بعد الحرب الطاحنة الّتي عاشها لبنان على مدى شهرٍ ونيف، لا يمكن الحديث عن “وقف إطلاق نار” في جنوب لبنان بوصفه عودةً إلى ما قبل الحرب الّتي مرّت، بل عن هدنةٍ فُصِّلت فوق وقائع ميدانيّة فرضتها إسرائيل بالنار والتوغّل. فالنصّ الذي نُشر بصياغةٍ أميركيّة ينصّ على “وقف الأعمال العدائيّة” لعشرة أيّام بدءًا من 16 نيسان، وعلى امتناع إسرائيل عن “العمليّات الهجوميّة” داخل لبنان، لكنّه، في المقابل، يُبقي لها “حقّ اتّخاذ كلّ الإجراءات اللّازمة دفاعًا عن النّفس” في أيّ وقت ضدّ هجماتٍ “مُخطَّطة أو وشيكة أو جارية”. والأخطر أنّه لا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الّتي احتلّتها في الجنوب، بل يترك هذا الأمر خارج النصّ، فيما أكّدت تقارير دوليّة متقاطعة أنّ القوّات الإسرائيليّة ستبقى داخل شريطٍ يصل إلى نحو 8 إلى 10 كيلومترات في الجنوب، أي ما يوازي قرابة 8% من مساحة لبنان..
وعليه، فإنّ “خريطة السَّيطرة” الإسرائيليّة حتّى لحظة وقف إطلاق النّار ليست خريطة احتلالٍ كاملٍ ومتّصلٍ لكلّ ما هو جنوب الليطاني، بل خريطة جيوبٍ وممرّاتٍ ومحاورَ نارٍ وتدميرٍ وتمركزاتٍ متقدّمة، تعمل إسرائيل على ربطها ضمن “منطقة أمنيّة عازلة” أوسع من النِّقاط الخمس الّتي أبقتها بعد ترتيبات 2024. وهذا هو الفارق الجوهريّ، فتل أبيب لا تتعامل مع الهدنة كمرحلة انسحاب، بل كإطارٍ سياسيّ يشرعن تثبيت ما أنجزته برّيًّا، ويمنحها، بحسب الصياغة الأميركيّة والإسرائيليّة، هامش بقاءٍ ومراقبةٍ وضربٍ تحت عنوان “الدفاع عن النَّفس”.
“اتفاقيّة الهدنة”
النصّ الأميركيّ، كما نُشر وتداولته مصادر متطابقة، يقوم على أربع ركائز عمليّة، وقف الأعمال العدائيّة لعشرة أيّام قابلة للتمديد، التزام الحكومة اللبنانيّة اتّخاذ “خطوات ذات معنى” لمنع “حزب الله” وسواه من تنفيذ هجمات ضدّ إسرائيل، تكريس القوى الأمنيّة الرسميّة باعتبارها الجهة الحصريّة المسؤولة عن سيادة لبنان ودفاعه، وفتح الباب أمام مفاوضاتٍ مباشرة بوساطة أميركيّة لبلوغ “سلام وأمن دائمَين”. لكنّ النصّ، في المقابل، لا يفرض انسحابًا إسرائيليًّا فوريًّا، ولا يحدّد مصير سكّان القرى المدمّرة جنوب الليطاني، ولا يمنح لبنان حقًّا مماثلًا لما مُنح لإسرائيل في بند “الدفاع عن النَّفس”.
هنا تحديدًا تكمن المفارقة السياسيّة، فالهدنة، بصيغتها الحاليّة، لا تُنهي مسألة السَّيطرة الإسرائيليّة، بل تُعيد تعريفها، من احتلالٍ يجري تحت وقع المعركة، إلى احتلالٍ مؤقّتٍ يجري ربطه بمسار تفاوضيّ وبمطلبٍ إسرائيليّ مركزيّ، وهو نزع سلاح “حزب الله”. لذلك فإنّ إسرائيل قرأت النصّ بوصفه فرصةً لفرض “هندسة أمنيّة” جديدة على الجنوب، فيما قرأه لبنان الرسميّ بوصفه بوّابةً لوقف الحرب ثمّ التفاوض على الانسحاب. وبين القراءتَين، بقي الميدان مفتوحًا على الخروقات وعلى صراع تفسير الاتفاق أكثر من صراع تطبيقه.
