سياسة مجتمع

عدد شهداء لبنان يفوق كل ما خسرته ايران في حربها 1/2: قطاع البناء أبرز القطاعات الاقتصادية المتضررة بالعدوان

الدكتور زهير هواري

بيروت 23 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

تجاوزت الارقام التي نشرتها وزارة الصحة اللبنانية عن عدد الشهداء سقوط أكثر من الـ 4000  شخص، والجرحى الـ 12 ألفا على الأقل، منذ الثاني من مارس حتى منتصف شهر حزيران (يونيو)  2026 الجاري، ليلة الإعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران. وضمن الضحايا ذكرت الوزارة أن هناك  أكثرمن 247  طفلاً و363 امرأة و133 من العاملين في القطاع الصحي. ولكن هذه الارقام ليست نهائية، فهي مرشحة للتصاعد من جهة أولى ، ولا تميز بين المدنيين والمقاتلين، ولاتحصي خسائر«حزب الله» الذي لم يعلن عن عدد أفراد شهدائه من جهة ثانية.  ثم إنها لا تذكر ولو برقم تقديري عدد المدفونين تحت الأنقاض. وهم بالعشرات إن لم نقل بالمئات. يكفي أن نشير إلى أن يوم الاحد الماضي  وحده الموافق في 21 الجاري جرى انتشال 13 جثة. وهناك المزيد في باقي المدن والبلدات والقرى. اذا رجعنا إلى الارقام التي نشرتها ايران عن خسائرها يتبين أن حجم خسائر لبنان أكبر من خسائر حربها مع الولايات المتحدة، رغم الفارق في عدد السكان والمساحة والإمكانات. فقد وصلت خسائرها البشرية حتى أواخر شهر نيسان ( ابريل )، أي قبل شهرين إلى 3468 حتى تاريخ الاتفاق على وقف اطلاق النار.

خسائرنا وخسائر اسرائيل

وأرقام هذه الجولة الاخيرة الممتدة من مطلع آذار حتى تاريخه هي ألاعلى من الارقام التي سبق وأعلنتها وزارة الصحة اللبنانية عن الصراع السابق الذي امتد من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. أي أكثر من عام بقليل، فحينها تسبب الصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، في مقتل 3768 شخصاً. وبالانتقال إلى الضفة الاسرائيلية أشار إحصاء أجرته وكالة «رويترز» استناداً إلى البيانات الصادرة عن الجيش إلى مقتل 28 جندياً إسرائيلياً على الأقل في لبنان خلال الحرب الأخيرة، مع 4 مدنيين في هجمات «حزب الله». ويأتي ذلك مقارنة مع 73 جندياً إسرائيلياً و45 مدنياً في شمال إسرائيل خلال حرب 2023-2024. هذا مع ملاحظة أن الارقام خاضعة للتعديل على ضوء المعارك التي سجلت حول مرتفعات على الطاهر وما نجم عنها من قتلى وجرحى في صفوف الجيش الغازي. لكنها لا تقلص الفارق بين خسائر لبنان وخسائر اسرائيل.

دون التوقف عند المزيد من الارقام حول الخسائر البشرية التي تبين الفارق الشاسع بين خسائر الشعب اللبناني وخسائر اسرائيل، نشير إلى أن الأخيرة تحدثت بلسان عدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين عن خسائر لبنانية تتراوح بين 8 و10 الآف من مقاتلي حزب الله وحده، عدا المدنيين. ومع أنه لا تتوافر جهة مستقلة محايدة وموثوقة تقدم ارقاما دقيقة للخسائر البشرية لدى لبنان واسرائيل،  إلا أن الواضح أن هناك كارثة أصابت اللبنانيين عموما والجنوبيين منهم على الأخص. ثم إن المصابين الجرحى وهم هنا بعدد من الألوف، الذين حصدتهم حرب الإبادة التي بادرت إليها اسرائيل هم في معظمهم بحاجة إلى رعاية صحية وأطراف وتجهيزات اصطناعية ومتابعة مدى الحياة. ما يعني أن الأعباء التي ستترتب على البلاد فادحة، خصوصا مع ما قرره وزير الصحة عندما رفع حجم التغطية الصحية إلى مئة بالمئة. والتي لم تطل فقط المصابين خلال الحرب فقط، إذ شملت النازحين من ديارهم، وهنا نتحدث عن حوالي 1.200.000 مواطن. حوالي نصفهم من الاطفال والاولاد على أقل تقدير، والباقون من متوسطي وكبار السن. وهؤلاء يعانون من ظروف اقامة غير ملائمة تقود إلى اصابتهم بأمراض متنوعة،  وكلفة متابعة الأوضاع الصحية لهذه الاعداد الكبرى تتحملها الدولة التي تعاني من تراكم انهيارات منذ العام 2019  وحتى الآن . ومن شأن هذه المدفوعات أن تضاعف الخسائر التي أصابت البلاد في غضون سنوات معارك “الإسناد” سواء لغزة بقيادة الأمين العام السابق حسن نصر الله، أو انتقاما لمصرع الولي الفقيه كما أفتى بذلك امين عام حزب الله الحالي الشيخ نعيم قاسم.

