زكـي طـه
بيروت 2 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
نظام منتج للصراعات
إذا كانت التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط تفتح الباب أمام إعادة تنظيم التوازنات الإقليمية، فإن السؤال الذي يواجه لبنان لا يتعلق بما يجري خارج حدوده فحسب، بل بما آل إليه داخله بعد عقود طويلة من الحروب والأزمات والتسويات الناقصة.
إذا كان الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية بهذا العمق، فأين يقف لبنان؟ وهل يملك فرصة التحول من ساحة لتصفية الصراعات إلى دولة تبني موقعها انطلاقاً من مصالحها الوطنية، أم يبقى أسير التوازنات التي يصنعها الآخرون؟
فالتحول الإقليمي لا يطرح على اللبنانيين سؤالاً عن موقع بلادهم في الخريطة الجديدة فقط، وإنما يفرض قبل ذلك سؤالاً أكثر إلحاحاً: أي دولة يريد لبنان أن يكون؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من الخارج، على الرغم من أهمية العوامل الإقليمية والدولية، بل تبدأ من التجربة اللبنانية نفسها.
والسبب في ذلك، أن الأزمة الراهنة ليست نتاج مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، ولا نتيجة الحرب الأخيرة وحدها، وإنما هي حصيلة مسار تاريخي طويل، تراجعت خلاله قدرة الدولة على احتكار القرار الوطني، وتزايدت فيه قابلية النظام السياسي لأن يتحول إلى ساحة تتقاطع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية، من دون أن يمتلك القدرة على إنتاج مشروعه الوطني الخاص.
ومن هنا، فإن الحديث عن موقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد لا يمكن أن يكون بحثاً في موقع جغرافي أو في تموضع دبلوماسي، بل هو، في جوهره، بحث في إعادة بناء الدولة الوطنية نفسها، وفي استعادة السياسة من منطق المحاور، والسيادة من منطق الارتهانات، والمواطنة من منطق الانقسامات الطائفية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم ليس: إلى أي محور ينبغي أن ينتمي لبنان؟ بل: كيف يستعيد حقه في أن يكون دولة تقرر خياراتها الوطنية انطلاقاً من مصالح مجتمعها، لا من توازنات الآخرين وصراعاتهم؟
كيف أصبح لبنان ساحة؟
لا يمكن فهم المأزق اللبناني الراهن بالاستناد إلى تطورات الأشهر الأخيرة وحدها، ولا حتى إلى نتائج الحرب الأخيرة، على أهميتها. فالأزمة التي يعيشها لبنان اليوم ليست وليدة لحظة سياسية عابرة، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل، تراكمت خلاله اختلالات بنيوية في تكوين الدولة والنظام السياسي، وتداخلت فيه عوامل الداخل مع رهانات الخارج، حتى أصبح لبنان، بصورة متزايدة، مساحة تتقاطع فوقها المصالح الإقليمية والدولية أكثر مما يعبر عن مشروع وطني مستقل.
ولذلك، فإن السؤال عن موقع لبنان في المرحلة الانتقالية التي يشهدها الشرق الأوسط لا يبدأ من التحولات الإقليمية، بل من مراجعة نقدية للمسار اللبناني نفسه.
لقد نشأت الدولة اللبنانية الحديثة وهي تحمل تناقضاً تأسيسياً لم يجرِ حسمه حتى اليوم. فمن جهة، سعت إلى بناء مؤسسات دستورية ودولة قانون ومواطنة، ومن جهة أخرى، استمر النظام السياسي قائماً على توازنات طائفية جعلت الانتماءات الأولية أقوى من الانتماء الوطني الجامع، وربطت إنتاج السلطة بتسويات دائمة بين مراكز النفوذ الداخلي والخارجي، بدلاً من ربطه بإرادة المواطنين ومؤسسات الدولة.
ومع تعاقب الأزمات، تحولت هذه الصيغة من آلية لإدارة التعددية الموروثة إلى بنية تعيق قيام الدولة نفسها. فكلما ضعفت المؤسسات، ازداد اعتماد القوى السياسية على شبكاتها الطائفية، وكلما اشتد الانقسام الداخلي، اتسعت قابلية الاستقواء بالخارج، حتى غدا التدخل الخارجي جزءاً من آليات إنتاج التوازن الداخلي، لا مجرد عامل طارئ عليه.
