*نجوى بركات
ماذا نفعل، نحن معتلّي الروح، ذوي النفوس المتعَبة، الذين فقدنا كلّ شيء، لغتنا، إيماننا بإخوّةٍ أفضل، بالعدالة والحقّ والقانون، بالحبّ، وبدور الثقافة، وبأهمية الفنّ وضرورة الأدب؟ ماذا نفعل، نحن جرحى القلوب، المتوسّلين المتضرّعين أن يتوقّف القتل، وأن تبتعد المذبحة، وأن لا تنكسر بقايا المعنى الذي، عندما ينهار كلّ شيء، لا ينتظرنا محفوظاً أو مصوناً في مخبأٍ ما، المعنى الذي لا يقبل الخديعة، ولا يعود إذا غادر، بل يمضي متنكّراً لما صنعناه حين جعلنا نتنازع جسده المزروع أوتاداً، حتى التمزّق.
نحن، يتامى الروح، نعيش بلا أرضٍ داخلية، في قفارٍ ملأى بالحرائق، حيث لا مشهد، ولا ماء، ولا نبض. نراوح ولا نتقدّم، وإن خطونا فبلا أطرافٍ، مُثقلين بما لا يُرى، حاملين ما لا يُحمل، صوراً بلا وجوه، وجوهاً بلا أصحاب، أصواتاً تقطّعت حبالها، فهوت صرخاتها في فراغٍ لا قاع له. نحمل الغياب كما يحمل الميّت قبره من الداخل، ونتوه بلا هوادة في مياه ضآلتنا وضحالتنا، فيما الأفق المغبشّ يتقدّم متكسّراً كخطٍّ من زجاج.
على حافّة السهل المحترق نقف قتلى وجياداً مبقورة البطون، وأرواحاً تئن تريد الخروج من أيّ ثقب في الجسد المنتن، ذباباً دائخاً أمام وليمةٍ كونية. وفي الغابة المهيبة، تنبت ثمار الفجيعة بلا لون، وبلا رائحة، وبلا يدٍ تجرؤ على التلويح أو القطاف. نحن، يتامى الروح، أين أمّهاتنا الجميلات يرعين حزننا وأوجاعنا، يسرّحن شعورنا من قمل الخيبات، وُيطعمننا حليباً فاتراً يزيح الغصّة ويُرخي الأطراف؟ أين آباؤنا الأقوياء يعلّموننا أن نضرب الفأس في المكان الصحيح كي لا نوجع الشجرة، هامسين في جوفها أننا إنّما نبحث فيها عن شبعٍ ودفء. أين من علّمونا أنّ للجرح ضفّة أخرى من ملح وحموضة، وللّيل نهاية لا يراها إلا مَن حلم طويلاً بجدار لا بدّ من تسلّقه لينجلي الضوء؟ أين من كانوا يجلسون بجوارنا حين يثقل علينا الحزن، يضعون راحاتهم على أكتافنا، فيما هم يقرّبون رؤوسهم من صدورنا لكي يستمعوا إلى ما تبثّه من اعترافات؟
نحن، يتامى الروح، نمشي في صحراء لم تعد صحراء، لأنّ الرمل فيها قد تحوّل رماداً، والريح أنيناً متواصلاً يمرّ بين الأضلاع كإبر من فولاذ. في الأفق، تتدلـّى السماء مثل جلدٍ رخوٍ على حبل، والمنازل التي كانت تحفظ أسماءنا، صارت أفواهاً فاغرةً بلا أسنان، والنوافذ عيوناً واسعة ترقب الهاوية. وإذ يكسونا الصمتُ أشبه بلحافٍ مهترئ محشوّ بقطن كلماتٍ لم تُقَل، أسماء ذابت لوعة، وودائع أرواح لم يستلمها أحد، تُسمع في البعيد ترنيمة قديمة: “بعد ضوء المشاعل الحمراء على الوجوه المعرّقة/ بعد الصمت الجليدي في الحدائق/ بعد العذاب في الأماكن الحجرية/ الصراخ والبكاء/ السجن والقصر وصدى الرعد/ الربيعي فوق الجبال البعيدة/ من كان حيّاً ميتٌ الآن/ نحن الذين كنّا نعيش نموت الآن/ بصبرٍ قليل” (ت. س. إليوت، الأرض الخراب، نقلها إلى العربية توفيق صايغ، منشورات الجمل، 2016)
نحن، يتامى الروح، نسكن سقوطاً أقام وتمدّد حتى صار الهُويّة، هزيمةً صنعت شكلاً أخيراً للجسد وقد حُنّط ولُفَّ وأُودع التراب. لا أرض تحتنا، ولا سماء فوقنا، وكلّ ما حولنا يشبه بقايا وليمة أُضرمت في وداع الموتى: طاولاتٌ وكراسٍ مقلوبةٌ، وكؤوس فارغة، وصحون لم يمسسها أحد، وشموعٌ أُطفئت في منتصف الاحتراق، ووجوه شبه ممحوّة بملامح احتفال منقوص لم يكتب له الاكتمال. نحن في قلب هزائم أرواحنا، نتنفّسها جرعةَ هواءٍ أخيرة، نبتلعها ماءً ملوّثاً، ونحملها في أحشائنا طفلاً ميّتاً، أبداً لن يرى النور.
*نشرت في العربي الجديد يوم 14 نيسان/ ابريل 2026
