سياسة صحف وآراء مجتمع

أزمة الدولة والكيان من أزمة البنية الإجتماعية-الطبقية والسياسية في لبنان

الدكتور بول طبر      

ليس مستعصياً على المراقب أن يستنتج أن الأزمة في لبنان قد أوصلت البلد إلى حافة الإنهيار، ليس فقط بالمعنى الإقتصادي والسياسي والإجتماعي، بل أيضاً بالمعنى الوجودي ككيان سياسي-قانوني وكيان جغرافي موحد. وقد عبر الرفيق زكي طه، في مقاله على منصة “بيروت الجرية”، “في ضرورات الحاجة إلى فتح نقاش حول الخيار البديل: مساهمة في مقاربة المأزق اللبناني وأزمة محاور المنطقة” (10-6-2026) عن هذا الواقع المؤلم عندما قال: ” فالأزمة اللبنانية لم تعد مجرد أزمة حكم أو اقتصاد أو إدارة أو توازنات طائفية، على خطورتها جميعاً، بل أصبحت تعبيراً عن مأزق تاريخي أعمق يتعلق بوجود الدولة وعلاقتها بالمجتمع، وعلاقة الداخل بالخارج، وعلاقة الوطني بالإقليمي.”

وبدون شك، أن هذا الأمر هو نتاج مسار تاريخي طويل ليس المجال مفتوحاً لنقاشه بالتفصيل في هذا المقال، بل سنكتفي بعرض الخطوط العريصة لهذا المسار واستنتاج الخطوات السياسية الضرورية للخروج من المأزق الذي نعيش في وسطه. أن الأسس الطائفية التي انبنت عليها الدولة في لبنان والسلطة التي انبثقت عنها، بالتلازم مع وفود العلاقات الرأسمالية إلى جبل لبنان ومدينة بيروت منذ القرن التاسع عشر، والفئات الطبقية التي تشكلت على رافعة هذه العلاقات وفي كنفها، كل ذلك شكل الإطار المنتظم لذلك المسار وصولاً إلى المأزق الذي نعيشه في الوقت الراهن.

نحن الآن أمام مشهد سياسي طائفي طاغٍ يتألف أساساً من قوى المارونية السياسية والسنية السياسية والشيعية السياسية والدرزية السياسية التي نجحت في تقسيم الطبقة المسيطرة على الإقتصاد والثروة في لبنان (المستوردون والتجار والمقاولون وأصحاب المصارف) إلى فئات طبقية – طائفية بحكم تبادل الخدمات فيما بين كل فئة مع زعماء الطائفة التي تنتمي إليها.

وتحت ضغط السعي الدائم لدى كل تشكُّل طائفي، بالتحالف غالباً مع جناحه الطبقي السائد، للحصول على الموقع الأقوى في السلطة والإقتصاد، يتحالف هذا الطرف أو ذاك مع قوى عابرة للحدود الوطنية لتحسين موقعه والمكاسب التي تتحدر منه مقارنة مع موقع ومكاسب الطرف الآخر، أو من أجل الحفاظ على موقعه المتقدم سلفاً وحصته الأكبر من المكاسب المتحدرة من السلطة والإقتصاد بصورة عامة. وفي هذا السياق، يبقى مشروع الدولة وبنائها كجهاز لكافة ابناء الوطن معلقاً، ومعرضاً للإنحلال مع احتدام التنافس والصراع ما بين القوى الطائفية – الطبقية الرئيسية في لبنان. وهذا ما حدث عام 1958 وخلال الحرب الأهلية بين 1975 و1990 وعلى أثر تحرير الجنوب عام 2000 وصولاً لحد الآن. وتحت سقف هذه التحالفات مع دول هي بالتعريف أقوى (سياسياً واقتصادياً) من التشكيلات الطائفية المحلية، تتحكم مصالح تلك الدول بمصالح القوى الطائفية المحلية ويتم بموجب ذلك إقصاء أي إعتبار لمصلحة الوطن المعلقة أساساً وللمصلحة المشتركة للمواطنين. ومع طغيان المصلحة الطائفية –   الطبقية المركبة لدى الفرقاء المتنازعة، لا تتردد جميع الأطراف عند استحالة التسوية فيما بينها في التخلي ليس فقط عن الدولة (الطائفية) ككيان سياسي موحد، بل عن الوطن ككيان جغرافي موحد، فتمسي مساحة “الوطن” الذي تدافع عنه على قياس المساحة التي تتطابق مع نفوذها السياسي.

وعلى هذا الأساس يمكن القول أنه كلما إرتفع مستوى التطييف السياسي وتعمّم، كلما تعمَّقت الأزمة في لبنان وأصبح الكيان معرضاً للتفكيك والمجتمع للإنقسامات الأهلية، وأقْصِيَ مشروع بناء الدولة وصناعة الوطن والمواطنة. وأخيراً، كلما تطيَّف المشهد المحلي وتأهْلن (أي أصبح محكوماً بالغلاقات والعصبيات الأهلية)، كلما ارتهنت القوى السياسية وأجنحتها الطبقية بمصالح الدول الراعية لها.

وعلى ضؤ هذا التحليل البنيوي للمأزق الذي نعيشه في لبنان والمتمثل راهنا بمعسكر “السياديين” ومعسكر “الممانعين” والقوى الطائفية – الطبقية المنتمية لهم، تتجلى مركزية الدعوة لبناء الدولة، دولة القانون والمواطنة والعدالة الإجتماعية. والواضح أن هذه الدعوة لا تزال تفتقد ل”حامل” سياسي (يتألف من أحزاب سياسية منظَّمة، وليس فقط من ناشطين سياسيين أن جي أوزيين) لتحقيقها مدعوماً بقوى إجتماعية – طبقية صاحبة المصلحة في ذلك الإنجاز. وكما ذكرنا سابقاً، التحالف التاريخي بين الفئات الطبقية المسيطرة على الإقتصاد وثورته في لبنان (التجار والمستوردون والمقاولون وأصحاب المصارف) وبين الأحزاب الطائفية صاحبة النفوذ والسيطرة، يستدعي التوجه إلى الفئات الطبقية المستغَلَّة والمحكومة من قبل هذا التحالف لتجميع قواها وتحشيدها وراء مطلب بناء الدولة المفقودة. وبحكم الفئات الطبقية صاحبة المصلحة في إنجاز هذا المطلب التاريخي، والذي بدونه سيبقى لبنان ككيان ودولة ونظام سياسي، مأزوماً وهشاً ومعرضاً للتحلل، فإن دور الأحزاب اليسارية في هذا السياق سيكون محورياً في بناء هذا الجسم السياسي المطلوب للحفاظ على الكيان اللبناني ولإنجاز دولة المواطنة والعدالة الإجتماعية.

وعلى غرار الطريقة التي أنهى فيها الرفيق زكي مقاله المذكور أعلاه، يبقى السؤىل العملي والملح: هل من مستجيب؟