صحف وآراء مجتمع

إعادة تعريف الهزيمة بوصفها نصراً مشلولاً

* بلال خبيز   

السجال النضالي الذي يسود في أوساط المهتمين يخفي حقائق بالغة الخطورة على مستقبل المنطقة. ذلك أنه مختصر تقريباً في إعادة تعريف معنى الانتصار. فلو توافق الجميع على معنى ما للانتصار، يمكن بعدها الانطلاق إلى المرحلة الثانية، وهي على الأغلب، قد تكون أكثر دموية، وأشد ضيقاً، وأقل موارد. والحق أن الانتصار يختلف من دولة إلى دولة. أو لنقل إن الانتصار الذي قد تحققه دولة إقليمية كبرى، هو أمر يختلف عن الانتصار الذي تحققه أميركا.

في حقيقة الأمر، أميركا لا تنتصر أبداً. لأنها لا تُهزم أبداً أيضاً. يمكننا السجال طويلاً حول ما حققته الآلة العسكرية الإسرائيلية وما لم تحققه في لبنان، وفي إيران على حد سواء. ويمكننا أن نراقب ما تكتبه وتبثه وسائل الإعلام الإسرائيلية حول صعوبات تحقيق انتصار واضح على حزب الله. وأيضاً حول صعوبات تحقيق سلام دائم مع لبنان. كل هذا يمكن وضعه في واحدة من دفتي ميزان الربح والخسارة. لكن الحديث عن أميركا مختلف، ويجب أن يكون مختلفاً. ذلك أنه من دون إدراك هذا الاختلاف ومعانيه، فنحن نغامر في أن نصدق أننا يمكن أن نكون منتصرين ونحن نقيم في المقابر. بالمعنى الحرفي والمجازي على حد سواء.

العلاقة مع أميركا، حتى حين تكون الدول المعنية بهذه العلاقة كبيرة وأساسية، لا تقاس ولا يمكن مقارنتها بالعلاقة مع الدول الأخرى. هذه دولة تشبه فيلاً في متجر خزف. كيفما تحرك يحدث شظايا تطال حروفها الحادة كل ما حوله ومن حوله، سواء تحرك دعماً لدولة ما، أو تأديباً لأخرى. ويجدر بنا أن نتعامل مع هذه القوة الغاشمة، كما نتعامل مع القوى الغاشمة الأخرى، مثل الزلازل والأعاصير. إذ سرعان ما يعقب الزلزال هدوء، لكن التدمير يكون قد تم. في المقابل، حين يحدث الزلزال، لا تخسر الطبيعة من رصيدها الزلزالي، بل على الأغلب، تكون قد شحنتها بزلازل إضافية، صغيرة وكبيرة، تضرب مناطق لم تكن في بؤرة الزلزال أو في عين العاصفة.

يستطيع الإيرانيون الإصرار إلى ما شاء الله على انتصارهم. ويستطيعون أن يحشدوا لتأكيد هذه القناعة حججاً قد تخطر أو لا تخطر على بال. لكن الثابت أن ما جرى في الحرب الأخيرة أحدث تغييراً كبيراً في قدرات اللاعبين الإقليميين والدوليين. وأن مضاعفات هذا التغيير ستقيم مع دول العالم لوقت ليس بالقصير. هذا ما جرى بعد حرب فييتنام، التي يفترض أنها انتصرت انتصاراً لا غبار عليه، لكنها اليوم تعيش بوصفها واحداً من المصانع الأميركية عبر البحار. وهذا ما جرى في حرب أفغانستان، لكن أميركا ما زالت أميركا، وأفغانستان لم تعد ما كانت عليه.