إذن الخسائر البشرية التي وردت في الارقام السابقة هي غيض من فيض، طالما وأن المباني قد سقطت على من فيها، وبعضهم ما زال تحت الأنقاض حتى الآن. إذن الخسائر البشرية فادحة وتتجاوز الارقام السابقة. وهذه خسائر لا يمكن تقديرها ماديا، خصوصا وأن عائلات بأسرها تعرضت للإبادة وأخرى فقدت معيليها ولم يبق سوى صغار وأرامل وكبار في السن.

وتسببت العمليات العسكرية بنزوح أكثر من 1.2 مليون شخص داخل لبنان، ما أدى إلى ضغطٍ غير مسبوق على المناطق المضيفة التي تعاني أساساً نقصاً في الموارد والخدمات. كما طال الضغط المادي النازحين أنفسهم الذين اضطرت أعداد كبرى منهم إلى استئجار منازل بأضعاف أضعاف قيمتها التاجيرية الحقيقية. ثم إن عمليات الانتقال لأكثر من مرة من قراهم إلى مناطق التهجير سواء أكانت مراكز إيواء أو عند أقارب تطلبت أكلافا للمواصلات وبعض الحاجيات الملحة.

اقتصادات ضعيفة أصلا

بداية قبل الدخول في الارقام المتوافرة حول انعكاسات هذه الحروب المتلاحقة على قطاعات الاقتصاد المعطوب أصلا، ولا سيما في تلك المناطق، لا بد من الإشارة إلى أن كلا من الجنوب والبقاع الغربي والشمالي والضاحية ليست مناطق “ازدهار اقتصادي” كما هو معروف. العكس هو الصحيح. فالجنوب والبقاع سواء الغربي أو الشمالي يعتاش قسم لا يستهان به من سكانهما على الزراعة، وهي القطاع الأقل مردودا من باقي القطاعات ( زراعات الحمضيات والموز في الخط الساحلي والتبغ والزيتون والحبوب البعلية في الداخل، مع بعض مساحات الأشجار المثمرة ومواسم الخضار الصيفية حيث تتوافر المياه للري). وإلى جانبها الرعي والصيد وتربية الدواجن والمواشي وما شابه من أنشطة. أما الضاحية والمدن الرئيسة في الجنوب والبقاع فالنشاط الأبرز يتمثل في الاعمال اليدوية والحرفية وبعض الصناعات التحويلية الصغيرة. ولعل معظم الانتعاش الذي شهده الجنوب و سواه من المناطق الريفية في غضون العقود الماضية مصدره التجارة في السوق السوداء ( اقتصاد التهريب) وتجارة وزراعة المخدرات والأموال المهجرية. وتوجهت هذه في معظمها نحو قطاع البناء مع بعض المشاريع الفندقية والخدماتية المتفرقة. و نشير هنا إلى أن قسما لا يستهان به من ثروات أبناء هذه المناطق جرى نهبه خلال الأزمة المصرفية التي اندلعت منذ العام 2019 ، عندما امتنعت المصارف عن تسديد حسابات المودعين. ولكن بداية سنتحدث عن قطاع البناء باعتباره الأبرز لدى الجنوبيين والبقاعيين، حيث يُعتبر امتلاك منزل، أو إقامة مبنى في رأس قائمة الاولويات. وعليه يمكن القول أن أكثر ثروات أبناء المنطقة تستقر في هذا القطاع دون سواه.

