* الدكتور زهير هواري
بيروت 4 آذار 2026 ـ بيروت الحرية
ما حدث أشبه ما يكون بزلزال. لكن الزلازل تأتي من تحركات طبقات تكتونية في باطن الارض، ثم لا تلبث أن تظهر على سطحها جاعلة من المباني والجسور والمنشآت العمرانية مجرد أنقاض تطحن من كان فيها من بشر. ما حدث هذه المرة في لبنان كان بفعل الانسان. اسرائيل ومنذ أشهر وأكثر تعد العدة وتجري التدريبات تحضيرا لمثل هذه الساعة، هي أصلا لم تحترم وقف الاعمال العدائية كما اطلق عليه، ما لبثت أن عطلت لجنة الميكانيزم ومعه قرار مجلس الأمن 1701 وما تمخض عنه من اتفاقات. الاغتيالات كانت خبزا يوميا، العدد وصل إلى حوالي الـ 500 شهيد هم من أبناء حافة القرى الجنوبية مرورا بالبقاع الغربي وحتى أقاصي بعلبك والهرمل، فضلا عن الضاحية الجنوبية لبيروت. ولن نتحدث عن القرى المدمرة وما شهدته من أعمال تجريف للبساتين والمزارع ومقومات العيش وما شابه لفلاحين وحرفيين من أبنائها. جاءت لإسرائيل الفرصة السانحة للانتقام من لبنان على تاريخ طويل من مقاومتها، عندما اطلق حزب الله ثلاثة صواريخ نحو مستوطناتها الشمالية مفتتحا معركة الثأر لمصرع الخامنئي. كانت الساعة حوالي الثانية ليلا. ومباشرة فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها. مباشرة انطلقت آلة الحرب الاسرائيلية تطلق حممها بإنذارات للقرى والبلدات ومن دونها. وخلال وقت قصير يعد بالدقائق القصيرة كان على الأهالي التعرض للقتل أو إخلاء بيوتهم والرحيل. مع تقدم الوقت كانت المزيد من الإنذارات بالإخلاء تتسع من 50 قرية وبلدة إلى 73 ثم إلى 120 وتكر سبحة الاستهدافات. شملت الإنذارات مدن جنوبية وبقاعية وفي العاصمة يمكن أن تعتبر رئيسية: النبطية ، صور ، بنت جبيل ، الخيام ، مشغرة، بعلبك ، الهرمل وفوق كل هذا وذاك الضاحية الجنوبية. لم يعد هناك ما يسمى قرى وبلدات الخط الأمامي الملاصق وعمق الجنوب بما يتجاوز نهر الأولي.
خلال ذلك الليل الجليدي كان على مئات الألوف المغادرة فورا مع عائلاتهم وحمل ما هو في متناول الأيدي والرحيل. الجنوب بأسره تقريبا جرى انذاره بالرحيل جنوب نهر الليطاني وشماله، وهب الجميع إلى ما ينقلهم من وسائل: سيارات وشاحنات وتراكتورات. وكان على هذه الآلات بعض الأمتعة التي تناولوها بسرعة قاصدين شمال الجنوب واقليم الخروب وباقي أقاليم الجبل والعاصمة بيروت. لم يتسن للكثيرين أكثر من الخروج بما عليهم من ثياب نوم . وخلال وقت قصير تحول الطريق الرابط بين الجنوب والعاصمة إلى موقف سيارات، من فيه وعليه عاجز عن الحركة ولو خطوة للأمام. والنتيجة كانت أن هذه الآلات باتت أشبه ما تكون بقطع من الجليد. اضطر السائقون من آباء وأمهات إلى تشغيل المحركات لبعض الوقت ثم اطفائها حرصا على ما فيها من وقود لتأمين بعض الدفء لأبنائهم وبناتهم.. ساعة بعد ساعة.. ثم خمس ساعات أو عشر ساعات أو أكثر والسيارات في مكانها .. البعض لم يستطع بمن معه من أطفال وكبار السن تحمل كل هذا الوقت، فآثر العودة من حيث أتى، رغم ما يعرفه من أخطار محدقة. عمد بعض هؤلاء للعودة بفعل قلة الإمكانات المالية فللتهجير كما هو معروف أكلافه . واللبنانيون بالكاد يتدبرون الحد الأدنى من ضرورات حياتهم في بيوتهم فكيف في وضع على هذا النحو. من يملكون بعض النقود ونجحوا في اجتياز فخ السير المتوقف لم يجدوا مكانا لهم في مراكز الإيواء التي غصت بمن قصدها، كما أن من يملك بعض المال لم يعثر على شقة او مسكن لاستئجاره. خصوصا وأن بعض ملاكي الأبنية طلب ايجارا لشقة صغيرة مقداره ليس أقل من 1500 دولار شهريا على أن يدفع الراغب ايجار ثلاثة أشهر سلفا. ما أسقط في ايدي الكثيرين. الغريب أن هناك من وصلوا إلى طرابلس والشمال ثم عادوا منه إلى الجنوب بعد تعذر البقاء عليهم، حيث لم يتوافر لهم مأوى في المدارس الرسمية والخاصة أو في مركز الإيواء. وما انطبق على الشمال انطبق على العاصمة بيروت والجبل والبقاع. فقد غصت الأماكن التي اعتبرت آمنة بمن قصدها وفاضت عن قدرتها، ما اضطر المئات والألوف إلى النوم في سياراتهم أو في الطرقات والساحات العامة.
