سياسة مجتمع

 بين الحرب والتفاوض:أي لبنان يُعاد تشكيله تحت النار الاسرائيلية؟

زكـي طـه

بيروت 16 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية

لم يعد ما يجري على الحدود الجنوبية مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو جولة ضغط سياسية عابرة. فالحرب المفتوحة التي تواصل إسرائيل إدارتها على لبنان، بالتوازي مع المسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة، تكشف أن البلد دخل فعلياً مرحلة جديدة شديدة الخطورة، تتجاوز مسألة وقف إطلاق النار أو تثبيت الحدود، لتطال موقع لبنان نفسه في المعادلة الإقليمية وشكل نظامه السياسي والأمني في المرحلة المقبلة.

وفيما ينشغل اللبنانيون بسجالات تبسيطية وانفعالية بين من يرى في أي تفاوض استسلاماً وخيانة، ومن يعتبر أن القبول بالشروط الأميركية والإسرائيلية هو الطريق الوحيد لإنقاذ البلد، تبدو الصورة الفعلية أكثر تعقيداً وخطورة بكثير. فالمفاوضات الجارية ليست مفاوضات متكافئة بين طرفين متساويين، ولا تدور في ظروف طبيعية، بل تجري تحت النار، وفي ظل اختلال هائل في موازين القوى، وانهيار لبناني شامل، وتحوّلات إقليمية كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ والاصطفافات في المنطقة.

من هنا، لا يمكن فهم ما جرى في جلسات واشنطن الأخيرة، ولا استشراف ما قد تحمله المرحلة المقبلة، من دون قراءة أعمق لطبيعة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي الجاري فرضه على لبنان، وللمأزق الداخلي اللبناني الذي يجعل البلد أكثر هشاشة وعرضة للضغط والابتزاز.

مفاوضات تحت القصف

يكفي التوقف عند التصعيد الإسرائيلي المتواصل لفهم طبيعة المسار القائم. فمئات الغارات المدمرة، وعمليات الاغتيال والمطاردة بالمسيرات، وعشرات الإنذارات الموجهة إلى قرى الجنوب والبقاع الغربي، تؤكد أن إسرائيل لا تتعامل مع التفاوض بوصفه بديلاً عن الحرب، بل باعتباره امتداداً لها بوسائل أخرى.

فالمفاوضات، كما يبدو من الوقائع الميدانية والسياسية، تجري تحت سقف الضغط العسكري المباشر، حيث تتحول الحرب نفسها إلى أداة لفرض الشروط السياسية والأمنية. وهذا ما يفسر الطابع القسري الذي يطبع العملية التفاوضية برمتها.

إسرائيل تدخل هذه المفاوضات من موقع الدولة المدعومة أميركياً وغربياً، والمستندة إلى تفوق عسكري وتقني واستخباري هائل، فيما يدخل لبنان إليها وهو يعيش واحدة من أخطر أزماته التاريخية: مأزق سياسي بنيوي وانهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، تفكك اجتماعي واسع، عجز مؤسساتي، وانقسام داخلي حاد حول الخيارات الوطنية الكبرى.

وفي ظل هذا الخلل الفادح في موازين القوى، يصبح التفاوض نفسه جزءاً من إدارة الحرب، لا مساراً مستقلاً عنها. 

ما الذي تريده إسرائيل فعلاً؟

بعيداً عن اللغة الإعلامية والدبلوماسية، يبدو واضحاً أن إسرائيل لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها مجرد آلية لخفض التصعيد أو لضبط الحدود، بل بوصفها فرصة لإحداث تحول استراتيجي في لبنان والمنطقة.

فالهدف الإسرائيلي يتجاوز البعد العسكري المباشر، إلى محاولة إعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية اللبنانية، بما يؤدي إلى تحجيم حزب الله وإضعاف دوره العسكري والسياسي، وصولاً إلى إعادة تكريس ميزان ردع أحادي لمصلحة إسرائيل.

وما تسرّب عن جلسات واشنطن يعكس بوضوح هذا التوجه. فالمطروح، وفق المعطيات المتداولة، لا يقتصر على ترتيبات أمنية جنوب الليطاني، بل يمتد إلى مسار متكامل عنوانه الفعلي الفصل بين لبنان وحزب الله، وفصل الدولة اللبنانية عن المعادلة الإقليمية المرتبطة بإيران ومحور المقاومة.

وفي هذا السياق، برز الحديث عن خرائط إسرائيلية لمواقع حزب الله، وبنوك أهداف، وخطط ميدانية وبرامج زمنية تتعلق بمسار نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية للحزب، بالتوازي مع خطط أخرى تستهدف تجفيف مصادر التمويل والإمداد المالي.

كما أن الطروحات المتعلقة بإشراك الجيش اللبناني في ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة، أو وضع آليات تنسيق وإشراف أميركية مباشرة، تكشف أن المطلوب يتجاوز بكثير البحث عن تثبيت الاستقرار، ليصل إلى محاولة إعادة تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية نفسها.

واشنطن وسيط وطرف في الصراع

رغم تقديم الولايات المتحدة نفسها كوسيط وضامن للمفاوضات، إلا أن الوقائع تؤكد أن واشنطن ليست طرفاً محايداً، بل شريكاً كاملاً في صياغة المسار الجاري فرضه على لبنان.

فالولايات المتحدة تنظر إلى الملف اللبناني من زاويتين مترابطتين: حماية أمن إسرائيل أولاً، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية في مواجهة إيران ثانياً. ومن هنا، فإن الرعاية الأميركية للمفاوضات لا تعني البحث عن تسوية عادلة ومتوازنة، بل إدارة الضغوط والتوازنات بما يخدم المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.