ومن هنا، لم يعد الخارج يتدخل فقط لأن لبنان يقع في قلب منطقة متنازع عليها، بل لأن البنية السياسية اللبنانية نفسها أتاحت لهذا التدخل أن يصبح أحد عناصر إعادة إنتاج السلطة والأزمة في آن واحد.
وهذا ما يفسر أن لبنان لم يكن، خلال العقود الماضية، مجرد ضحية لصراعات الآخرين، كما لم يكن مجرد أسير لخلافاته الداخلية. لقد أصبح، بفعل التفاعل بين الأمرين، ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية، وتنعكس عليها تحولات النظام الدولي، فيما بقيت الدولة عاجزة عن احتكار القرار السيادي أو بناء استراتيجية وطنية جامعة.
ومن هنا أيضاً، ينبغي الحذر من القراءات التي تفسر الأزمة اللبنانية بعامل واحد. فالقول إن كل شيء سببه الخارج يتجاهل مسؤولية البنية الداخلية عن إنتاج الهشاشة. والقول إن الأزمة داخلية بالكامل يتجاهل حقيقة أن لبنان عاش، بحكم موقعه وتركيبته، في قلب صراعات إقليمية متلاحقة تركت آثاراً عميقة على تطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إن التحدي الحقيقي يكمن في فهم العلاقة الجدلية بين العاملين. فالداخل لم يكن منفصلاً عن الخارج، والخارج لم يكن قادراً على التأثير لولا الاختلالات التي سمحت له بذلك. ومن هنا، فإن استعادة الدولة لا يمكن أن تقوم على إنكار تأثير البيئة الإقليمية، كما لا يمكن أن تتحقق عبر انتظار تبدل موازين القوى الخارجية.
إنها تبدأ أولاً بإعادة بناء المجال الوطني نفسه، بحيث يصبح المجتمع والدولة والمؤسسات المرجعية الأساسية في تحديد الخيارات الكبرى، بدلاً من أن تبقى هذه الخيارات رهناً لتوازنات تتقرر خارج الإرادة الوطنية.
وهنا تكتسب المرحلة الانتقالية التي يشهدها الشرق الأوسط أهمية استثنائية بالنسبة إلى لبنان. فإذا كانت القوى الإقليمية والدولية تعيد النظر في أدوات إدارة صراعاتها، فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين هو ما إذا كانوا سيستفيدون من هذه اللحظة لإعادة تأسيس دولتهم، أم أنهم سيكتفون بانتظار التوازنات الجديدة، ليعيدوا إدراج أنفسهم داخلها بالشروط القديمة نفسها.
إن الفرق بين الخيارين هو الفرق بين وطن يسعى إلى امتلاك قراره، وساحة تنتظر أن يقرر الآخرون مصيرها.
أزمة السيادة… قضية الدولة
إذا كان لبنان قد تحول، عبر مسار طويل، إلى ساحة تتقاطع فيها التوازنات الإقليمية والدولية، فإن ذلك لم يكن نتيجة التدخلات الخارجية وحدها، بل كان أيضاً تعبيراً عن أزمة أعمق أصابت مفهوم الدولة والسيادة في آن معاً.
فالسيادة ليست مجرد شعار دستوري، ولا مجرد اعتراف قانوني باستقلال الدولة، وإنما هي القدرة الفعلية للمجتمع السياسي على أن يجعل من مؤسساته المرجعية النهائية في اتخاذ القرار، وفي احتكار استخدام القوة، وفي تحديد خياراته الوطنية الكبرى.
ومن هذه الزاوية، فإن الأزمة اللبنانية تتجاوز مسألة توزيع الصلاحيات أو توازن السلطات، لتلامس السؤال الذي لم يُحسم منذ قيام الدولة الحديثة: من يمتلك القرار الوطني؟
لقد أدت الحروب المتعاقبة، والانقسامات الداخلية، والتدخلات الخارجية، إلى إضعاف الدولة بصورة متواصلة، حتى باتت عاجزة عن ممارسة وظائفها الأساسية على قدم المساواة في مختلف المجالات. ومع كل محطة من محطات الأزمة، كانت تتقدم سلطات موازية، أو مراكز قرار مستقلة، أو شبكات نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة أو تحل محلها.
