سياسة مجتمع

توقيع مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية: نهاية مرحلة وبداية أخرى

زكـي طـه

بيروت 19 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

لم يكن التوقيع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً دبلوماسياً عادياً، ولا مجرد خطوة تمهيدية لاتفاق نهائي حول البرنامج النووي الإيراني أو رفع للعقوبات الاقتصادية، بل هو مؤشر سياسي واستراتيجي على دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة، تختلف في طبيعتها عن المرحلة التي أعقبت قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. كما تختلف عن تلك التي تلت الاحتلال الأميركي للعراق، أو موجة الانتفاضات العربية، أو الحرب المفتوحة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.

ولا تعود أهمية المذكرة إلى ما تتضمنه من بنود تتعلق بوقف العمليات العسكرية، أو تخفيف العقوبات، أو إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية والنووية فحسب، بل إلى ما تكشفه من تحول في طبيعة إدارة الصراع الإقليمي. فهي تعكس إدراكاً متبادلاً لدى طرفيها بأن استمرار المواجهة المفتوحة بات يحمل كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية تفوق ما يمكن تحقيقه من مكاسب، وأن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة التوازنات.

مرحلة مختلفة

من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه المذكرة ليس: من انتصر ومن خسر؟ بل: أي شرق أوسط يتشكل؟ وما هو موقع لبنان فيه؟

لقد انشغلت معظم القراءات الأولية بتحديد الرابحين والخاسرين. فهناك من رأى في المذكرة اعترافاً أميركياً بالدور الإقليمي لإيران، فيما اعتبرها آخرون تراجعاً إيرانياً فرضته موازين القوى الجديدة. وذهب فريق ثالث إلى قياسها بميزان المصالح الإسرائيلية، بينما انصرف آخرون إلى تفكيك بنودها التقنية المتعلقة بالملف النووي والعقوبات والممرات البحرية.

غير أن هذه المقاربات، على اختلافها، تظل أسيرة الحدث المباشر، ولا تلامس الدلالة الأعمق للمذكرة بوصفها تعبيراً عن تحول في البيئة الإقليمية والدولية، لا عن تسوية نهائية للصراعات القائمة.

فالوثيقة لا تعلن نهاية الصراع في الشرق الأوسط، بل تعلن نهاية مرحلة من أشكال إدارته. وهي لا تؤسس لسلام شامل، بقدر ما تؤسس لإطار جديد لتنظيم التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، بما يحد من احتمالات الانفجار العسكري المباشر، من دون أن يلغي التناقضات البنيوية التي لا تزال تحكم المنطقة.

وفي هذا السياق، تبدو البنود المتعلقة بوقف العمليات العسكرية، واحترام السيادة، وإزالة الحصار، ورفع العقوبات، وتنظيم الملف النووي، أجزاء من صفقة سياسية متكاملة، يتداخل فيها الأمن بالاقتصاد، والطاقة بالممرات البحرية، والملف النووي بإعادة توزيع النفوذ الإقليمي. وهذا بحد ذاته يعكس طبيعة المرحلة الجديدة، بحيث لم تعد الملفات تُدار منفصلة، بل ضمن رؤية شاملة لإعادة إنتاج التوازنات.

حدود التحول

غير أن المذكرة، على أهميتها، تكشف أيضاً حدود هذا التحول. فهي تكاد تخلو من أي تصور يتعلق بحقوق الشعوب، أو بالديمقراطية، أو بالإصلاح السياسي، أو بالتنمية المتوازنة، أو بمعالجة جذور الأزمات الاجتماعية التي تعيشها المنطقة. كما أن القضية الفلسطينية، بوصفها القضية المركزية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط طوال العقود الماضية، تكاد تغيب عن متن الوثيقة، رغم أن استقرار الإقليم سيظل ناقصاً ما دامت هذه القضية مفتوحة من دون حل عادل، يستند إلى الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

وهذا ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يعكس طبيعة النظام الإقليمي الذي يجري العمل على إعادة تشكيله، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والاستقرار وإدارة المصالح على حساب قضايا الديمقراطية والعدالة وحقوق الشعوب.