قطاع البناء المتضرر الأكبر

حتى الرئيس ترامب الذي أبدى دوما تضامنه مع نتنياهو وسياساته التدميرية، اضطر إلى الاحتجاج على تدمير الجيش الاسرائيلي البنايات في لبنان، ما ينعكس سلبا على صورة اسرائيل لدى الرأي العام. والحقيقة أنه خلافا لما سبق، لم تعرف المنطقة العربية حروبا كالتي مارستها اسرائيل منذ العام 2023 في قطاع غزة أولا ثم مع لبنان ثانيا. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أعد تقريرا عن الأضرار المباشرة للأعمال العسكرية ونتائجها على المباني في محافظتي بيروت وجبل لبنان وقدرخسائرها بأكثر من 365 مليون دولار أمريكي، حيث تضررت أكثر من 7600 وحدة سكنية، بما في ذلك أكثر من 3000 شقة دمرت بالكامل، فيما بلغ حجم الركام الناتج عنها نحو 650 ألف متر مكعب.

جاء ذلك في سياق تقييم سريع للأضرار قام به البرنامج بالتنسيق مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان وبالتعاون مع الجيش اللبناني وإدارة السلامة والأمن في الأمم المتحدة. واعتمد التقييم على تقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي، وتحليل صور الأقمار الصناعية، إضافة إلى عمليات التحقق الميدانية، بما يضمن دقة البيانات وموثوقيتها.

وأظهرت نتائج التقييم تركزا واضحا للأضرار في عدد من المناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت وأبرزها: حارة حريك والحدث والشياح وبرج البراجنة والليلكي والشويفات – العمروسية.

وبالانتقال إلى جنوب الليطاني يشير تقرير لكل من برنامج الأمم المتحدة والمجلس الوطني للبحوث العلمية أيضا إلى نتائج التقييم السريع للأضرار على مستوى المباني في جنوب لبنان، والذي يشمل المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما في ذلك أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور وصيدا، وذلك استكمالاً للتقييم السابق الخاص ببيروت وجبل لبنان.

فقد أظهرت النتائج أن إجمالي الأضرار المباشرة في المباني في جنوب لبنان يقدَّر قيمتها بنحو 1.38 مليار دولار أمريكي، مع حجم ركام يُقدَّر بحوالي 3.1 مليون متر مكعب. وقد سُجِّل تدمير كامل لـ 11,095 مبنى، ما أثر على 17,891 وحدة سكنية، فيما تضرر 2,242 مبنى بشكل جزئي (5,219 وحدة سكنية)، وتعرض 9,311 مبنى لأضرار طفيفة (18,282 وحدة سكنية).

وتُعتبر العقارات الأكثر تضرراً لجهة عدد المباني المدمرة كلياً في قضاء بنت جبيل كل من عيناثا (1,658 مبنى) وبنت جبيل (1,076 مبنى)، وفي قضاء مرجعيون كل من ميس الجبل (969 مبنى) والطيبة (824 مبنى)، تليها برج الشمالي (370 مبنى) والناقورة (216 مبنى) في قضاء صور. والواضح من النص السابق أن هناك مناطق منكوبة لم يطلها التدقيق.

واستخدم التقييم منهجية قائمة على الذكاء الاصطناعي الجغرافي (GeoAI)، مدعومة بعمليات تحقق بصري مكتبية دون تنفيذ عمليات تحقق ميدانية. وقد تمت مقارنة صور أقمار صناعية عالية الدقة ملتقطة بتاريخ 29 نيسان/أبريل 2026 مع صور مرجعية تعود إلى 23 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ما أتاح رصد الأضرار المرئية ، بما في ذلك انهيار الأسقف والتشوهات الهيكلية وتراكم الركام على مستوى بصمة المباني. كما تم احتساب حجم الركام وكلفة الأضرار باستخدام بصمات المباني وعدد الطوابق وتكاليف الإحلال المعيارية، بما يتماشى مع منهجية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والتقييمات السابقة.

وقال البرنامج إن التقييم يوفر قاعدة معلومات أولية تدعم الجهات الوطنية والشركاء في تحديد الأولويات وتوجيه جهود التعافي وإعادة الإعمار بشكل أكثر فعالية واستدامة، بما يسهم في تسريع عودة المجتمعات المتضررة إلى حياتها الطبيعية.

الثابت أن حجم وكلفة الدمار والاضرار فادحة بدليل أن معظم أصحاب البيوت يعجزون عن دفع البسيط منها بالنظر إلى ارتفاع أسعار المواد المستخدمة ، كما إن مبان ومنشآت تراثية لا قبل لاستعادة ما كانت عليه.