وفي هذا السياق، تبرز قضية سلاح حزب الله بوصفها التعبير الأكثر تعقيداً عن أزمة السيادة، لا لأنها تختزل الأزمة كلها، بل لأنها تكثف التناقضات التي راكمها التاريخ اللبناني خلال العقود الأخيرة. فمن جهة، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ولا ما ارتبط به من تضحيات وإنجازات شكلت جزءاً من الذاكرة الوطنية لشريحة واسعة من اللبنانيين.
ومن جهة أخرى، لا يمكن، في المقابل، بناء دولة ديمقراطية حديثة إذا بقي قرار استخدام القوة خارج المرجعية الدستورية الجامعة، أو إذا استمر التداخل بين منطق الدولة ومنطق التنظيمات المسلحة، مهما كانت مبرراتها أو دوافعها.
إن الإشكالية، إذاً، ليست في تبني رواية تلغي الأخرى، ولا في المفاضلة بين شرعيتين متقابلتين، بل في البحث عن كيفية الانتقال من مرحلة فرضتها ظروف استثنائية إلى مرحلة تصبح فيها الدولة، وحدها، الإطار الذي يضمن الدفاع عن المجتمع وصون السيادة وحماية الحقوق.
وهذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق بالإنكار أو بالإقصاء أو بالغلبة. كما لا يمكن أن يقوم على تثبيت الواقع القائم وكأنه قدر نهائي. إنه يتطلب مشروعاً وطنياً ديمقراطياً يعترف بالتجارب التي عاشها اللبنانيون، لكنه يرفض تحويل الوقائع التي أفرزتها الحروب إلى بنية دائمة للدولة. ومن هنا، فإن القضية ليست قضية سلاح فحسب، بل قضية دولة.
وليست قضية توازن قوى داخلي فقط، بل قضية إعادة تعريف العقد الوطني نفسه، بحيث تصبح المواطنة، والمؤسسات، والدستور، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، المرجعية العليا التي تلتقي عندها جميع القوى، من دون استثناء.
وفي هذا المعنى، فإن السيادة لا تُستعاد عبر استبدال تبعية بتبعية أخرى، ولا عبر نقل لبنان من محور إلى محور، وإنما عبر بناء دولة تمتلك شرعية داخلية كافية، وقدرة مؤسسية فعلية، واستقلالاً سياسياً يجعلها قادرة على إقامة أفضل العلاقات مع محيطها والعالم، انطلاقاً من مصالحها الوطنية، لا من اصطفافات الآخرين.
هذا هو التحدي الذي تضعه المرحلة الانتقالية الراهنة أمام اللبنانيين. فالتحولات الإقليمية قد تفتح نافذة جديدة، لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة بالنيابة عن أصحابها.
وإذا لم يتحول هذا الظرف إلى فرصة لإعادة تأسيس الحياة الوطنية على قواعد جديدة، فإن لبنان سيبقى معرضاً لأن ينتقل من توازن خارجي إلى آخر، من دون أن يخرج فعلياً من موقع الساحة إلى موقع الدولة.
هل يستطيع لبنان أن يغادر موقع الساحة؟
إذا كانت التحولات الإقليمية الراهنة تشير إلى نهاية مرحلة تاريخية وبداية مرحلة انتقالية جديدة، فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين لم يعد يقتصر على كيفية التكيف مع هذه التحولات، بل أصبح يتعلق بقدرتهم على تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء دولتهم واستعادة دورهم في تقرير مستقبلهم.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية.
طوال العقود السابقة، تأثر لبنان بالصراعات الإقليمية أكثر مما أثر فيها، وهو الآن أمام لحظة قد تكون مختلفة. ليس لأن الخارج قرر إنقاذه، بل لأن البيئة الإقليمية نفسها بدأت تتغير، وباتت أقل ميلاً إلى إدارة الصراعات المفتوحة، وأكثر ميلاً إلى البحث عن توازنات جديدة، مهما كانت هشة أو مؤقتة.
