لم يكن يمتدح جبران الجهد الجسدي وحده حين كتب “أحبّ من الناس العاملَ”، بل كان يُشير إلى شيء أعمق؛ إلى العمل الذي تختلط فيه الروح مع الإنتاج. فالحدّاد الذي يُنزل مع مطرقته قطرة من دمه، والنجّار يدفن مع المسمار الذي يدقّه شيئاً من عزيمته. ومن أجمل ما قاله جبران في نصّه عن العامل، “أحبّ العاملَ لأنّه لِدِعتِه يَحسبُ نفسَه خادماً وهو السيّد السيّد. وأحبّه لأنّه لحِشمته يظنّ نفسَه فرعاً وهو هو الأصل”. هذا ليس وصفاً للعمل، بل وصف للمعنى الذي يحوّل الفعل من حركة ميكانيكية إلى فعل حضاري. فالحضارة لا تقوم إلّا على العمل، والمعنى هو روح العمل، سواء كان جسديّاً أو فكريّاً.
وإذا كان المجتمع في جوهره شبكة من الحاجات المتبادلة (عاطفيّة وماديّة في آن)، وإذا كان العمل هو الخيط الذي يربط هذه الشبكة ويجعلها متماسكة، فإنّ هذا الرّبط لا يكون حقيقيّاً الّا إذا كان العمل يحمل قيمةً لصاحبه، وقيمةً لمن يتلقّاه. وهنا بالضبط يطرح عصرُنا سؤالاً ملحّاً: في زمن الاستهلاكية، ماذا بقي من قيمة العمل؟
يعطينا المفكّر نسيم طالب مفتاحاً لفهم هذا التحول في مفهوم العمل. فالعمل الحقيقي عنده هو الذي يتحمّل صاحبُه عواقبَه، والذي يضع فيه سمعته وكبرياءه ومصيره. الحدّاد الجبراني لا يستطيع المساومة على جودة عمله لأن عمله هو هو، هو سمعته وهويّته. لكن حين تتحول العلاقة بالعمل إلى مجرد وسيلة للاستهلاك، يختفي هذا البعد تدريجياً. نتحول أصحاب عمل بالمعنى المعنوي إلى مؤدّين لوظائف منفصلة عن معناها: العامل يضع روحه فيما يصنع ويتحمل تبعاته، أما الموظف فيؤدي مهامه وينتظر نهاية الدوام ليتحرّر من العمل، في حين أن العامل الحقيقي يجد حريته داخل عمله لا خارجه. ومن هنا ظهرت فكرة ريادة الأعمال كباب للتحرّر، رائد الأعمال يختبر فكرته ويتحمل مسؤوليتها ويعيش عواقبها. ولا تكون ريادة الأعمال ذات معنى حقيقي إلا حين تعيد وصل الإنسان بنتيجة عمله.
في لبنان، هذا التحرر يصطدم بعائق بنيوي أعمق. فالنقابات العمالية التي كان يُفترض أن تكون الفضاء الذي يتجمّع فيه العمال حول مصالحهم المشتركة، تحوّلت إلى امتداد للطائفية والزبائنية. العامل اللبناني لا ينتمي إلى طبقته، بل إلى زعيمه. ولا يدافع عن حقوقه كعامل، بل يُدار كورقة ضغط في يد مَن يحميه. هكذا ضُرب التضامن الطبقي قبل أن ينشأ، وهكذا تحوّل عيد العمال، الذي يحتفل به العالم اليوم كيوم للوحدة والمطالبة بالحقوق، إلى مناسبة تُذكّرنا بغياب الوعي الجمعي بقيمة العمل والإنتاج. وفي المفارقة الأكثر لبنانية: في عيد العمال، العامل يعمل وربّ العمل يُفرّص.
الاستهلاك بات اليوم فلسفة حياة لا مجرد نمط اقتصادي. نشتري أشياء لا نحتاجها، بأموال لا نملكها، لنُرضي أناساً لا نحبهم. وفي هذه الدوامة يفقد العمل معناه الجبراني تدريجياً، ويتحول إلى آلة لتمويل الاستهلاك لا إلى فعل يربط الإنسان بمجتمعه وبمعنى وجوده. وما رصده عالم الأنثروبولوجيا ديفيد غرايبر في ليس مجرد ملاحظة أكاديمية، بل صرخة: ما بين 37 و40 بالمئة من العمال في الدول الغنية يشعرون أن وظائفهم عديمة الجدوى ولا تضيف شيئاً للعالم. هذا ليس رقماً إحصائياً فحسب، بل هو أزمة معنى حضارية عميقة.
وهنا يقف لبنان في مكان بالغ الخصوصية. نحن لا نعاني فقط من أزمة اقتصادية، بل من أزمة علاقة مع مفهوم الإنتاج بالمعنى الأعمق. بنينا على مدى عقود اقتصاداً يقوم على الاستيراد والاستهلاك والخدمات، اقتصاداً يفترض أن العالم سيبقى مفتوحاً ومستقراً وسخياً إلى ما لا نهاية. والأخطر أن أحداً لا يبدو مهتمّاً بطرح السؤال الحقيقي: ماذا لو تعرّضت سلاسل الإمداد العالمية للانقطاع من جرّاء النزاعات الإقليمية؟ أين نحن من إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والغذاء؟ بلد لا يأكل مما يزرع ولا يشرب مما يعصر، هو بلد يرهن حياة أبنائه اليوميّة بالخارج، قبل الارتهان السياسي. فاذا سنفعل إذا انقطع ما اعتدنا استيراده؟ نحن لا نعاني من أزمة فحسب، بل نُبدع في إعادة إنتاجها: نستورد أزماتنا كما نستورد قمحنا ودواءنا ووقودنا.
لكن الإنتاج ليس فقط مصانع ومحاصيل وبضائع. الإنتاج هو أيضاً أفكار ورؤى ومواقف. ولبنان، بتاريخه العريق في الانفتاح والوساطة الثقافية، وبتنوعه الذي جعله نموذجاً فريداً في المنطقة، وبعلاقاته الممتدة شرقاً وغرباً، يملك ما لا تملكه كثير من دول المنطقة: القدرة على أن يكون جسراً للحوار في زمن الانقسام، ومنتجاً للرؤية في زمن الفوضى. ما الذي يمنعنا، بالرغم من كل جراحنا، أن نكون مع شركائنا الإقليميين شركاء في رسم استراتيجية لمنطقة تعيد تشكيل نفسها؟ لبنان الذي أنتج فكراً وأدباً وصحافة وثقافة، لا يجب أن يكتفي بأن يكون ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين، يمكنه أن يكون صانع رؤية.
جبران قال إنه يكره من يجلس إلى مائدة الوجود ولا يضع عليها رغيفاً من خبز جهاده. المائدة اليوم أوسع مما كانت، والرغيف المطلوب أكثر تنوعاً مما تخيّل. لكن المبدأ واحد: لا مكان في هذا العالم لمن لا ينتج، لا على المائدة الاقتصادية، ولا على المائدة الحضارية.
* نشرت بتاريخ 2 آيار 2026 على موقع المدن
