صحف وآراء مجتمع

لبنان في نظرية اللعبة(2) : إضاعة الفرص وتجديد المأزق

* شهيد نكد   

إذا كان لبنان بلداً عالقاً في لعبة داخلية تجعل الخروج من الخطأ أعلى كلفة من البقاء فيه، فإنّ ما تكشفه الحرب الحالية هو أنّ هذه اللعبة نفسها انتقلت إلى مستوى آخر تغيّرت فيه قواعدها. فلبنان لم يعد ساحة فقط، بل أصبح جزءًا من هيكليّة الصراع الإقليمي ذاته.

الحرب والتفاوض في لعبة واحدة

لفهم الحرب الجارية، لا يكفي النظر إليها كمواجهة عسكرية مباشرة بين طرفين. الأصحّ أن تُقرأ كلعبة متعددة اللاعبين والمستويات، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الردع والسردية والتفاوض. ففي مثل هذه الحروب، لا يسعى كل طرف إلى نصر كامل بقدر ما يحاول إدارة خسارته وانتزاع مقابل يسمح له بأن لا يخرج مهزوماً بالكامل. ومن هنا، لا يكون التفاوض نقيضاً للحرب، بل امتداداً لها بوسائل أخرى. وهذا ما يفسّر الحضور المتزايد للحديث عن الدبلوماسية: فحين يتحدث ترامب عن صفقة، وحين تنفي طهران التفاوض المباشر لكنها ترفع شروطها، فهذا لا يعني أنّ التسوية نضجت، بل أنّ الأطراف باتت تدير الصراع أيضاً من خلال ما يمكن أخذه على الطاولة بعد ما تعذّر فرضه بالكامل في الميدان.

غير أنّ الحديث عن “المعسكر الأميركي-الإسرائيلي” بوصفه كتلة واحدة يبقى تبسيطاً مضلِّلاً. فحتى داخل الحرب نفسها، لا تبدو الأهداف متطابقة تماماً. إسرائيل تنظر إلى المواجهة من زاوية أوسع تتصل بإضعاف إيران و”بَلقَنَتِها” إذا تمكّنت وتحجيم حلفائها إلى الحدّ الأقصى، وإعادة رسم الشرق الأوسط الجديد من حولها. أمّا المقاربة الأميركية، رغم تقاطعها مع إسرائيل، فتبدو أكثر ميلاً إلى الضغط على إيران وانتزاع تنازلات منها، مع الحرص على منع انفلات الحرب إلى ما هو أبعد. وهذا لا يعني وجود قطيعة بين الطرفين، لكنه يعني أنّ التفاوض نفسه، إذا تقدّم، لن يكون تعبيراً عن رؤية واحدة، بل عن محصّلة مقاربات مختلفة ومصالح غير متطابقة بالكامل.

لبنان بين الاستفراد والمقايضة

كلّ هذا يُصعّب قراءة الوضع اللبناني. فلبنان ليس طرفاً يفاوض من موقع دولة متماسكة، بل جبهة تتقاطع عليها حسابات الآخرين. وإذا كانت واشنطن وتل أبيب لا تنظران إلى الحرب بالمنظار نفسه، وإذا كانت طهران تفاوض من موقع تقليل الخسارة لا التّسليم، فإنّ ما قد ينتج عن ذلك بالنسبة إلى لبنان يبقى مفتوحاً على أكثر من احتمال.

الاحتمال الأول سلبي وواضح: أن تتوقف الحرب على إيران، ويُترك لبنان وحده في الميدان. عندها قد تمضي إسرائيل في استفراده إذا رأت أنّها لم تنجح في شلّ حزب الله أو فرض وقائع جديدة على الحدود. وفي المقابل، لا يبدو الحزب في وارد التراجع السّهل، لأنه يخوض معركة مصيريّة، لا من باب المشروع الإيراني فحسب، إنّما من خشيته على مصيره أيضاً. أمام هذا المنطق، قد يصبح لبنان المكان الذي تُستكمل فيه الحرب بعد تخفيفها في مكانٍ آخر.