أمّا التصريحات الإسرائيليّة الصادرة منذ إعلان الهدنة جاءت حاسمةً في هذا الباب، بنيامين نتنياهو أعلن أنّ لدى إسرائيل “فرصةً لاتّفاق تاريخيّ مع لبنان”، لكنّه ربط ذلك بشرطٍ أساسيّ هو “تفكيك حزب الله”، وقال صراحةً إنّ الجيش الإسرائيليّ لن ينسحب من الجنوب خلال الهدنة، وإنّه سيبقى في “المنطقة الأمنيّة” حيث يوجد الآن. وفي صيغةٍ أوضح على المنصّات الرسميّة الإسرائيليّة، قال إنّ إسرائيل “تبقى في لبنان ضمن منطقة أمنيّة عازلة معزّزة”، وإنّ هذا الواقع ليس مجرّد “النِّقاط الخمس” السابقة.
القوّات الإسرائيليّة ستبقى داخل شريطٍ يصل إلى نحو 8 إلى 10 كيلومترات في الجنوب، أي ما يوازي قرابة 8% من مساحة لبنان..
ومن جهته، أكّد وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس اليوم أنّ وقف إطلاق النار “مؤقّت”، وأنّ الجيش الإسرائيليّ “لن ينسحب” من المواقع الّتي يسيطر عليها داخل لبنان، مع التشديد على هدفَين متلازمَين، حماية الشمال الإسرائيليّ، ونزع سلاح “حزب الله”. وفي الإعلام الإسرائيليّ أيضًا برز توجّه ميدانيّ مكمّل، هو دعوة المدنيّين اللبنانيّين إلى البقاء شمال الليطاني، بما يعكس أنّ تل أبيب لا ترى الهدنة بداية عودةٍ مدنيّة، بل مرحلة تثبيتٍ عسكريّ داخل الحيّز الحدوديّ المحتلّ.
وعليه، يمكن تلخيص الموقف الإسرائيليّ الرسميّ بثلاثة عناوين، لا انسحابَ الآن، لا تسويةَ من دون تفكيك “حزب الله”، والهدنة ليست نهاية العمليّة بل استراحة تفاوضيّة فوق واقعٍ عسكريّ قائم. وهذا ما يفسّر لماذا سارع الإسرائيليّون، سياسيًّا وإعلاميًّا، إلى التعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه تثبيتًا لـ”منطقة أمنيّة” لا تراجعًا عنها..
المحور الغربيّ
في القطاع الغربيّ، تبدو السَّيطرة الإسرائيليّة أكثر ثباتًا وأقلّ اندفاعًا إلى الشمال، لأنّ هدفها هنا، بحسب المعطيات الميدانيّة، هو تثبيت الشريط الساحليّ وتمكينه ناريًّا. وأفادت التقارير الميدانيّة بأنّ الجيش الإسرائيليّ يسيطر في قضاء صور على الناقورة، وشمع، والبيّاضة، ولا يبدو متّجهًا إلى توسيعٍ سريعٍ أبعد من ذلك، رغم مواصلة الضغط الناريّ باتّجاه المنصوري ومحيطها. كما تحدّثت عن تعزيز المواقع في هذا القطاع، وازدياد تدمير الأبنية في الناقورة، فضلًا عن تركيب قطع مدفعيّة، على الأرجح في البيّاضة وضهيرة، استُخدمت لقصف مناطق أبعد وصلت إلى قرى في قضاء صيدا، بينها الخرايب.