وفي هذا السياق، تستخدم واشنطن الانهيار اللبناني نفسه كورقة ضغط سياسية، عبر ربط أي دعم اقتصادي أو إعادة إعمار أو انفتاح مالي بشروط سياسية وأمنية طويلة الأمد.

لكن المعضلة اللبنانية لا تكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل أيضاً في غياب مقاربة وطنية واقعية ومستقلة لكيفية التعامل مع هذه الضغوط. فجزء من الطبقة السياسية يتعامل مع الدور الأميركي بوصفه خشبة خلاص وحيدة، فيما يختزل جزء آخر المشهد بخطاب إنكاري وشعاراتي عاجز عن قراءة التحولات الجارية.

خطر الانفجار الداخلي

تكمن خطورة المسار المطروح في أنه لا يهدد فقط بإعادة إنتاج الوصاية الخارجية بأشكال جديدة، بل يحمل أيضاً عناصر تفجير داخلي شديدة الخطورة.

فإدخال الجيش اللبناني في أي مسار أمني أو عسكري مشترك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع إسرائيل أو تحت الإشراف الأميركي، يهدد بتحويل المؤسسة العسكرية نفسها إلى ساحة انقسام وتوتر، ويفتح الباب أمام اهتزاز الاستقرار الداخلي الهش أصلاً.

كما أن أي محاولة لفرض وقائع سياسية داخلية بالقوة أو تحت ضغط الحرب قد تدفع لبنان نحو مزيد من الانقسام الأهلي والسياسي، خصوصاً في ظل غياب مشروع وطني جامع، وعجز النظام الطائفي عن إنتاج حلول مستقرة.

فالبلد لا يعيش فقط أزمة تفاوض أو حرب حدودية، بل أزمة بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبالعلاقة بين الطوائف والقوى السياسية والمحاور الخارجية، وبغياب أي مشروع إنقاذي فعلي قادر على إعادة بناء المؤسسات والمجتمع.

بين خطاب الاستسلام وخطاب المكابرة

أحد أخطر مظاهر الأزمة اللبنانية يتمثل في الانقسام الحاد بين خطابين متقابلين:

الأول، يدعو عملياً إلى التسليم بالشروط الأميركية والإسرائيلية تحت عنوان الواقعية وإنقاذ البلد، متجاهلاً أن أي تسوية تُفرض تحت النار ومن دون توازنات داخلية فعلية ستؤدي إلى تكريس التبعية والعجز وربما إلى انفجارات جديدة.

أما الثاني، فيقوم على المكابرة والشعارات القصوى، ويتجاهل حجم التحولات الإقليمية والاختلال الهائل في موازين القوى، كما يتجاهل الكلفة الاجتماعية والوطنية الكارثية للحرب المفتوحة.

وفي الحالتين، يغيب النقاش الفعلي حول كيفية حماية لبنان، وتقليل الخسائر، ومنع تحويل البلد إلى ساحة مستباحة للحروب والتجاذبات الخارجية.

فالسياسة ليست إدارة للشعارات، كما أنها ليست استسلاماً للوقائع المفروضة. والمطلوب اليوم ليس الانخراط الأعمى في أي محور، بل بناء مقاربة وطنية ديمقراطية مستقلة، تنطلق من الدفاع عن سيادة لبنان ووحدة مجتمعه وحق شعبه في الأمن والعدالة والعيش الكريم.

إلى أين يتجه لبنان؟

المشكلة الأساسية أن ما يجري لا يبدو مجرد جولة تفاوض عابرة، بل بداية لمسار طويل ومفتوح على احتمالات شديدة الخطورة.

فإسرائيل تواصل الحرب لأنها تعتبر أن الوقت يعمل لمصلحتها، ولأن حكومة نتنياهو ترى في استمرار التصعيد وسيلة لتحسين شروط التفاوض واستعادة صورة الردع الإسرائيلي. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة معنية بإدارة الصراع ومنع انفجاره الشامل، لكن من دون التخلي عن أهدافها الاستراتيجية المتعلقة بإعادة تشكيل المنطقة. أما لبنان، فيقف في قلب العاصفة، من دون رؤية موحدة أو قدرة فعلية على المناورة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو البلاد أمام عدة احتمالات مترابطة: استمرار حرب الاستنزاف وفق صيغ متنوعة، غايتها فرض ترتيبات أمنية مرحلية وهشة، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع، أو الدفع نحو تسوية سياسية ـ أمنية تُربط فيها إعادة الإعمار والمساعدات بإعادة تركيب التوازنات الداخلية وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية.

لكن أياً يكن المسار الذي ستتخذه الأحداث، فإن الخطر الأكبر يبقى في استمرار العجز اللبناني عن إنتاج رؤية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات الطائفية والمحورية، وتتعامل مع التحديات من موقع حماية البلد لا الاستثمار في انهياره.

فلبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات والانفعالات والسجالات العبثية، بل إلى مشروع وطني ديمقراطي يعيد الاعتبار للدولة ولمفهوم السيادة وللعدالة الاجتماعية، ويحمي البلد من التحول إلى ساحة دائمة للحروب والوصايات والتفكك الداخلي.

وإذا كانت المفاوضات الجارية تعكس ميزان القوى القائم، فإن مستقبل لبنان لن يُحسم فقط على طاولة التفاوض، بل أيضاً يتعلق على قدرة اللبنانيين أنفسهم على إعادة بناء السياسة خارج منطق الطوائف والمحاور والارتهان للخارج… وقبل أن يصبح الانهيار أمراً نهائياً لا رجعة عنه.