لكنّ هذا ليس الاحتمال الوحيد. فالتغيّر في قواعد اللعبة قد يفتح أيضاً احتمالاً آخر: أن يصبح لبنان جزءاً من تسوية أوسع. فإذا كانت المطالب الإيرانية المتداولة في مسار التفاوض تشمل وقف الضربات الإسرائيلية على حزب الله، فهذا يعني أنّ الورقة اللبنانية دخلت، ولو جزئياً، في منطق الأخذ والعطاء. وفي هذا النوع من التسويات، لا يأخذ أي طرف كل ما يريد، بل يحاول كلّ طرف أن يخرج بمكسب ويقدّم في المقابل تنازلاً أو إعادة تموضع. وهنا تحديداً يبرز السؤال الأصعب: إذا كانت إسرائيل مطالبة بإعطاء شيء في الساحة اللبنانية، فهل يصبح على إيران أيضاً أن تدفع من الورقة اللبنانية نفسها؟ وهل يدخل موقع حزب الله، أو سلاحه، أو دوره بعد الحرب، في هذا النوع من التفاوض؟ ليس بالضرورة على شكل حسم كامل وفوري، لكن بالتأكيد على شكل إعادة طرح لوظيفته وسقفه وعلاقته بالدولة اللبنانية.

الخوف من تسوية تعيد اللعبة نفسها

لكنّ المشكلة في لبنان لا تكمن فقط في غياب الفرص، بل في طريقة التعامل معها. فالخشية اللبنانية الكبرى ليست فقط من استمرار الحرب، بل من أن تنتهي بتسوية تعيد تثبيت اللعبة نفسها. هذا هو درس التاريخ الذي يفرض نفسه: تغيّرت الموازين بعد الطائف، وتبدّلت بعد الانسحاب السوري، وأُعيد ترتيبها بعد الدوحة، لكنّ الدولة لم تصبح المرجعية النهائية. في كل مرّة كان هناك تحوّل كبير، لكنّ التحوّل لم يؤدّ إلى كسر اللعبة، بل إلى إعادة ضبطها.

من هنا، لا يكفي أن يُفتح باب تفاوض، ولا أن تُطرح تسوية يكون لبنان جزءاً منها. السؤال الأهم هو: أي تسوية ستخرج من هذه الحرب؟ هل تكون تسوية تعيد بناء الدولة فعلاً، وتربط السلاح بالقرار الوطني، وتُنهي وظيفة لبنان كساحة؟ أم تكون مجرّد تسوية جديدة توزّع الأرباح والخسائر بين اللاعبين، فيما تبقى الدولة معلّقة كما كانت؟ هنا بالضبط يكمن الخوف اللبناني الحقيقي: ليس فقط أن تضيع الفرصة، بل أن تُستخدم لإنتاج نسخة جديدة من المأزق نفسه.

في هذا كلّه، يبقى حزب الله في موقع بالغ الحساسية. فهو لا يستطيع تجاهل أنّ أي حرب طويلة أو تدمير واسع يضرب بيئته ويُضعف موقعه الداخلي. لكنه، في الوقت نفسه، لا يستطيع التصرّف كأنّ ما بعد الحرب لا يمسّ وظيفته الإقليمية نفسها. وهذا يعني أنّ مستقبل الحزب لن يُحسم فقط في الميدان، بل أيضاً في التفاوض على ما يبقى من دوره وما يتغير فيه بعد الحرب.

هل من قدرة على تعريف المصلحة الوطنية؟

لكنّ اختزال المسألة كلّها بحزب الله وحده يبقى ناقصاً. فالمسألة في النهاية ليست فقط مصير سلاح هذا الطرف أو ذاك، بل مصير الدولة نفسها. هل تخرج من هذه اللحظة أقوى وأكثر قدرة على فرض تعريف واحد للمصلحة الوطنية؟ أم تخرج أضعف، فيما يُعاد ترتيب موازين القوى داخلها من جديد؟ الفرق بين الاحتمالين كبير، وهو الفرق نفسه بين الاستفادة من اللحظة وبين إهدارها.

لذلك، لا تكفي القراءة السوداوية وحدها، ولا الحماسة السريعة لأي تسوية محتملة. فالحرب الحالية قد تدفع لبنان إلى كارثة أعمق، وقد تفتح له أيضاً فرصة نادرة. لكنّ الأكيد أنّها تضعه أمام اختبار حقيقي: ليس فقط كيف يخرج من هذه الحرب، بل كيف يمنع أن يتحوّل الخروج منها إلى إعادة تثبيت للعبة نفسها.

يبقى الخوف الاعمق واحداً في لبنان: أن تنتهي الحرب، ويُعاد ترتيب الأوراق، من دون أن يُكسر منطق اللعبة ذاته. عندها، لا يكون لبنان قد خرج من المأزق، بل يكون قد انتقل الى صيغة جديدة من التعب والارهاق.

* نشرت بتاريخ 26 آذار 2026 على موقع المدن