صحف وآراء مجتمع

النازح اللبناني.. حين يُصبح قرار العودة ليس بيده!

الدكتور سعيد عيسى*

في التجارب الإنسانية العادية، تبدو العودة إلى المنزل قرارًا شخصيًا. يختار الإنسان موعد رجوعه، ويغلق باب بيته، ويستأنف حياته حيث توقفت. لكن الحروب الطويلة تغيّر حتى أكثر القرارات بساطة. فهي لا تقتصر على تهجير الناس من أماكنهم، بل تنتزع منهم القدرة على تقرير متى وكيف يعودون إليها.

عند هذه النقطة، يتوقف النزوح عن كونه حركة سكانية، ويصبح حالة اجتماعية معقدة، تتوزع فيها سلطة القرار بين أطراف كثيرة. فالأمن يحدد متى يمكن العودة، والسياسة ترسم حدودها، والتمويل يقرر إمكان استمرارها، فيما يضع الخوف حدوده الخاصة التي لا تقل صرامة عن الحدود العسكرية.

من هذا المنظور، يمكن قراءة تقدير الموقف الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعنوان: »النازحون بعد الاتفاق الإطاري: قراءة في تعقيدات النزوح والعودة«. فالتقرير لا يناقش فقط مصير عشرات الآلاف من النازحين بعد الاتفاق، بل يطرح سؤالًا أعمق: من يملك، فعلًا، قرار العودة؟ والإجابة التي يقدمها لا تتعلق بالنازحين وحدهم، بل بطبيعة الدولة، وبحدود السياسة، وبالطريقة التي تعيد بها الحروب تشكيل الحياة اليومية.

 نهاية الحرب ليست نهاية النزوح

يُبنى كثير من النقاش العام على افتراض بسيط: إذا توقفت العمليات العسكرية، تبدأ العودة تلقائيًا. غير أن تقدير الموقف يهدم هذا التصور.

فالعودة لا ترتبط بغياب القصف وحده، بل بوجود شعور مستقر بأن دورة العنف انتهت. وبين الأمرين مسافة كبيرة. فالاتفاق الإطاري، لم ينتج بعد بيئة سياسية أو أمنية تجعل العودة فعلًا مستدامًا، لأن الخروقات الميدانية، وغياب التسوية النهائية، واستمرار عدم اليقين، أبقت النازحين أمام معادلة مفتوحة.

وهنا تكمن إحدى أهم أفكار التقرير؛ فهو يعيد تعريف العودة، فلا يقدمها بوصفها نهاية للنزوح، بل مرحلة انتقالية قد تتراجع في أي لحظة.

القرار الذي لم يعد فرديًا

من يقرأ التقرير يلاحظ أن قرار العودة لم يعد يصدر عن الأسرة وحدها.

فالأسرة قد ترغب في العودة، لكنها تصطدم بأسئلة لا تملك الإجابة عنها: هل ستستمر التهدئة؟ هل ستُرمم المدرسة؟ هل ستعود الكهرباء؟ هل أستطيع تحمّل نزوح جديد إذا انهار الاتفاق؟ وهل يوجد أصلًا منزل صالح للحياة؟

كل سؤال من هذه الأسئلة ينقل القرار من يد النازح إلى منظومة أكبر منه.

وهنا تكمن المفارقة التي يلتقطها التقرير. فالحرب لم تكتفِ بإبعاد الناس عن بيوتهم، بل جعلت حقهم في العودة مشروطًا بعوامل لا يسيطرون عليها. وبذلك، تتحول العودة من فعل إرادي إلى نتيجة لتوازنات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة.

الخوف بوصفه خبرة

يلفت التقرير الانتباه إلى البعد النفسي بوصفه أحد المحددات الأساسية لسلوك النازحين، لكنه لا يعامله كعامل منفصل عن الواقع، بل كخبرة تراكمت عبر أشهر من النزوح المتكرر والخروقات المستمرة.

وهذا التفصيل مهم، لأنه يغيّر طريقة فهم الخوف. فالخوف هنا ليس انفعالًا فرديًا، بل معرفة اجتماعية تشكلت من التجربة. والعائلات التي نزحت أكثر من مرة لا تقارن بين البقاء والعودة، بل بين خسارتين محتملتين: خسارة الاستمرار في النزوح، أو خسارة الاضطرار إلى نزوح جديد.

لهذا، تصبح الزيارات القصيرة إلى القرى، التي يسميها التقرير «العودة المعلقة» أو «العودة الاستكشافية»، سلوكًا عقلانيًا أكثر منها تعبيرًا عن التردد. إنها محاولة لاختبار الواقع، لا استعادة الماضي.

ما الذي تعنيه إعادة الإعمار؟

من السهل النظر إلى إعادة الإعمار بوصفها مشروعًا هندسيًا أو ماليًا. لكن التقرير يطرحها، بصورة غير مباشرة، باعتبارها شرطًا لاستعادة القدرة على اتخاذ القرار.

فالإنسان لا يعود إلى منزل معزول عن الماء والكهرباء والمدرسة والعيادة والطريق. إنه يعود إلى نمط حياة كامل. ولهذا، فإن أزمة التمويل، وتأخر إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وغياب إطار دولي واضح، لا تؤجل ترميم الحجر فقط، بل تؤجل استعادة الحياة اليومية نفسها.

ومن هنا، لا تصبح إعادة الإعمار مسألة بنى تحتية فحسب، بل إعادة بناء للثقة بأن المستقبل يمكن التخطيط له.

 الدولة واستعادة الفعل

ربما تكون الإشارة الأهم في التقرير هي ما يقوله عن الدولة، حتى من دون أن يصرح بذلك مباشرة. فحين تغيب خطة وطنية واضحة للعودة، وتتوزع المسؤوليات بين مؤسسات متعددة، وتبقى العودة خاضعة للمبادرات الفردية، فإن الدولة لا تفقد فقط قدرتها على إدارة الأزمة، بل تفقد أيضًا قدرتها على إعادة المواطنين إلى موقع الفاعل في حياتهم.

فالدولة ليست مجرد جهاز أمني أو إداري، بل هي أيضًا المؤسسة التي تجعل القرارات الأساسية في حياة الناس قابلة للتوقع. وعندما يعجز المواطن عن معرفة إن كان سيبقى في منزله بعد أسبوع أو شهر، يصبح غياب اليقين جزءًا من الحياة اليومية.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذا التقدير في أنه يشرح أسباب تأخر عودة النازحين، بل في أنه يكشف تحولًا أعمق. فالحروب لا تنزع من الإنسان منزله فقط، بل قد تنزع منه أيضًا حقه في تقرير مصيره اليومي. وعندما يصبح قرار العودة موزعًا بين التفاهمات الأمنية، والتمويل الدولي، والقدرة الاقتصادية، والخوف المتراكم، فإن السؤال لم يعد: متى يعود النازحون؟ بل: كيف يمكن للناس أن يستعيدوا القدرة على اتخاذ أبسط قرارات حياتهم بأنفسهم؟

لعل هذا هو السؤال الذي يضعه التقرير في قلب النقاش. وهو، في الوقت نفسه، السؤال الذي يتجاوز ملف النزوح، ليطال معنى الدولة، وحدود السياسة، وطبيعة الحياة بعد الحرب.

   * تم النشر بتاريخ 2 تموز 2026 على موقع  180Post