كانت الأزمة التي تغرق فيها البلاد متكاملة. حزب الله لم يحسب حساب ردة الفعل الاسرائيلية على قراره باطلاق الصواريخ الذي كان مصدره الحرس الثوري الايراني. وهو كالعادة لم يعتبر نفسه معنيا بالنتائج التي تترتب على ممارساته التي يحيلها دوما على الدولة. والنتائج هنا هي مصير مئات الألوف من المواطنين الذين اُرغموا على مغادرة بيوتهم في ليل بهيم. والدولة اللبنانية بدت عاجزة عن توفير مراكز الإيواء رغم وفرة الاجتماعات التي عقدتها وزيرة الشؤون الاجتماعية ووزير الداخلية ورئيس الحكومة مع الهيئات الرسمية والأهلية المعنية بمواجهة الوضع. أما ما وفرته من مدارس ومؤسسات فقد بدا قاصرا عن الإحاطة ومعالجة الوضع من جوانبه كافة. والحقيقة أن ما توافر من أمكنة كان مجرد مساحات وغرف. فالنازح لا يستطيع أن يأكل ويشرب ويتغطى بكراسي وطاولات ودفاتر وكتب طلاب المدارس. وهكذا بين غرف عارية على نحو فعلي من الأثاث أو فاضت عن الأعداد وبين العراء، اضطر كثيرون إلى تمضية ليالي صقيعية في الخارج في السيارات أو تحت أي سقف يخفف عنهم عبء ليل جليدي طويل. كثيرون من الذين نزحوا مضغوا طعم الإذلال الذي شعروا به منذ لحظة مغادرة بيوتهم حتى وصولهم إلى مقاصدهم، أو عودتهم إليها بعد أن سدت في وجوههم المنافذ.
الاجتماعات التي عقدت للجان الطوارئ في العاصمة والمحافظات بدت هزيلة أمام هول المعضلة التي يعانيها أكثر من مليون من الأطفال والنساء والشيوخ ومنهم المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية ودفء وأدوية . وقبل هذا وذاك يحتاجون إلى الطعام . في أفضل الاحوال – وهو قليل أو نادر قياسا إلى حجم النزوح – ما جرى توزيعه كان قاصرا عن تأمين طعام الأسر على نحو مقبول. الأكثرية العظمى بات لياليها طاوية البطون. ما جرى توزيعه من وجبات غذائية ومياه شرب هو قليل للكثيرين الذين ذاقوا الأمرين على الطرق قبل وصولهم وشعروا بالإذلال وتنقلهم بين هذا المكان وذاك بحثا عن مأوى. ومن المعروف أن الوقت لم يمنحهم فرصة استحضار معهم ما لديهم من مؤن في بيوتهم. حتى هذه اذا توافرت ماذا عن وسائل وأدوات الطبخ والنار و… كل الأوضاع كانت مقلوبة رأسا على عقب وسط صقيع وتعذر توفير ما لا بد من تأمينه من ضرورات بقاء وعيش.
تبدو الأوضاع هذه المرة أقسى من حالات التهجير في المرات السابقة. فقد كانت مبادرات المنظمات الأممية تتلاقى مع إمكانات الدولة مع ما تقدمه الاحزاب والمنظمات الأهلية. خلال الفترة التي تربع فيها ترمب على عرش السلطة في اميركا قطع المساهمات الاميركية عن مؤسسات ومنظمات الأمم المتحدة، كما أن هذه المنظمات باتت مطالبة بزيادة مساعداتها لكل من في سوريا واليمن والسودان والعراق وتتوسع الحاجة إلى سوى ما ذكرنا من دول وشعوب. إذن وسط الشح هناك حاجات متصاعدة في لبنان. والمعضلة أن الدولة تطالب البلديات والاهالي بمد يد المساعدة وسط حال من الافتقار العام، ففي غضون السنوات السابقة جرى استنزاف الناس في رفع أسعار الخدمات العامة وبدل أكلاف المعاملات الرسمية ،ثم اكتمل النقل بالزعرور عبر رفع 300 ألف ليرة على كل صفيحة البنزين وارتفاع أسعار النفط ومشتقاته عالميا.
اختصارا يمكن استعادة ما قالته احدى السيدات عندما قالت: ” لقد تعبنا من التهجير الذي علينا أن نعيش فصوله دوما وخلال أوقات قصيرة… ألم يئن الأوان لنا لنرتاح أم سنمضي أعمارنا مشردين على جلجلة وطرقات لا نعرف إلى أين تقودنا!”.
