ما بين النار الإسرائيلية ونار الانفجار الداخلي، وصل لبنان إلى نقطة حساسة وحرجة. إسرائيل تعلن توسيع الغارات وتوجّه إنذارات لإخلاء بلدات شمال نهر الليطاني، بينما حزب الله يواصل عمليات الردّ في الجنوب، وهو يؤشر إلى أن الهدنة قد سقطت، وإن لم تتوسع العمليات الإسرائيلية لتطال بيروت أو ضاحيتها الجنوبية. في المقابل، فإن منسوب الاستنفار في الوضع السياسي الداخلي يرتفع على خلفية التفاوض المباشر مع إسرائيل ومعارضة حزب الله له. وهنا يحاول بنيامين نتنياهو العمل على زرع الشقاق بين الدولة اللبنانية وحزب الله، خصوصاً عندما أعلن أن الضربات التي تنفذها إسرائيل تأتي وفق قواعد تم الاتفاق عليها مع الولايات المتحدة، وكذلك مع لبنان، وهدفه إحراج الدولة اللبنانية أكثر.
بيروت والسلاح
هذا الوضع الهش للهدنة، وللواقع السياسي الداخلي، وضع لبنان يوم السبت على صفيح ساخن من خلال عملية توقيف نفذها جهاز أمن الدولة في منطقة ساقية الجنزير في بيروت، وحصل خلالها إطلاق نار، وهذا ما اعتبره سكان المنطقة ترهيباً لهم، فاندفع الناس بتحركات وتظاهرات مع مواقف سياسية منددة. وسُجّلت على هامش المشهد ملاحظات عديدة، أولاً أن هناك مجموعات جاهزة للتحرك في الشارع وهي معارضة لحزب الله، وبدا ذلك كأنه ردّ فعل على التحركات التي نفذها الحزب قبل أسبوعين في بيروت مطالباً باستقالة الحكومة. ثانياً، جاء هذا المشهد بالتزامن مع ضغوط سياسية لأجل جعل بيروت منزوعة السلاح، لتبدو الصورة أنّ تحرك جهاز أمني لتوقيف أحد الأشخاص أثار كل هذه الاعتراضات، فكيف سيتصرف حزب الله أو بيئته الحاضنة في حال تحرك الجيش أو أي جهاز أمني آخر لسحب سلاحه أو لتوقيف أحد مسؤوليه، وهو ما يعيد تكريس الانقسام والتوتر ويمكن أن يؤدي إلى صدامات وانفجار، بدا ذلك كأنه محاولة لتقويض عملية “جعل بيروت منزوعة السلاح”.
لقاء واشنطن والضغوط
سياسياً أيضاً، تبقى التعقيدات القائمة بشأن التفاوض اللبناني الإسرائيلي، وسط ضغوط أميركية مستمرة ومتواصلة لأجل الدفع بحصول اللقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية جوزاف عون وهذا إن حصل سيؤدي إلى انفجار الأوضاع في الداخل اللبناني. أما في حال لم يحصل ولم يتفهم الأميركيون موقف لبنان، فإن نتنياهو سيتخذ من ذلك ذريعة لتصعيد وتكثيف عملياته العسكرية في لبنان، وإن لم يحظَ بضوء أخضر أميركي لتوسيع نطاق عملياته. في هذا السياق، تبرز مساعٍ دولية عديدة تقوم بها كل من السعودية، مصر، وقطر مع الولايات المتحدة الأميركية لتوفير مظلة للموقف اللبناني برفض لقاء نتنياهو وتجنيب لبنان مثل هذا الانفجار.
ميدانياً، فإن ما شهدته الأيام الماضية والعمليات التي نفذها حزب الله، أثبت من خلالها أنه لن يكون هناك قدرة لإسرائيل على وقف عملياته العسكرية، وبذلك ستكون تل أبيب أمام خيار من اثنين، إما الوصول فعلاً إلى اتفاق وقف إطلاق نار، أو الإصرار على تحصيل ضوء أخضر أميركي لخوض عملية عسكرية طويلة وواسعة جداً بهدف تفكيك قدرات الحزب، وليس فقط لإقامة منطقة أمنية أو عازلة. لكن هذا يعني الدخول بحالة حرب طويلة.
صيغة حلّ سريع؟
أمام كل هذه الوقائع، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية، يسعى فيها إلى تجنب استمرار الحرب، ومنع حصول أي انفجار داخلي. لذا يتركز التفكير على البحث من خارج الصندوق عن صيغة حل سريع، تجري المبادرة إليها بجرأة عالية، من قبل مختلف الأطراف ما بين الدولة اللبنانية وحزب الله، تبدأ من اللقاء الثلاثي بين الرؤساء الثلاثة الذي سيعقد يوم الأربعاء المقبل، على أن تستكمل بحوار موسع بين مختلف المكونات للوصول إلى حل، يقضي بدخول حزب الله في الدولة والالتزام بقراراتها، واحتواء السلاح أو وضعه في عهدة الدولة وتسليمه للجيش، على أن تكون الدولة هي المعنية باستخدامه وبقرار الحرب والسلم، مع الوصول إلى اتفاق يشبه اتفاق الهدنة أو يتم إدخال ترتيبات أمنية عليه.
* نشرت بتاريخ 27 نيسان 2026 على موقع المدن
