في خضم البحث عن تفاصيل “الشرق الأوسط الجديد”، تزول وتبتعد يوما بعد يوم عروبة الشرق الأصيل مثل بقايا حلم لم يُحلم. لم تعد هويتنا هويته، ولا أصولنا وجذورنا أصوله وجذوره. ومع كل حدث يهز الإقليم، نبدو أكثر فأكثر غرباء، بينما يتصرف الآخرون كأنهم رعاتنا ونحن مراعيهم.
من ضياع إلى ضياع، ومن نكبة إلى نكسة إلى هزيمة. بعد 1967، أمضينا عقودا نتجادل حول ما حل بنا، هل هو نكسة أو هزيمة؟ وكان فرحنا عظيما عندما اكتشف لنا الأستاذ محمد حسنين هيكل تعبير “النكسة” ومضينا سعداء راضين كأنما المسألة برمتها، كالعادة، مسألة بلاغة وقواميس. أضعنا شرقنا وأرضنا في الجدل وأصبحنا فيها غرباء، ممنوع علينا حتى الالتماس.
عد فقط إلى أول القرن: كانت تركيا دولة جارة وليست قوة رابطة. وكانت إيران جمهورية إسلامية وليست إمبراطورية متعطشة. وكانت إسرائيل تبحث عن حيز تقيم فيه، وليس عن منطقة تستعمرها وامتداد تمحو من خلاله الآثار التاريخية والاجتماعية لإحدى أقدم بقع الأرض.
تتقاتل إيران وأميركا (وإسرائيل) فوق مربعنا التاريخي، حتى من دون الوقوف على رأينا في الأمر. وتتحرك في أجوائنا أضخم آلة عسكرية عرفتها الأمم، وليس لنا في ذلك رأي أو اعتراض. وفي الصراع العالمي، كان الاتحاد السوفياتي سندا دوليا لعروبة الشرق، واليوم يتحدث السيد سيرغي لافروف عن الأزمة التي تلفّ العالم، كأنه وزير خارجية ماكرونيزيا. أو أكثر حيادا.
يكرر بنيامين نتنياهو القول إنه يعيد تشكيل “الشرق الأوسط الجديد”. ربما يقصد أولًا إعادة احتلال لبنان وإجراء التطهير العرقي الذي لم يكتمل من قبل. وهكذا لا يعود فرق بين الحدود الداخلية والخارجية، ويعطى أصحاب الأرض نسبتهم المئوية من مشاريع “الصوت والضوء”، بحيث يتحول أصحاب القضية إلى أدلاء سياحيين ووكلاء حصريين.
بينما يعاد تشكيل خريطة المنطقة، يبدو الدور العربي الأقل تأثيرا. تحاول مصر إعادة شيء من الفاعلية والتوازن في ضوء المتغيرات الجارفة. ويحاول العراق صد الفسوخ المتزايدة في هيكل الدولة. لكن إشارات التفسخ لا تزال الأكثر إقلاقا. “الشرق الجديد” هو غياب العرب، لا يحضرون إلا ضحايا وبائسين.
* نشرت بتاريخ 28 نيسان 2026 في جريدة النهار
