سياسة مجتمع

أبعد من “الخيار الثالث”: نحو مقاربة يسارية ديمقراطية للأزمة اللبنانية

زكـي طـه

بيروت 13 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية

أثار نص الباحث زياد ماجد حول ما أسمّاه “الخيار الثالث” نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والثقافية اللبنانية، لا بسبب غرابة الأفكار التي طرحها، بل لأنّه حاول التعبير عن مأزق شريحة واسعة من اللبنانيين الرافضين للاصطفاف القائم بين منطقين متقابلين: منطق التبرير غير المشروط لسياسات حزب الله، ومنطق الرهان على الخارج الأميركي ـ الإسرائيلي بوصفه مدخلاً لإعادة تشكيل لبنان والمنطقة.

ولا شك أنّ أهمية النص تنبع من محاولته الدفاع عن فكرة الدولة والسيادة والسلم الأهلي، ورفضه الانجرار إلى خطاب الحرب الأهلية، أو إلى التماهي مع مشاريع التطبيع، كما من تمسّكه بضرورة وقف العدوان الإسرائيلي ومحاسبة إسرائيل على جرائمها. وهي عناصر تستحق التوقف عندها بإيجابية، خصوصاً في مناخ لبناني وإقليمي باتت تغلب عليه الشعبوية السياسية والانفعالات الطائفية والاستقطابات الحادة.

لكنّ المشكلة الأساسية في النص لا تكمن في نواياه أو في بعض خلاصاته، بل في حدود مقاربته السياسية نفسها، وفي ما تعكسه من أزمة أعمق تعيشها القوى الديمقراطية والمدنية اللبنانية منذ سنوات طويلة.

ذلك أنّ “الخيار الثالث” كما يقدّمه النص يبدو، في جانب أساسي منه، محاولة للهروب من التناقضات بدل مواجهتها. فهو يسعى إلى بناء موقع وسط بين مشروعين متصارعين، من دون أن يحسم بصورة واضحة طبيعة الصراع القائم وأولوياته الفعلية، ولا طبيعة ميزان القوى الذي يحكم البلد والمنطقة.

فلبنان اليوم لا يعيش فقط أزمة “استقطاب سياسي” أو سوء تفاهم بين جماعتين متطرفتين، بل يعيش أزمة كيان ودولة مأزومين ومجتمع مفكك في قلب صراع إقليمي ودولي مفتوح. وهذه الأزمة لا يمكن مقاربتها فقط من زاوية أخلاقية أو قانونية أو ثقافية، بل تحتاج إلى قراءة سياسية ـ اجتماعية أشمل تربط بين البنية الطائفية للنظام اللبناني، والانهيار الاقتصادي، والتدخلات الخارجية، ووظيفة السلاح خارج الدولة، وطبيعة المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

ومن هنا تبدو إحدى ثغرات النص الأساسية: يتمثل في سعيه إلى الابتعاد عن الاصطفاف، لكنه يقترب أحياناً من مساواة ضمنية بين قوتين غير متكافئتين، لا في الدور ولا في الموقع داخل الدولة والمجتمع. إذ لا يمكن وضع قوة تمتلك تنظيماً عسكرياً وأمنياً عابراً لمؤسسات الدولة وترتبط بمحور إقليمي، في الموقع نفسه مع قوى سياسية لبنانية تقليدية أو يمينية أو حتى تطبيعية، مهما كانت خطورة خياراتها السياسية.

وهذا لا يعني إطلاقاً تبرئة خصوم حزب الله وشركائه التقليديين في السلطة، الذين أثبت جزء كبير منهم ارتهانه للخارج، أو استعداده لاستثمار الحروب والانقسامات الداخلية لاستعادة نفوذ مفقود. لكنه يعني أنّ أي مقاربة جدية للأزمة اللبنانية يجب أن تبدأ من الاعتراف بأنّ معضلة الدولة والسيادة والسلاح ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي في قلب الانهيار اللبناني نفسه.

