تمديد الهدنة لـ45 يوماً، ليس تثبيتاً لوقف النار الذي طالب به لبنان في مفاوضات واشنطن، إذ إن إسرائيل تواصل تصعيدها مستندة إلى ضوء أميركي يسمح لها بحرية الحركة لضرب أهداف لـ”حزب الله” وحق “الدفاع عن نفسها”، فيما الاتصالات اللبنانية مستمرة لوضع آلية تثبيت قبل جلسة المسار الأمني المقررة في 29 أيار في البنتاغون.
المفاوضات في واشنطن في جولتها الثالثة كانت أشد تعقيداً من سابقتيها، فيما يراهن لبنان على المسارين الأمني والسياسي لإيجاد فرصة تسوية توقف الحرب، وهو يطرح أقله التوصل إلى صيغة لخفض تدريجي للتصعيد، إذ كان يفترض إصدار بيان إعلان نيات في نهاية الجولة الثالثة، لكنه علّق نتيجة خلافات حول الأولويات، فقد دخل وفد لبنان مثقلاً بضغط الميدان وبموازين قوى مختلة، مصراً على انتزاع تعهدات تؤكد سيادة لبنان والانسحاب، لكن الوفد الإسرائيلي مارس ضغوطاً لتحويل الجلسة إلى البحث بسلاح “حزب الله” أولاً فطرح موضوع الترتيبات الأمنية للمرحلة المقبلة، وهو ما كاد يعطّل الجلسة لولا التدخل الأميركي لضبط إيقاع الجلسة.
يتبين أن الموقف الأميركي في التفاوض لا يساعد لبنان على تعزيز موقفه، لا بل إنه يمارس ضغوطاً على الدولة، بما يوحي بحسب مصادر ديبلوماسية أن لا تفهّم أميركياً للمطالب اللبنانية، إذ يشدّد على نزع سلاح “حزب الله”، وتفكيك بنيته الأمنية. لا بل تشترط واشنطن أي دعم للجيش بتوليه مهمة سحب السلاح ولو بالقوة، وهو ما يفسر طرح تشكيل وحدات قتالية من الجيش لا تضم مؤيدين للحزب.
وتشير وقائع المفاوضات أيضاً إلى أن واشنطن تدير التفاوض على إيقاع بطيء، من دون ضغوط على إسرائيل لدفعها إلى وقف نار شامل، فالموقف الأميركي يبدو أقرب إلى الطرح الإسرائيلي، إذ يدرج التصعيد بحق إسرائيل في الدفاع عن النفس رغم أنها تطلب حصره في نطاق الجنوب. لكن واشنطن لا تريد انهيار المسار التفاوضي، فتسعى للوصول إلى تفاهمات أولية كمدخل لترتيبات أمنية وسياسية لاحقة.
ما ثبت في الجولة الثالثة أن لا عودة إلى الوراء، إذ تخوض الدولة المفاوضات منفصلة عن “حزب الله”، وتتمسك بها كخيار لا بديل منه لوقف الحرب الإسرائيلية والوصول إلى تفاهمات تؤدي إلى استعادة السيادة. لكن العنوان الرئيسي للمفاوضات يتركز أميركياً وإسرائيلياً حول سلاح “حزب الله”، وهذا ما يفهم من المسار الأمني الذي سيبحث آليات شبيهة بعمل لجنة الميكانيزم، ومنها إذا تم الاتفاق على خطوات متبادلة سيتم التأكد من سحب السلاح وسيطرة الجبش على نقاط معينة. لكن المسار الأمني تريده إسرائيل لتنفيذ خطط مشتركة مع الجيش اللبناني لتفكيك البنية العسكرية للحزب،. وتتمسك بطرحها في اجتماع البنتاغون في 29 أيار وستعرض على لبنان المشاركة في تنفيذها بإشراف أميركي، أو الاستمرار في التصعيد العسكري، فيما لبنان يشدد على أن هذه العملية هي لبنانية تندرج في إطار السيادة، وبالتفاهم الداخلي عبر خطة جديدة تناسب الأوضاع الراهنة، وشرطه الأول هو تثبيت وقف النار للتمكن من معالجة حصر السلاح بيد الدولة، منعاً لحدوث صدام يؤدي إلى تفجير الوضع الداخلي.
وبينما ترفض الدولة استدراجها إلى معركة مع “حزب الله”، إلا أن الأخير يرفض التفاوض ويرفع من سقف تهديداته للدولة مراهناً على المسار الأميركي – الإيراني، ولا يقدم أي مساعدة تسمح بتحصين الموقف اللبناني ودعمه لانتزاع اعتراف إسرائيلي بسيادة لبنان وحقه في استعادة أرضه، ما يعني أن أي تفاهمات أو اتفاقات مقبلة تبقى حبراً على ورق، وهذا ما تريده إسرائبل للاستمرار بحربها على لبنان.
* نشرت بتاريخ 17 ايار 2026 على موقع جريدة النهار