لكن هذا التحول، على أهميته، لا يحمل في ذاته أي ضمانة للبنان. فالتاريخ علمنا أن التحولات الدولية والإقليمية لا تمنح الشعوب مشاريعها الوطنية جاهزة، بل تفتح أمامها إمكانات جديدة، يكون النجاح في الإفادة منها أو إهدارها رهناً بقدرتها على الفعل الذاتي.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على الاتفاقات الخارجية، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على إعادة إنتاج السياسة بوصفها مساحة للمصلحة الوطنية المشتركة، لا مجرد امتداد لانقسامات المحاور أو انعكاساً لموازين القوى الإقليمية.
إن الدولة التي يحتاجها لبنان لن تُبنى بقرار يصدر في واشنطن، أو في طهران، أو في أي عاصمة أخرى. والسيادة لن تستعاد بمجرد تبدل التوازنات الخارجية.
وإنهاء الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لن يتحقق إذا بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي يعيد إنتاج أزماته كلما تبدلت الظروف المحيطة به.
إن نقطة الانطلاق تكمن في الاعتراف بأن بناء الدولة الوطنية هو مسؤولية اللبنانيين قبل أن يكون مطلباً من المجتمع الدولي أو من القوى الإقليمية. وهذا يقتضي انتقالاً مزدوجاً. انتقال من منطق الطوائف إلى منطق المواطنة. ومن منطق المحاصصة إلى منطق المؤسسات. ومن شرعية موازين القوى إلى شرعية الدستور والقانون. ومن انتظار التسويات الخارجية إلى إنتاج تسوية وطنية ديمقراطية تستند إلى إرادة اللبنانيين أنفسهم.
ولا يعني ذلك التقليل من أثر العوامل الإقليمية والدولية، أو تجاهل موازين القوى التي تحيط بلبنان. فالسياسة الواقعية تقتضي إدراك هذه الوقائع والتعامل معها بعقلانية. لكن الواقعية نفسها تقتضي أيضاً رفض تحويل هذه الوقائع إلى ذريعة دائمة لتعليق مسؤولية الداخل أو لتبرير استمرار الأزمة.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية، كما أثبتت تجارب دول كثيرة، أن الخارج يستطيع أن يؤثر في مصائر الدول، لكنه لا يستطيع أن يحل محل مجتمعاتها في بناء شرعيتها ومؤسساتها وعقدها الوطني.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للمرحلة الانتقالية التي يشهدها الشرق الأوسط لا تكمن في أنها ستحدد مستقبل لبنان، بل في أنها قد تمنح اللبنانيين فرصة إضافية استثنائية، لإعادة طرح السؤال الذي جرى تأجيله مراراً:
أي دولة نريد؟ وأي مجتمع سياسي نسعى إلى بنائه؟ وأي مفهوم للسيادة يمكن أن يجمع اللبنانيين، لا أن يزيد انقسامهم؟
إن هذه الأسئلة لا يجيب عنها اتفاق إقليمي، ولا تسوية دولية، ولا ميزان قوى عسكري.
إنها أسئلة يجيب عنها اللبنانيون وحدهم، عندما يقررون الانتقال من موقع الساحة التي تُدار من الخارج، إلى موقع الدولة التي تصوغ خياراتها بنفسها، وتستمد شرعيتها من مواطنيها، وتحدد علاقاتها مع محيطها والعالم انطلاقاً من مصالحها الوطنية، لا من تبعياتها المتعاقبة.
وهذا، في نهاية المطاف، هو الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة. فإما أن يبقى لبنان أسير دورة جديدة من إعادة توزيع النفوذ، وإما أن يحول التحول الإقليمي إلى فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة الوطنية الديمقراطية، بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع، وصون السيادة، وإطلاق مشروع تنموي وإنساني يليق باللبنانيين.
ختاماً، إن الانتقال من الساحة إلى الدولة ليس شعاراً سياسياً، بل هو المهمة الوطنية الكبرى التي تضعها المرحلة الجديدة أمام اللبنانيين جميعاً، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية أو الفكرية. وهو انتقال لن يتحقق بإرادة الخارج، بل بإرادة مجتمع يقرر، أخيراً، أن يكون صاحب مستقبله، لا مجرد ساحة تتقرر فوقها خيارات الآخرين.