معنى ذلك ميدانيًّا أنّ المحور الغربيّ لم يعد مجرّد حافّة حدوديّة، بل تحوّل إلى شريط تثبيتٍ ساحليّ، وظيفته حماية الجناح الغربيّ للمنطقة العازلة، وفرض نيرانٍ بعيدة المدى، وقطع إمكان العودة السلسة إلى القرى الساحليّة الحدودية. هذا القطاع هو الأقلّ ديناميّةً من حيث التقدّم السريع اليوم، لكنّه الأكثر رسوخًا من حيث التمركز والتخريب الممنهج للبنى والمنازل، من الناقورة إلى ما يليها شمالًا.
ميدانيًّا المحور الغربيّ لم يعد مجرّد حافّة حدوديّة، بل تحوّل إلى شريط تثبيتٍ ساحليّ
المحور الأوسط
في المحور الأوسط، أي حزام بنت جبيل ومحيطها، تدور العقدة الأثقل رمزيًّا وعسكريًّا. فالمركز، بحسب المعطيات الميدانيّة الأبرز، ما زال مطوّقًا، وأُفيد بأنّ وسط بنت جبيل بقي محاصرًا من القوّات الإسرائيليّة المتمركزة حول السوق الرئيسيّ على بُعد نحو 600 متر، فيما تحدّثت رويترز قبل أربعة أيّام عن تقديرٍ إسرائيليّ بأنّ “السَّيطرة العمليّاتيّة الكاملة” على بنت جبيل ستتحقّق خلال أيّام. كما أوردت تقارير أخرى أنّ الجيش الإسرائيليّ يضغط على المدينة من محاور عدّة، من مارون الرّاس، وعين إبل، ودبل، والطيري، وعيترون، في محاولة خنق المركز وعزله عن محيطه.
لكنّ هذا لا يعني أنّ بنت جبيل سقطت سياسيًّا أو ميدانيًّا بمعنى الحسم النهائيّ، بل إنّها أصبحت ساحة تطويقٍ واستنزافٍ وتدميرٍ كثيف. فالتقارير نفسها تحدّثت عن اشتباكاتٍ وجها لوجه، وعن كمائن وهجمات مضادّة داخل المدينة وعلى أطرافها، بما يعني أنّ المحور الأوسط هو محور سيطرةٍ بالنار والتطويق أكثر ممّا هو سيطرةٌ هادئة ومستقرّة. والأهمّ أنّ بنت جبيل، تقطع إلى نصفَين “خطًّا مضادًّا للدروع” بعمق نحو 8 كيلومترات، تسعى إسرائيل إلى جعله جزءًا من منطقتها العازلة. هنا تمامًا تتكشّف أهمّيّة المدينة، فهي ليست فقط رمزًا، بل حلقة وصلٍ جغرافيّة في مشروع إعادة تشكيل الحافّة الجنوبيّة كلّها..
بنت جبيل، تقطع إلى نصفَين “خطًّا مضادًّا للدروع” بعمق نحو 8 كيلومترات، تسعى إسرائيل إلى جعله جزءًا من منطقتها العازلة..
المحور الشرقيّ
المحور الشرقيّ هو الأكثر حركةً في الساعات الأخيرة السابقة للهدنة ومطلع يومها الأوّل، لأنّه يمسّ عقدة الخيام، مرجعيون، القنطرة، الطيبة، دير سريان، ثمّ الدفع شمالًا نحو الدبّين، على مسافة تقارب كيلومترًا واحدًا فقط من الليطاني. هذا التقدّم يوصف بأنّه دفعٌ مهمّ نفّذته إسرائيل من مساء الأربعاء نحو الدبّين شمال الخيام، بالتزامن مع قتالٍ في شمال الخيام، وبعد انسحابها من قريتين كان قد جرى تدميرهما، هما دير سريان والقنطرة.
