صحف وآراء مجتمع

  العقد الاجتماعي المفقود: لبنان ساحة للصراعات الخارجية

سامر سالم دبليز

منذ إعلان دولة لبنان الكبير، لم يعرف البلد استقرارًا طويل الأمد بقدر ما عاش تراكُم الأزمات. هذا البلد الصغير، بتكوينه المعقّد وتنوّعه الطائفي والسياسي، عاش على وقع حروب متتالية وتسويات هشة، جعلته أقرب إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح منه إلى دولة مكتملة السيادة.

في الداخل، لم تنجح القوى السياسية في بناء عقد وطني متماسك. وتحوّل النظام، مع مرور الوقت، إلى ساحة تنافس بين المكونات على الحصص والمكتسبات، حيث باتت السلطة غاية بحد ذاتها لا وسيلة لإدارة الدولة. وهذا الصراع المزمن أعاد إنتاج الانقسامات، وكرّس منطق الغلبة بدل الشراكة، فكان كل استحقاق سياسي مشروع أزمة، وكل أزمة مرشحة لأن تتحول إلى صدام.

سياسة المحاور

الخارج كان دائم الحضور في تفاصيل المشهد اللبناني. منذ الحرب الأهلية اللبنانية، ترسّخ دور العوامل الإقليمية والدولية في توجيه مسار الأحداث، فغدا لبنان جزءًا من صراعات أكبر منه. لعبت سوريا دورًا مباشرًا لعقود، فيما تمدّد نفوذ إيران عبر أدوات محلية، ما عمّق الانقسام الداخلي وربط مصير البلد بمحاور إقليمية متناحرة.

ولم تكن سياسة المحاور التي انخرط فيها لبنان يومًا تفصيلًا عابرًا، بل شكلت أحد أبرز عوامل تفجير أزماته الداخلية. فمنذ انضمام لبنان في عهد الرئيس كميل شمعون إلى حلف بغداد، دخل البلد في قلب الاستقطاب الإقليمي والدولي، ما أدى إلى انفجار ثورة 1958 في لبنان، كأول ترجمة داخلية لصراع المحاور على أرضه.

وتكرر المشهد بشكل أكثر تعقيدًا مع انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان بعد خروجها من الأردن عقب أحداث أيلول الأسود. إذ تحوّل جنوب لبنان إلى ساحة للعمليات الفدائية، ما أدخل البلاد في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، وأعاد إنتاج الانقسام الداخلي حول مشروعية هذا الدور وحدوده. وتُوّج هذا المسار بتوقيع اتفاق القاهرة، الذي منح الفصائل الفلسطينية حق العمل العسكري انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، ما شكّل عمليًا انتقاصًا من سيادة الدولة. ومع تصاعد الاشتباكات بين هذه الفصائل والجيش اللبناني، لا سيما في عام 1973، كانت البلاد تنزلق تدريجيًا نحو الانفجار الكبير.

لم يكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات داخلية وخارجية، كان العامل الفلسطيني أحد أبرز عناصرها، في ظل دولة عاجزة عن فرض سيادتها، ونظام سياسي واجتماعي مأزوم، وبيئة إقليمية تدفع لبنان باستمرار إلى قلب الصراعات بدل أن تحميه منها.

التاريخ يعيد نفسه

اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بأدوات مختلفة. فكما جرى سابقًا مع القوى الفلسطينية، تمّ إضفاء شرعية تدريجية على عمل حزب الله العسكري من خلال البيانات الوزارية المتعاقبة، تماهياً مع مكاسب في السلطة أو تحت رهبة وسطوة السلاح. فكرّست معادلة ملتبسة بين الدولة وخارجها، وفتحت الباب أمام ازدواجية في القرار السيادي.

هذه الشرعنة السياسية لم تكن تفصيلًا، بل ساهمت في ترسيخ واقع يتجاوز مؤسسات الدولة، حيث باتت قرارات الحرب والسلم، عمليًا، خارج الإطار الدستوري. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا المسار إلى عامل إضافي في إضعاف الدولة وتقويض سيادتها، تمامًا كما حصل في مراحل سابقة من تاريخ لبنان، حين جرى التسليم بوقائع مفروضة تحت عناوين مختلفة.

