لمناسبة عيد العمال العالمي في الأول من أيار عام 2026 أصدر المكتب التنفيذي لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني البيان الآتي نصه:
يحلّ عيد العمال هذا العام ولبنان يواجه أخطر وأقسى المنعطفات في تاريخه الحديث. ففي الجنوب، تتواصل تداعيات العدوان الإسرائيلي، بين نزوحٍ واسع طال أكثر من مليون مواطن، وبقاءٍ محفوف بالخوف من القتل والدمار. مدن وبلدات وقرى بأكملها سُوِّيت بالأرض، وامتدّ الخراب ليشمل أجزاء واسعة من بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع الغربي ومنطقة بعلبك ـ الهرمل، في مشهد يعكس حجم الكارثة الوطنية التي يعيشها اللبنانيون.
أيها اللبنانيون،
إن هذه الكارثة الشاملة تضع مصير البلاد ووحدة أرضها وشعبها أمام أخطار وجودية حقيقية. ومع ذلك، تستمر قوى السلطة الطائفية في تقديم صراعاتها الفئوية على حساب المصلحة الوطنية، على النحو الذي يبقى لبنان ساحة للتدخلات والنزاعات الخارجية المتشابكة، مع الحرب الأميركية ـ إسرائيلية من جهة، والإيرانية من جهة أخرى. وبين هذين المحورين، تتصرف هذه القوى وكأن الانهيار والخراب اللذين يضربان المجتمع لا يعنيها.
لقد فقدت الغالبية الساحقة من اللبنانيين استقرارها المعيشي والاجتماعي، ووصل ما يقارب 80% منهم إلى حافة الفقر، في ظل تدمير ممنهج للاقتصاد الوطني، وكساد عام، وانهيار غير مسبوق في مقومات العيش. ومع ذلك، تواصل احزاب الطبقة الحاكمة تجاهل هذه الوقائع، وترفض الانخراط في أي حوار وطني جدي من شأنه إخراج البلاد من أزمتها العميقة.
يا عاملات وعمال لبنان،
لم يؤدِّ انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة قبل أكثر من عام، إلى وقف مسار الانهيار المستمر منذ ما يزيد عن سبع سنوات. جرى خلالها تآكل ما حققه نضال اللبنانيين وتضحياتهم، سواء على صعيد إعادة إعمار الوطن، أو إرساء الحقوق الاجتماعية عبر قانوني العمل والضمان الاجتماعي. كما شهدت البلاد انهياراً شبه كامل لمؤسسات الخدمات العامة من: التعليم إلى الصحة، ومن الطاقة والمياه إلى النقل والأمن.
في موازاة ذلك، أحكمت شبكات المصالح والمافيات سيطرتها على ما تبقى من مرافق الدولة، وفرضت على المواطنين أعباءً إضافية، في وقت عجزت فيه مؤسسات الدولة عن تأمين أبسط مقومات العيش الكريم. ولم تتوقف هذه السياسات عند هذا الحد، بل طالت أيضاً شروط العمل نفسها: من الأجور إلى ساعات العمل، ومن التقديمات الاجتماعية إلى العقود الجماعية، وصولاً انهيار قطاعات بأكملها، وشلّ الإدارات العامة وتعطيل دورها.
وقد أدى هذا المسار إلى تعميم الإفقار، خصوصاً في صفوف المهجّرين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم في الزراعة والصناعة والحرف والخدمات، وباتوا يعتمدون على مساعدات لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش.
يا عمال لبنان،
إن واقعكم اليوم يؤكد حقيقة واضحة: لا أحد يحمي ويدافع عن حقوقكم إلا أنتم، ومعكم سائر الفئات والقطاعات المتضررة، باعتباركم جميعاً أصحاب المصلحة الحقيقية في إعادة بناء الدولة. ففي ظل غياب حركة نقابية مستقلة وفاعلة، بعد أن جرى إخضاعها وإلحاقها بأحزاب السلطة الطائفية، تُرك العمال والعاملات بلا أدوات دفاع حقيقية عن مصالحهم. فلا الاتحاد العمالي العام، أو سواه من الهيئات والأطر النقابية، ولا مجالس العمل، ولا المجلس الاقتصادي والاجتماعي، قاموا بالأدوار المطلوبة منهم في مواجهة هذا الانحدار الخطير.
وكما تعلمون جميعاً، لم تعد الأجور تكفي سوى لأيام معدودة، وأصبح الاعتماد على تحويلات الخارج ضرورة للبقاء. أما الكارثة الأكبر، فتمثّلت في نهب ودائع اللبنانيين في المصارف، وهي حصيلة سنوات طويلة من عملهم وتعبهم وتعب أبنائهم.
انطلاقاً من هذا الواقع، نرى أن المهمة الأولى والملحّة تكمن في تحرير الحركة النقابية من قبضة القوى الطائفية، والعمل على تأسيس لجان، وبناء نقابات واتحادات مستقلة وديمقراطية. نقابات قادرة على تمثيل مصالحكم الحقيقية، وقيادة نضالاتكم في أماكن العمل وفي الشارع، ضمن إطار سلمي ديمقراطي منظم.
إن الإمساك بقضيتكم بأيديكم، وإعادة بناء أدوات نضالكم، يشكلان الخطوة الأولى على طريق طويل لا بد من خوضه بثبات، دفاعاً عن حقوقكم وكرامتكم ومستقبلكم.
بيروت، في 30 نيسان 2026
المكتب التنفيذي لمنظمة العمل
اليساري الديمقراطي العلماني