وفي القراءة الميدانيّة، فهذا يعني أنّ الشرق ليس مجرّد قطاعٍ دفاعيّ، بل محور اختراقٍ استراتيجيّ، لأنّ الخيام تُشرف على سهل مرجعيون وطرقات الحدود وتقاطعات البقاع، وتُعدّ مع بنت جبيل بأنّها مدينة ذات رمزيّة وأهمّيّة استراتيجيّة عالية في أيّ مشروع إسرائيليّ لـ”المنطقة العازلة”. وإذا كانت إسرائيل قد شدّدت قبضتها على الساحل غربًا، وحاصرت بنت جبيل وسطًا، فإنّ الشرق هو المسار الأكثر قابليةً للتوسّع نحو العمق، ولذلك بقيت فيه خلال اليوم مؤشّرات اشتباكٍ وتفجيرٍ ومناوشاتٍ على الرغم من بدء وقف إطلاق النار.
الشرق ليس مجرّد قطاعٍ دفاعيّ، بل محور اختراقٍ استراتيجيّ، لأنّ الخيام تشرف على سهل مرجعيون وطرقات الحدود ومقاربات البقاع.
إلى أين وصل الجيش الإسرائيليّ في جنوب لبنان
الجيش الإسرائيليّ إلى شريطٍ متداخلٍ من السَّيطرة والاحتلال والتطويق، يمتدّ من الساحل عند الناقورة وشمع والبيّاضة، مرورًا بحزام بنت جبيل ومارون الرّاس وعيترون ومحيطها، وصولًا إلى الخيام وما فوقها باتّجاه الدبّين ومرجعيون، مع سعيٍ واضحٍ إلى تثبيت عمقٍ عملانيّ يصل إلى 8 أو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانيّة، وإلى جعل هذا العمق منطقةً معزولةً سكانيًّا ومفتوحةً أمنيًّا لمصلحة الجيش الإسرائيليّ.
وهذا يعني أيضًا أنّه لم يصل إلى الليطاني بوصفه خطّ احتلالٍ مكتملًا على امتداده كلّه، لكنّه اقترب في بعض النقاط اقترابًا خطيرًا، ولا سيّما في محور الدبّين، وبات يملك قدرة ناريّة وتدميريّة وتمركزيّة تجعل مساحةً واسعةً جنوب الليطاني غير صالحةٍ للعودة المدنيّة الطبيعيّة حتّى لو خفّ القتال المباشر. لذلك فإنّ الحديث عن “خريطة سيطرة” يجب أن يُفهم بوصفه خريطة هيمنةٍ ناريّة وتموضعٍ برّيّ وتطويقٍ هندسيّ للمكان، لا فقط خريطة راياتٍ على القرى.
إذًا، رغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، سُجّلت خروقاتٌ ميدانيّة منذ ساعاتها الأولى. وسجّل الجيش اللبنانيّ قصف متقطّع لعددٍ من القرى الجنوبيّة، فيما أُفيد صباح اليوم بأنّ المدفعيّة الإسرائيلية وإطلاق النار الآليّ استهدفا كونين في قضاء بنت جبيل، وأصابا مسعفين من “الهيئة الصحّيّة الإسلاميّة”، كما فجّرت القوّات الإسرائيليّة منازل في الخيام.
الخلاصة أنّ إسرائيل، بعد وقف إطلاق النار، لم تتراجع إلى ما وراء الحدود، بل ثبّتت معادلةً جديدة، “هدنة فوق احتلالٍ عازل”. فهي تحتفظ اليوم، برعاية النصّ الأميركيّ أو على الأقلّ في ظلّ غموضه، بقدرة بقاءٍ عسكريّ داخل الجنوب، وبحقّ تفسير “الدفاع عن النَّفس” على نحوٍ فضفاض، وبمشروع ربط المحاور الغربيّ والأوسط والشرقيّ ضمن نطاقٍ أمنيٍّ منزوع السكّان نسبيًّا ومفتوحٍ أمام النيران والتوغّل. أمّا لبنان، فيدخل الهدنة من موقع الساعي إلى تثبيت وقف الحرب وانتزاع الانسحاب لاحقًا، لا من موقع من استعاد أرضه لحظة إعلان الهدنة.
* نشر التحقيق بتاريخ 17 نيسان على موقع المدن
