سياسة صحف وآراء

جمهورية السّراب

* شهيد نكد                   

لفت انتباهي يوماً، وأنا في سيارة صديقي رباعية الدّفع، حديثة وضخمة، كيف أنّها تعبر فوق الحفر في الطرقات والمطبّات العشوائية كأنّها غير موجودة. بينما ركوب سيّارة أقرب إلى الأرض يجعلك تشتم الدولة وتلعن البلد مع كلّ ارتطام يهزُّك داخلها وانت تعبر الحُفر والمطبّات. تمرّ سيّارة صديقي فوق أفخاخ طرقاتنا بسلاسة وهدوء ليختفي الشعور بها، لكنّها ما زالت موجودة.

استوقفني هذا الغياب للإحساس. فهذا تماماً ما يحدث لنا، ليس على الطّريق فحسب، بل في تفاصيل كثيرة من حياتنا: من أوهام وإيديولوجيات، وأنماط استهلاك، وخطابات سياسية، وفقاعات رقميّة تجعلنا نَعبُر الحُفر ونتجاوز المطبّات من دون الشعور بها، لكنّها تبقى موجودة في واقع انفصلنا عنه.

الّا أن هذا الانفصال عن الواقع ليس بجديد على لبنان، فهو متجذّر في بنيتنا اقتصادياً وسياسياً ومعرفياً.

وهم الاقتصاد الريعي

على المستوى الاقتصادي، لم يبنِ لبنان دعائم حقيقية، بل اختار نموذجاً اقتصادياً ريعياً يقوم على الخدمات المصرفية والسياحة والتحويلات المالية من المغتربين. فأهمل الصناعة والزراعة والإنتاج المستدام منذ نشأته. وحين توقّفت الحرب مع اتفاق الطائف، كان من المفترض مراجعة هذا النموذج، الّا أن ما حصل هو تثبيته وتعميقه وكأنّ شيئاً لم يكن، فعشنا الوَهم أنّنا بخير. ازدهرت المطاعم والفنادق والملاهي والعقارات، وتراكمت الديون. الجميع كان يعرف، لكن القاطرة كانت مُريحة فلم نشعر بالحُفر والمطبّات. وعندما جاء انهيار سنة 2019، بدا مفاجئاً ومدوّياً، بينما كان مكشوفاً وتمّ التّحذير منه، الّا أن الانفصال عن الواقع كان مُريحاً.

والمفارقة اليوم، وفي ظلّ ما يحصل في العالم وخصوصاً الحرب الدائرة في الإقليم، وما سيترتّب عليها من أزمات اقتصادية ومالية خطيرة وعميقة، ومن إعادة رسم خرائط جديدة في السياسة والأمن وسلاسل الإمداد وإعادة توزيع الطاقة؛ نرى دولاً ثريّة وقويّة تحثّ مواطنيها على ضرورة الاقتصاد في الطاقة. من الاتحاد الأوروبي مروراً بالفيليبين وصولاً إلى دول افريقية، كلّها تحثّ مواطنيها على الترشيد في استهلاك الطاقة، وتبحث عن بدائل في حال طال عمر الأزمة. أمّا نحن الّذين لا نملك خطط طوارئ ولا احتياطات ولا بنية تحتيّة ولا اقتصاداً منتجاً، نرى أنفسَنا منفصلين عن الواقع مرّة جديدة، ولا نبدو حتّى معنيين بما يجري؛ لسنا في هذا المزاج أصلاً. مزاجُنا هو مزاج استهلاكي بامتياز، وهنا الكلام ليس عن الماكرو اقتصاد، بل في الميكرو، أي في حياتنا اليومية وعاداتنا وقراراتنا الإنفاقية والاستهلاكية.

ثمن باهظ

المستوى الثاني من الانفصال الوهمي هو سياسي-أيديولوجي وهو الأشدّ إيلاماً لأنّه يُشير إلى الطريقة التي نرى فيها أنفسَنا وإلى تقييمنا للثمن الذي ندفعه. فهويّتنا الجماعية مبنيّة في جزء كبير وأساسي منها، ليس على وقائع، بل على صور. حيث ننادي بشعارات مثل الانتصار والمقاومة والدولة والسيادة من دون معاينة الكلفة التي ندفعها؛ فارتفاع الثمن بشكل دراماتيكي يفوق القيمة الحقيقية، كما انخفاضه بشكل سخيف لما يستحقّ أكثر، يشكّلان كلاهما السراب.