ولا يتوقف الأمر عند هذه النقطة وحدها. فالمعضلة لا تختصر أيضاً في سلاح حزب الله أو في النفوذ الإيراني فقط، كما يحاول البعض تصويرها. إذ إنّ الأزمة اللبنانية هي كذلك أزمة نظام اقتصادي ـ اجتماعي كامل، أنتجته الطائفية السياسية وتحالفات رأس المال الريعي والمصارف والزعامات التقليدية، وشاركت في حمايته وإدارته معظم القوى السياسية الطائفية الأساسية، بمن فيها الحزب نفسه.

ومن هنا فإنّ أي “خيار ثالث” فعلي لا يمكن أن يقوم فقط على التوازن بين رفض التطبيع ورفض سلاح الحزب، بل يجب أن يتأسس على مشروع تغيير شامل يربط بين: بناء الدولة الديمقراطية المدنية، واستعادة القرار السيادي، والعدالة الاجتماعية، وإعادة بناء الاقتصاد المنتج، وتفكيك النظام الطائفي، ومواجهة العدوان والهيمنة الإسرائيلية وكل أشكال التبعية الخارجية في آن معاً.

وهنا تحديداً يظهر القصور الأساسي في طرح “الخيار الثالث” بصيغته الحالية. فهو يبقى، إلى حد بعيد، خطاباً سياسياً ـ ثقافياً موجهاً إلى النخب المدينية والشرائح المتعلمة، أكثر منه مشروعاً اجتماعياً قادراً على بناء كتلة تاريخية شعبية تحمل التغيير. كما أنّه يبالغ أحياناً في التعويل على القانون الدولي والمحاكم الدولية والرأي العام الغربي، متجاهلاً حدود هذه الأدوات في عالم تحكمه موازين القوى والمصالح.

فالقضية ليست فقط في رفض الحرب أو رفض التطبيع، بل في امتلاك القدرة السياسية والاجتماعية على فرض بديل وطني ديمقراطي. وهذه القدرة لا تُبنى عبر التموضع الأخلاقي وحده، بل عبر تنظيم حراك سياسي واجتماعي طويل النفس، قادر على مخاطبة الفئات الشعبية المتضررة من الانهيار والفوضى السياسية والخيارات الطائفية والحرب وأهداف اسرائيل العدوانية معاً.

كذلك، يبدو الطرح أحياناً وكأنه يفصل بين الصراع مع إسرائيل، وبين الصراع من أجل الديمقراطية داخل المجتمعات العربية، بينما أظهرت التجارب أنّ الاستبداد الداخلي والتبعية الخارجية يغذي أحدهما الآخر. فكما لا يمكن بناء مشروع تحرري تحت الهيمنة الإسرائيلية، لا يمكن أيضاً بناء مقاومة تحررية فعلية من مواقع الانقسام الاهلي وخارج الدولة والديمقراطية والمساءلة الشعبية.

أزمة القوى الديمقراطية

ولعلّ المأزق الأكبر الذي يكشفه النقاش الدائر حول “الخيار الثالث” هو أزمة القوى المدنية والديمقراطية نفسها، التي نجحت في إنتاج خطاب نقدي مهم منذ انتفاضة 17 تشرين، لكنها لم تنجح حتى الآن في التحول إلى قوة سياسية واجتماعية منظمة قادرة على فرض حضورها في ميزان القوى اللبناني.

لهذا، قد تكون الحاجة اليوم أبعد من الحديث عن: خيار ثالث” بالمعنى التوفيقي للكلمة، نحو بناء مشروع يساري ديمقراطي جديد يعيد ربط القضية الوطنية بالقضية الاجتماعية، والسيادة بالديمقراطية، ومواجهة إسرائيل بمواجهة النظام الطائفي والريعي في الداخل.

فلبنان لا يحتاج فقط إلى موقع وسط بين معسكرين، بل إلى إعادة تأسيس سياسية كاملة تخرج البلد من منطق وسلطات الطوائف والمحاور والتبعية والانهيار. وهذه مهمة تاريخية معقدة وطويلة، لكنها تبقى الشرط الضروري لأي أفق إنقاذي حقيقي.