شرارة تفجير جديدة

الحكومة اللبنانية اتخذت في الآونة الأخيرة قرارات وُصفت بالمهمة والجريئة بحق حزب الله، من بينها اعتبار جناحه العسكري والأمني غير مشروع، بما يعني نظريًا سحب الغطاء الشرعي عنه، وتكليف الجيش اللبناني بمتابعة تنفيذ قرار سحب سلاحه. إلا أن الفجوة بين اتخاذ القرار وتنفيذه تبقى شاسعة في الواقع اللبناني. فالقدرة على التنفيذ تصطدم بجملة معوقات، منها ما هو لوجستي مرتبط بإمكانات الجيش وتجهيزاته، ومنها ما هو سياسي وأمني يتصل بتفادي الانزلاق إلى صدام داخلي واسع. وأي محاولة للتنفيذ بالقوة، في ظل الانقسام الداخلي الحاد، قد تتحول إلى شرارة تفجير جديدة. ما يجعل الدولة عالقة بين ضرورة استعادة سيادتها، ومخاطر الانفجار في حال فرضها بالقوة.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحدق الخطر بلبنان مع تصاعد موجات النزوح الداخلي، لا سيما ضمن البيئة الشيعية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، نتيجة المواجهات المفتوحة مع إسرائيل. إذا طال أمده بفعل تدمير القرى والبنى التحتية، قد يتحوّل إلى واقع دائم يفرض إعادة رسم التوازنات الديموغرافية والاجتماعية داخل البلاد.

ولا يقتصر الخطر على البعد الإنساني، بل يتعداه إلى احتمالات توترات داخلية بين مختلف المكونات الطائفية، في ظل هشاشة الدولة وعجزها عن إدارة الأزمات الكبرى. فتكريس مساحات غير قابلة للحياة في الجنوب، تحت عناوين أمنية مرتبطة بما يُسمّى حماية الجبهة الشمالية لـإسرائيل، يعني عمليًا دفع لبنان نحو مزيد من التفكك الداخلي، وإدخاله في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

وهكذا، يجد لبنان نفسه مرة جديدة أمام نموذج مكرر: قوى مسلحة تتجاوز الدولة، وشرعنة سياسية تغطي هذا الواقع، وبلد يُدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها. وبين الماضي والحاضر، تتبدل الأسماء لكن النتيجة واحدة: سيادة منقوصة، ودولة معلّقة بين منطق الكيان ومنطق الساحة المستباحة.

في المحصلة، لا يمكن فصل الإجابات عن مسار الصراع الإقليمي الدائر، حيث يرتبط جزء كبير من مصير لبنان بنتائج المواجهة المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد تفضي إليه من توازنات جديدة ستنعكس بلا شك على الداخل اللبناني، سلبًا أو إيجابًا.

لكن، وبعيدًا من الرهانات الخارجية، يبقى السؤال الأهم داخليًا: هل يمكن للبنان أن يبدأ من الأساس، أي من تطبيق الدستور اللبناني كما هو، قبل القفز إلى مشاريع تعديله أو تطويره لاحقا؟

المشكلة في جوهرها لم تكن يومًا في النصوص بقدر ما كانت في تعطيلها، وفي استنسابية تطبيقها، وفي إخضاعها لموازين القوى بدل أن تكون هي الحاكمة لها.

لذا، إعادة الاعتبار للدستور، وتطبيقه بشكل فعلي ومتساوٍ، قد يشكّل المدخل الواقعي الوحيد لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بمؤسساتها. أما الاستمرار في تجاوز القواعد، تحت أي ذريعة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتسريع الانحدار وصولاً إلى تفكك الدولة نفسها.

قد لا يكون لبنان محكومًا بالانهيار، لكنه أيضًا لم يعد يحتمل الاستمرار بالشروط نفسها. بين انتظار نتائج الخارج، وبناء مسار داخلي جدي، يقف اللبنانيون أمام خيار واضح: إما دولة تُحكم بالدستور، أو كيان يبقى رهن التوازنات المتقلبة وصراعات الطوائف ورهاناتها .

* نشرت بتاريخ 4 نيسان 2026 على موقع المدن