صحف وآراء مجتمع

عودة النازحين مستمرة رغم الوجع و الخراب والتحديات

محمد قدوح

بيروت 19 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

بدأت عودة النازحين إلى الجنوب، مع بدء سريان وقف إطلاق النار. عادوا وهم يعيشون حالة شعور متناقض. شعور بالفرح لعودتهم للأرض التي أنتزعوا منها رغما عن إرادتهم. وشعور بخسارة احبائهم الذين أستشهدوا، ومنازلهم المدمرة والمتضررة. أهالي البلدات والقرى المحاذية لما يسمى بالخط الأصفر وأصحاب المنازل المدمرة والمتضررة في مناطق الجنوب، وصفوا عودتهم بالإستكشافية، فيما وصفها أخرون هذه العودة بالدائمة. أيا يكن فقد اقتحم الجنوبيون الطرقات والجسور المقطوعة ورجعوا إلى ديارهم غير عابئين بكمية الخطر التي تتهدد حياتهم.

وقد بدأ الجيش اللبناني منذ اليوم الأول لوقف إطلاق النار، بإتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية العائدين من الإعتداءات الإسرائلية، ومن مخاطر أعتدة مخلفات الحرب و القنابل غير المنفجرة، إضافة إلى مساهمته في فتح الطرقات الرئيسة إلى جانب البلديات ومنظمات الدفاع المدني، لتسهيل رجوع المواطنين الى بلداتهم و قراهم و منازلهم .

والفعلي أن الأهالي لم تفاجأوا بحجم الدمار الذي حل بقراهم وبلداتهم ومدنهم، لأن غالبيتهم كانوا على إطلاع عام على الواقع عبر الصور والفيديوهات التي كان يرسلها لهم عناصر الدفاع المدني تباعا منذ اليوم الأول لبدء الحرب. ولدى وصولهم توجه كل منهم إلى منزله سواء كان سليما أو متضررا أو مدمرا. وقد تبين للجميع صعوبة البقاء في ظل أعمال إزالة الردم من الطرقات، وإنقطاع الكهرباء والمياه  وحتى الإتصالات في بعض المناطق، مما إضطر غالبيتهم للعودة إلى أماكن نزوحهم ، وذلك إلى حين تأمين مقومات الحياة الضرورية والسكن البديل لأصحاب المنازل المتضررة والمدمرة .

ويبدو من خلال وتيرة الأعمال الجارية لإعادة الحياة الى مختلف مناطق الجنوب، أنها تسير بوتيرة سريعة، حيث تتشارك البلديات و منظمات الدفاع المدني، بالأضافة إلى مبادرات أهلية ومحلية، إلى فتح الطرقات الرئسية والفرعية، وتأمين المياه والكهرباء بواسطة المولدات الكهربائية، نظرالإستحالة تأمين كهرباءالدولة بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالشبكة  والمحطات من جرّاء الأعمال العسكرية، فيما نشطت مؤسسة أوجيرو وشركتي ألفا وتاتش لإعادة جميع أنواع الإتصالات السلكية واللاسلكية وخدمات الانترنت إلى هذه المناطق .

وفي هذا السياق، يجري العمل على تأمين مساكن بديلة لأصحاب المنازل المتضررة والمدمرة، وذلك من خلال الإتصال بالمغتربين الذين لا تزال منازلهم صالحة للسكن لاستعمالها على نحو مؤقت ريثما تتيسر الأمور، وإعتماد بعض المدارس مراكزا لإيوائهم . وقد بادرت مديرتا ثانوية وتكميلية بلدة صريفا الرسمية مثلا بالاجراءات الإدارية اللازمة بالاتفاق مع  وزارة التربية لاعتمادهما مركزا لإيواء لأصحاب المنازل المتضررة والمدمرة من أهالي البلدة .

في موازاة هذه الورشة، بدأت ورشة أخرى للبحث عن جثامين الشهداء التي ما زالت تحت الأنقاض، وقد تمّ حتى الأن سحب جثامين عشرات الشهداء، وكذلك نقل جثامين الشهداء والمتوفين من المقابر المؤقتة لدفنهم في مقابر بلداتهم وقراهم. ومن المتوقع أن تستمر هذه الأعمال لفترة غير قصيرة، مما يضاعف  أجواءالحزن التي تخيم على مناطق الجنوب.

لقد واجه أهل الجنوب التحدي الأصعب خلال فترة النزوح التي لم تنته فصولها بعد، لكنهم يواجهون التحدي الصعب المماثل والمتعلق بتأمين المال اللازم لإصلاح، أو إعادة بناء منازلهم وإعادة اطلاق أعمالهم. لقد سبق و أن إستنزف هؤلاء مدخراتهم خلال فترة النزوح، وقد لا يجدون من يقرضهم المال الذي يحتاجونه، وبالتالي ليس لهم من خيار سوى طلب  مساعدة أقاربهم المغتربين إن وجدوا، أو انتظار الحصول على التعويضات المتوقعة المستحقة لهم سواء من حزب الله أو الدولة اللبنانية. وهو أمر لم يتضح حتى الأن موعده وآلياته ومقداره، ويأمل الجميع أن لا يطول الإنتظار، خصوصا وأن العشرات منهم بفضلون العمل على إستعادة اعمار بيوتهم عن البقاء يسكنون بالإيجار، أو يقيمون في مراكز الإيواء في بيروت أو الجنوب .

لكن رغم الألم والوجع، لا يزال أهل الجنوب وجبل عامل والبقاع الغربي يمتلكون الوعي الوطني تجاه الأطماع الصهيونية في لبنان، ولديهم في هذا الوعي  حيز مهم جدا لضرورة قيام الدولة الحامية والراعية لهم. وعليه هم على أتم الإستعداد لوصل ما إنقطع معها، ومع باقي مكونات المجتمع اللبناني. لكن  يبقى الأهم أن تحصل مراجعة لما مروا به من التجارب المريرة التي  دفعوا ثمنها غاليا، وإستخلاص الدروس والعبر منها، وإتخاذ الموقف المناسب كى لا تتكرر المأساة بعد أن تعبوا من تكررا المآسي الدامية والقاسية.