نزار مرتضى
بيروت 1 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
ليس أخطر على الأمم من أن تُخاصم الزمن. فالتاريخ لا يتراجع لأننا نرفض نتائجه، وموازين القوى لا تتبدل لأننا نلعنها، والوقائع لا تزول لأننا نستبدل تفسيرها بالإنكار. لقد جُرِّبت هذه الوصفة طويلًا في منطقتنا، وكانت حصيلتها خرابًا يكاد يكون كاملًا.
فالسياسة ليست امتحانًا في صفاء النيات، ولا مسابقة في صدق الشعارات، وإنما هي القدرة على رؤية العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. وكل مشروع يبدأ بإنكار الواقع، ينتهي بإنكار الكارثة التي يصنعها.
لقد وقعنا، طوال عقود، في الوهم الكبير: أن الإرادة وحدها تستطيع أن تُلغي قوانين التاريخ، وأن العقيدة قادرة على تعويض اختلال موازين القوى، وأن البطولة يمكن أن تكون استراتيجية دائمة. وما بدا في بداياته اندفاع أخلاقي، انتهى إلى تحويل المجتمعات نفسها إلى مادةٍ للصراع، وإلى استنزاف الإنسان باسم القضايا التي قيل إنها وُجدت لحمايته.
ومن هنا بدأ الانقلاب الكبير في المعاني. لم تعد الدولة إطارًا جامعًا، بل عائقًا أمام المشاريع العابرة للحدود. ولم يعد الوطن الغاية، بل الساحة. ولم يعد المواطن صاحب الحق الأول، بل أصبح وقودًا لمعركة لا يملك قرارها ولا يعرف متى تنتهي.
وهكذا لم يعد لبنان دولةً يُدافع عنها، بل ساحةً يُقاتَل فوقها. ولم تعد فلسطين قضية شعب يسعى إلى الحرية، بل عنوانًا تتنازعه مشاريع متعارضة، يدفع الفلسطيني ثمنها قبل غيره. أما سوريا، فقد تحولت إلى المثال الأكثر قسوة على كيف يمكن لشعارٍ كبير أن ينتهي ببلدٍ مدمر، وشعبٍ ممزق، وسيادةٍ مستباحة.
ليست المشكلة أن النيات كانت سيئة، بل إن السياسة لا تحاكم النيات. فالتاريخ لا يمنح جوائز على الإخلاص، وإنما يصدر أحكامه على النتائج. والنتائج أمامنا واضحة: أوطان أضعف، مجتمعات أكثر انقسامًا، اقتصادات منهارة، وملايين البشر بين قتيل ومهجّر ولاجئ.
إن مراجعة هذه التجربة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. فالسياسات تُقاس بنتائجها لا بنواياها، وبما تُبقيه من أوطان لا بما ترفعه من رايات. وإذا كانت الحصيلة، بعد عقود من الخطاب التعبوي، دولًا أضعف، ومجتمعات أكثر انقسامًا، واقتصادات منهارة، وملايين المهجرين والقتلى، فإن من حق الشعوب، بل من واجبها، أن تسأل: أين أخطأنا؟ وأين تحولت القضية العادلة إلى إدارة خاطئة لها؟
ولهذا، فإن أول شروط الخروج من هذه الحلقة ليس تبديل الشعارات، بل تبديل طريقة التفكير نفسها. فلا يمكن للعقل الذي صنع الأزمة أن يكون هو العقل الذي يصنع الحل، ولا يمكن إعادة إنتاج المنطق ذاته ثم انتظار نهاية مختلفة.
إن حماية لبنان لا تبدأ من رفع الشعارات باسمه، بل من إعادته دولةً كاملة السيادة، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، فلا يكون ورقة تفاوض في صراعات الآخرين، ولا أداةً في حسابات القوى الإقليمية، ولا رهينةً لمشاريع تتجاوز إرادة شعبه.
إن تثبيت لبنان بوصفه دولة، لا ساحة، ليس تنازلًا عن أي قضية عادلة، بل هو الشرط الأول لحماية أي قضية. فالدولة ليست نقيض المقاومة حين تكون الحاجة إلى الدفاع قائمة، لكنها نقيض الفوضى، ونقيض احتكار القرار، ونقيض تحويل شعبٍ بأكمله إلى رهينة خيارات لا يشارك في صنعها.
لقد آن الأوان للانتقال من زمن البطولة المجردة إلى زمن المسؤولية السياسية؛ من منطق التضحية المفتوحة إلى منطق حماية الإنسان؛ ومن إدارة الصراع بالشعارات إلى إدارة المصالح بالدولة. فالأوطان لا تُبنى بالمجاز، ولا تُصان بالخطب، ولا يحفظها إلا احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وخضوع الجميع لميزان واحد: مصلحة الوطن قبل كل مشروع، والدولة قبل كل تنظيم، والإنسان قبل كل شعار.
فبعد كل هذا الركام، لم يعد السؤال الحقيقي: من كان أكثر إخلاصًا للقضية؟ بل من كان أكثر إخلاصًا للأوطان التي دفعت، ولا تزال، ثمن تلك القضية.