خذ المقاومة والانتصار، ندفع ثمنهما أرواحاً وأرضاً وأجيالاً. الجنوب يُدمّر للمرّة الثالثة والرابعة… ومدنيون يُقتلون ويهجّرون وقرى تُباد وأراضٍ تُحرق، فيما إسرائيل ترتكب أبشع الجرائم من دون محاسبة. والخطاب يسمّي كلّ ذلك “ثمن الكرامة”: التأفف خيانة، والشكوى طعنة، ليتحوّل الصمت إلى صكّ الوطنية الوحيد، وتُصبح الضحية متّهمة بمجرّد أن تصرخ؛ فهي تخدُش بهاء الشعار ونقاءه. حين يرتفع الثّمن إلى هذا الحدّ دون أن يُسأل أحد من قرّر عن الآخرين، وكيف له الحقّ في أن يُقرّر! حينها يكون الانتصار كما المقاومة سراباً.

خذ الدولة والسيادة، فنحن لم ندفع يوماً ثمنَهما الحقيقي. نُثرثر عنهما كأنّهما مشروع هندسي خفيف التكلفة: وزارة هنا، انتخابات هناك، وقرار هنالك، ونسمّي ذلك دولة وسيادة. لكن الدولة تُكلّف، تُكلّف تنازلاً عن الخاص لصالح العام، تكلّف قطع الارتباطات والارتهانات للخارج، يعني أن يكون للبنان وزارة خارجية واحدة، تكلّف تربية وطنية تبدأ من الحضانة، تكلّف ألا تكون الأرض مكشوفة لكلّ من يريد نهشَها. وحين نمتنع عن دفع هذا الثّمن، تبقى الدولة وسيادتها سراباً أيضاً.

وحين نصطدم بالواقع تكون صدمتنا مضاعفة: من الواقع نفسه ومن اكتشاف أن ما كنّا نؤمن به لم يكن سوى وهم باعنا إيّاه من لم يدفع الثّمن.

خطاب كراهية افتراضي

المستوى الثالث من الانفصال الوهمي وهو الأحدث، الفُقاعة الرقمية. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس دائماً الواقع، بل تخلق واقعاً بديلاً. الخوارزميات تُرينا ما نؤمن به، وما نودّ رؤيته وسماعه. واليوم، تحوّلت هذه الفقاعة إلى وقود كراهية في لبنان. تُشعرنا مناشيرُنا وتعليقاتنا أنّنا نتّخذ موقفاً، وموافقتُنا على مناشير تُريحنا تعطينا الانطباع بأنّنا نفكّر. لكن في الحقيقة، ما نفعله هو تعميق انفصالنا عن الواقع، وتغذية خطاب الكراهية داخلنا، وتكريس استقطاب يوهمنا بالوعي.

والأخطر من ذلك كلّه أن بذور الكراهية لا تكتفي بالبقاء فينا وعلى صفحاتنا، بل تنتقل. فالأجيال الناشئة في هذا الفضاء تتشرّب الكراهية قبل أن تتشرّب التّفكير والحسّ النقدي. وحين نعود يوماً إلى الواقع، قد نكتشف أنّنا لم نكن نتّخذ مواقف، بل كنّا نربّي وحوشاً. وحوش كلّ ما تحتاج اليه للظهور، هو مناسبة.

إن الانفصال عن الواقع ليس بالضّرورة أمراً سيئاً، بل على العكس هو شرط الابداع والفكر، فهو يتجرّد ليرى ما لا يراه غيره محوّلاً الانفصال إلى رؤية والضّعف إلى قوّة. لكن حين يتحوّل الانفصال عن الواقع هروباً وإنكاراً تكون الصّدمة كبيرة وكارثيّة عند الالتقاء مع الواقع من جديد.

السائد في لبنان هو النّوع الثاني، حيث نزعة واحدة تربط بين المستويات الثلاثة وهي رفض التعقيد. فنحن نريد التعاطي مع أمورنا بالشكل الخطّي البسيط، أي خطّ مستقيم من المشكلة إلى الحلّ. لكن الواقع، للأسف ليس كذلك، لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في بناء الدولة والمجتمع. ونبذُنا للتعقيد واصرارنا على تبسيطه، هو تماماً كركوب سيّارة صديقي؛ لا تشعر بالحُفر، لكنّها لا تُلغيها.

* نشرت بتاريخ 16 ايار 2026 على موقع المدن