مجتمع

في وداع الفنان أحمد قعبور

الدكتور بول طبر
سيدني 27 آذار 2026 ـ بيروت الحرية
لأول مرة علمت بوجود الفنان أحمد قعبور عندما كنت منخرطاً في تأسيس فرع لمنظمة العمل الشيوعي في سيدني أستراليا، وذلك بعد نشوب الحرب الاهلية عام ١٩٧٥. فرحت بذلك الخبر لأنه جعلني وقتئذٍ أفتخر بانتماء هذا الفنان إلى المنظمة، ولم يعد الحزب الشيوعي في موقع من يمكنه ان يدعي احتكار انتماء الفنانين الملتزمين يسارياً إلى صفوفه. وبغض النظر عن هذا الاعتبار السياسي المراهق والنرجسي، عندما استمعت ألى أغنيات أحمد للمرة الاولى، لفتني فوراً “قماشة” صوته الذي يوحي بانه صوت آتٍ من مكان بعيد ويحمل بحة طفيفة مجبولة بالشعور باللوعة والفرح، الأمر الذي يوحي بأن مطْلقه فنان صادق فيما يعبر عنه في أغنياته وأناشيده. وحقيقة الأمر تبين لي لاحقاً أنّ أحمد قعبور كان فناناً صادقاً من حيث قدرته على التعبير عن البيئةالشعبية والمدينية التي نشأ وترعرع في وسطها، أي مدينة بيروت وإحياؤها الشعبية. وسرعان ما تماهينا مع أغنياته واعتبرناها تجسيداً لأحاسيسنا وطموحاتنا في التغيير والتطلع إلى بلد متحرر وعروبي.
وهكذا أصبحنا نردد أغانيه في سهراتنا مع الرفاق والاصدقاء إلى حين جاءنا من صور، الرفيق محمد القدسي، وكان صاحب صوت جميل للغاية، ويمتلك قدرة متواضعة على العزف على الغيتار. إلتحاق الرفيق محمد القدسي بفرع المنظمة أدى به إلى دعوة الرفاق في فرع المنظمة لتأليف فرقة لتأدية الاغاني الثورية لكل من أحمد قعبور، لا سيما أغنية “أناديكم”، والشيخ إمام ومرسال خليفة. وتولى الرفيق محمد تدريب عدة رفاق (أنا ونشأت منصور والرفيقات نبيهة وفيروز ووسيلة) لمرافقته ككورس في الغناء. واستمرت الفرقة في تقديم باقة من الأغاني الثورية الأكثر شهرة إلى حين عودة الرفيق محمد إلى لبنان بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢. وخلال فترة وجود محمد في سيدني، كنا ننشد أيضاً تلك الأغاني خلال السهرات في منازل الرفاق او عندما كان فرع المنظمة ينظِّم “البيكنك” في الحدائق العامة وغيرها من الأماكن.
تحضرني هذه الذكريات في هذه المناسبة الحزينة لغياب الرفيق أحمد قعبور، ولإظهار مدى تأثير إنتاجه الفني، ليس فقط في لبنان والعالم العربي، وإنما أيضاً في وسط الدياسبورة اللبنانية، كما تجسد ذلك في وسط الجالية اللبنانية في سيدني، أستراليا.
وداعاً ايها الرفيق الذي ساهم في انتاج الأغنية الجديدة في لبنان، إلى جانب مرسال خليفة وزياد الرحباني وغازي بكداشي وخالد الهبر وغيرهم.
كل الحب والتقدير لفنان قام ليس فقط ب”تمْدين” الأغنية، وإنما جعلها أيضاً صوتاً مموْسقاً لهموم الفئات الشعبية ولأطفال المدينة.