تقدّم لبنان في مسار التفاوض الإيراني الأميركي، على المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة الأميركية. يكرّس ذلك عدم فصل ملف لبنان عن ملف إيران، خصوصاً أنَّ هذا المسار هو الذي ألزم إسرائيل بوقف إطلاق النار، ويفتح مساراً للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بشكل تدريجي. وبذلك يصبح مسار التفاوض في واشنطن هو مسار لاستكمال المسار الإيراني الأميركي. صورة المفاوضات، ونتائجها تشير إلى إعادة تحقيق إيران تقدماً في مستوى شراكتها بمتابعة ومعالجة ملفات المنطقة، ذلكَ من بوابة ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني بشكل مباشر، سواء على قاعدة تثبيت وقف إطلاق النار، أو تشكيل لجنة لمراقبته ومتابعته، أو حتى البحث في مسار الانسحاب الإسرائيلي ولاحقاً ملف إعادة الإعمار.
لجنة دوليّة إقليمية لمتابعة الملف اللبناني
الخبر الأهم كان يتعلق بتشكيل لجنة متابعة لنتائج اجتماع سويسرا. هذه اللجنة، تضم باكستان، إيران، الولايات المتحدة الأميركية، قطر ولبنان. كما أنها قابلة للتوسيع وهناك إمكانية لانضمام دول أخرى إليها مثل السعودية أو فرنسا أو حتى مصر. ولكن بمجرد الخروج بتشكيل لجنة تضم واشنطن وطهران لمتابعة الملف اللبناني فذلك يحمل تكريساً مباشراً لدور إيران والاعتراف به، وهو ما يتناقض مع كل التصريحات الأميركية السابقة حول فصل الملفات عن بعضها البعض. لا يعني ذلك التخلي عن مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي المباشر برعاية أميركية، بل هو سيكون مساراً مستمراً، وإذا كانت إيران قد نجحت بتحصيل وقف النار، فإن المسار اللبناني الإسرائيلي هدفه البحث في الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وجدولته. وهذا ما جرى بحثه في الاتصالات التي أجريت بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وكلٍ من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وجاريد كوشينر، ومع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. كل ذلك قد يدفع عون لإجراء زيارة إلى كلٍ من السعودية، قطر، وتركيا في إطار شكر هذه الدول على دعم لبنان وزيادة التنسيق للمرحلة المقبلة.
إيران في قلب التفاوض.. الانسحاب الإسرائيلي أولوية
لا يعني ذلك أنَّ طهران ستتخلى عن شرطها بمطالبة الأميركيين بالضغط على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب، فطهران تريد أن تواصل التفاوض حول الملف اللبناني طوال فترة الستين يوماً ليتحقق خلالها الانسحاب الإسرائيلي. في هذا السياق، تكشف مصادر متابعة أنّ رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف قد أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري أنّ إيران وإلى جانب عملها على وقف إطلاق النار وتثبيته، فهي تواصل العمل على تأمين الانسحاب أيضاً، لذلكَ وردت صيغة حماية الأراضي اللبنانية. كما أنّ الاتفاق ينص على إنهاء حالة الحرب في المنطقة، وذلك أيضاً يتقاطع مع إعلان بري عن تعهّده بجعل منطقة جنوب الليطاني خالية من السلاح بالكامل بشرط الانسحاب الإسرائيلي، مقابل دخول الجيش اللبناني والسيطرة على كامل المنطقة.
قطر على خط التنسيق مع الدولة وحزب اللّه
هنا تبرز الاعتراضات الإسرائيلية على الانسحاب، إلا أنّ الأميركيين يعملون على صيغة متدرجة للانسحاب، على أن يكون عنوانها معالجة مسألة أنفاق حزب الله وتفكيكها وسحب السلاح منها، إضافة إلى الحصول على تعهدات إيرانية ومن قبل الحزب بعدم توجيه أيّ تهديد للمستوطنات الإسرائيلية الشمالية. هنا سيكون الدور أساسياً للولايات المتحدة الأميركية في مراقبة عملية سحب السلاح وانسحاب إسرائيل. كما أنَّ أميركا ستكون هي الجهة التي تنقل الاحتجاجات أو المطالب اللبنانية للإسرائيليين. أما الدور الأبرز فسيكون لدولة قطر التي وبناء على علاقتها بالأميركيين والانضمام إلى اللجنة فهي التي ستعمل على التنسيق مع الدولة اللبنانية ومع حزب الله أيضاً، إضافة إلى تنسيقها مع واشنطن.
هذه اللجنة لن تكون مهمتها مقتصرة على مراقبة سحب السلاح من جنوب الليطاني، وانسحاب إسرائيل، بل أيضاً ستكون مهمتها البحث لاحقاً في مسار إعادة الإعمار وإعادة الأهالي إلى الجنوب وضمان الترتيبات المتعلقة بكيفية الحفاظ على الاستقرار ونشر قوات دوليّة تعمل بدلاً من قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل”، إلى جانب السعي لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وتوفير مقومات الدعم له ليتمكّن من الانتشار في كل المنطقة.
سحب السلاح من شمال الليطاني
عمليّاً، حتى الآن يبقى الأمر محصوراً في جانبه بالعمل بمنطقة جنوب الليطاني حول سحب سلاح حزب الله، على أن يتمَّ النقاش التفصيلي في الآليات والمناطق التي سيتم الانسحاب منها، وسط معلومات تتحدث عن اعتماد القطاع الغربي كمنطقة أولى للانسحاب، على أن يبدأ نشاط الجيش فيها بين مدينة صور والبياضة. أما شمال الليطاني، فسيبقى البت بأمره مؤجلاً نظراً لعدم موافقة حزب الله على سحب السلاح تحت الضغط، وأنّه يريد أن يكون هذا الملف مبنيٌّ على حوار داخلي ووفق مبدأ الاستراتيجية الدفاعية، بينما لا تصور واضحاً لدى القوى الدولية حول كيفية العمل في شمال الليطاني، وهنا تُطرح أفكار كثيرة، بينها المبادرة المصرية حول احتواء السلاح وتجميده، أو مقترحات أخرى تتعلق بالبحث عن “الثمن البديل” لمصلحة الحزب سياسياً مقابل التخلي عن سلاحه.
جلسة للكابينيت لبحث الانسحاب
على مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي فإن لبنان يُطالب الأميركيين بضرورة الحصول على تنازلات من إسرائيل في جولة التفاوض، وقد وعد الأميركيون بالعمل على تحصيل مكاسب للبنان وإعلان الالتزام بوحدة الأراضي اللبنانية، وهو ما يحمل إشارة واضحة حول الانسحاب، لذلكَ فإن الكابينيت الإسرائيلي سيعقد جلسته يوم الخميس للبحث في هذا الأمر، إضافة إلى إبداء الاستعداد لتقديم المساعدات للجيش وتعزيز قدراته ووقف الضغوط التي يتعرَّض لها ويعتبرها قائد الجيش أنَّها قد تؤدي إلى اهتزاز السلم الأهلي.
* نشرت بتاريخ 23 حزيران 2026 على موقع المدن
