
