وعليه، لا يمكننا النظر إلى هذا التحول بمنطق الاحتفاء أو الرفض المطلق. فكل اتفاق يحد من احتمالات الحرب ويخفف من معاناة الشعوب يمثل تطوراً إيجابياً ينبغي الترحيب به. لكن السلام الذي يقوم على توازنات القوة وحدها، من دون معالجة أسباب الصراع ومظالمه، يبقى سلاماً هشاً، قابلاً للاهتزاز كلما اختلت موازين القوى أو تبدلت الحسابات.

   مفارقة موقع لبنان 

يبقى لبنان وسط هذه المرحلة في موقع بالغ الهشاشة. فالمذكرة تنص على احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي: كيف تُستعاد هذه السيادة وتُصان، في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية من جهة، واستمرار الانقسام اللبناني حول السلاح والاستراتيجية الدفاعية وطبيعة الدولة من جهة أخرى؟

إن النص يمنح لبنان ضمانة سياسية عامة، لكنه لا يقدم تصوراً عملياً للدولة اللبنانية التي يفترض أن تكون صاحبة هذه السيادة، ولا يحدد الآليات التي تحول دون إعادة استخدام لبنان ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالشرق الأوسط يتجه، على ما يبدو، نحو إعادة تنظيم العلاقات بين القوى الكبرى والإقليمية، فيما لا يزال لبنان عاجزاً عن إعادة تنظيم علاقاته الداخلية، وعن بناء دولة تحتكر القرار السيادي، وتجمع بين حقها في الدفاع عن نفسها، وبين احتكارها المشروع لاستخدام القوة.

وهذا ما يجعل لبنان أكثر تعرضاً من غيره لارتدادات المرحلة المقبلة، لأن هشاشته لم تعد ناتجة فقط عن موقعه الجغرافي، أو عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل أيضاً عن استمرار أزمته البنيوية: أزمة النظام السياسي، وأزمة الدولة، وأزمة الاقتصاد، وأزمة القرار الوطني.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا أخذنا في الاعتبار أن المذكرة، وإن فتحت الباب أمام إعادة تنظيم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، فإنها لا تحسم موقع القوى الحليفة لكل منهما، ولا طبيعة الأدوار التي ستؤديها في المرحلة المقبلة.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح على لبنان لا يقتصر على مستقبل العلاقة بين الدولة وحزب الله، بل يمتد إلى مستقبل الدولة نفسها، وقدرتها على استثمار أي مناخ إقليمي أقل توتراً لإطلاق مسار داخلي يعيد بناء المؤسسات، ويستعيد القرار الوطني، ويخرج البلاد من منطق الساحات إلى منطق الدولة.

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيون هو الاعتقاد بأن الاتفاقات الخارجية، أياً كان حجمها، ستنتج تلقائياً حلاً لأزماتهم. فالتجارب السابقة تؤكد أن التسويات الإقليمية قد توفر فرصاً، لكنها لا تبني الدول، ولا تعوض غياب الإرادة الوطنية، ولا تحل محل الإصلاح السياسي.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يكمن في الانحياز إلى هذا المحور أو ذاك، بل في امتلاك رؤية وطنية مستقلة، تجعل من أي تحول إقليمي فرصة لإعادة بناء الدولة، لا مناسبة لإعادة توزيع الولاءات والانقسامات.

إن المرحلة التي تفتحها مذكرة التفاهم ليست مرحلة نهاية الصراعات، بل مرحلة إعادة تعريفها. وهي تتيح فرصاً لتخفيف التوتر، لكنها لا تلغي التنافس والصراع على النفوذ، ولا تنهي التناقضات التي ما زالت تحكم المنطقة.

وبناءً عليه، فإن الموقف المسؤول لا يكون بالرهان على الخارج، ولا بإنكار أهمية التحولات الجارية، بل بقراءة هذه التحولات بعيون المصلحة الوطنية اللبنانية، وبالعمل على تحويلها إلى فرصة للخروج من المأزق التاريخي الذي تعيشه البلاد.

قد تكون هذه المذكرة بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، لكنها لن تكون بداية جديدة للبنان، إلا إذا نجح اللبنانيون أنفسهم في بناء دولتهم، وصوغ مشروع وطني جامع، يحررهم من الارتهان للمحاور، ويعيد الاعتبار للسيادة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، باعتبارها الأسس التي لا يستقيم أي استقرار دائم من دونها.