بعض التغيرات التي طرأت على موازين القوى العالمية يمكن ملاحظتها لكل مراقب نزيه. ثمة أمر واقع فرضته أميركا على العالم، يجبر العالم على التفكير ملياً في محاولة إيجاد حلول لهذه البقعة البحرية المسماة مضيق هرمز. كيف نستغني عنها؟ هل بالإمكان أن نتعايش مع إغلاقها؟ ما هي الدول التي قد تربح من هذه الأزمة؟ وأي الدول ستخسر؟ مؤخراً، أخذت دولة الإمارات العربية قراراً بالانسحاب من أوبك. كل المعنيين والمتابعين للشأن الخليجي، يؤكدون أن سبب الانسحاب رغبة إماراتية في استغلال ارتفاع أسعار النفط لترفع من سقف إنتاجها. الأرباح مغرية بلا شك لأي دولة. فكيف إذا كانت هذه الحرب قد أيقظت شبح اضطراب قد يطال أيقونة هذه الدولة الاقتصادية والاجتماعية، والمتمثلة بنجاحها في تشكيل محطة ترانزيت، مالية وصناعية وتكنولوجية وسياحية لكل اقتصادات المنطقة وما يتجاوز حدودها. ولا شك أن بعض من يملكون القرار في هذه الدولة لاحظوا خلال هذه الحرب وقبل حدوثها، أن هذه المحطة تحتاج لتبقى مزدهرة وناشطة لاستقرارٍ على كل المستويات لا تشوبه أي شائبة من أي نوع. وأن استمرار الاضطراب قد يؤدي إلى هجرة الشركات والأعمال إلى مدن أخرى أكثر استقراراً وأبعد عن حافة النار. في الخلاصة، يبدو قرار أبو ظبي الآنف الذكر منطقياً ومنسجماً مع كل التغيرات التي حصلت. لقد حدثت أزمة، والسؤال الذي تحاول أبو ظبي الإجابة عليه: كيف نحول هذه الأزمة إلى سوق؟

هل كانت هذه التغيرات لتحدث الآن وسريعاً لو لم تحدث الحرب؟ الأرجح أن الجواب لا قطعاً. لكن السؤال الآخر هو التالي: هل أدت هذه الحرب إلى قلق أميركي من مستقبل رجراج؟ الجواب قطعاً: لا. فما فعلته أميركا لم يتعد واقع أنها وضعت العالم كله أمام أزمة كبرى، وها هي تطالبه بأن يدفع كلفة حلها لهذه الأزمة، مرة واحدة وإلى الأبد. بدلاً من التعامل بالمفرق، مع هذه الأزمة المتمثلة بعلاقات إيران المتوترة بدول الجوار وبالعالم أجمع، والتي كان يتم التعامل معها بمنطق التعامل مع قطّاع الطرق: تحدث أزمة محدودة، فتتم معالجتها برفع أسعار التأمين، أو قصف محدود في اليمن، أو تشديد للعقوبات على إيران. اليوم العالم كله أمام أزمة رمتها أميركا بوجهه. في وقت أصبح الطلب على نفطها أكبر من ذي قبل، وأصبح الطلب على شركات التأمين الأميركية أوسع بكثير من ذي قبل. فضلاً عن القلق من احتمال تخلفها أو رفضها لحماية حلفائها. وهذا ما يبدو واضحاً في كل المناقشات السيادية، من إيران إلى أوكرانيا فالاتحاد الأوروبي فالعالم العربي والإسلامي، وصولاً إلى إسرائيل. والحق، إن أميركا في حربها هذه، التي يحسب الكثيرون أنها لم تنتصر فيها، قد هزمت الكوكب كله. وها نحن نعيش في خضم الهزيمة، ونحاول ما أمكننا أن نتجاوز آثارها.

واقع الأمر أننا نعيش في زمن الهيمنة غير المباشرة. أميركا لا تسعى لتحطيم خصومها دائماً، بل يكفيها أن تستنزفهم وتتركهم يغرقون في تفاصيل انتصاراتهم الصغيرة، بينما هي تعيد ترتيب موازين القوى العالمية لمصلحتها.

وعليه، وبناء على ما تقدم، يلح السؤال التالي: هل المجتمعون حول إعادة تعريف الانتصار يفعلون ذلك بوعي كامل، أم أنهم أسرى لغة قديمة لم تعد قادرة على مجاراة آلة الهيمنة الجديدة؟ وهل يمكن لأي طرف إقليمي أن يبني انتصاراً حقيقياً من دون أن يحيد عن مسار أميركا، أم أن كل انتصار سيظل مؤقتاً ومشروطاً ما دام الإطار العام هو الإطار الأميركي

  * نشرت بتاريخ 1 أيار 2026 على موقع المدن