محمد قدوح
الجنوب 28 كانون الثاني 2026 ـ بيروت الحرية
مقاومة الاحتلال بأشكالها المتنوعة، المسلحة، السياسية والاقتصادية والثقافية حق بديهي للشعوب، تقره المواثيق الدولية والدساتير والقوانين المحلية. وقد أثبتت المقاومة المسلحة وغيرها من انواع المقاومة، نجاحها في تحرير الأرض والشعب من الاحتلال. وكان انجاز التحرير في لبنان عام 2000 من دون قيد او شرط واحد من انجازات هذه المقاومة المسلحة.
لكن هذا الانجاز قد حصل في مواجهة الآلة العسكرية التقليدية، غير أن الحرب على غزة ولبنان، قد اظهرت تطورا تقنيا كبيرآ للآلة العسكرية، حيث باتت اكثر قدرة على القتل والتدمير، وتحديد الأهداف وضربها بدقة متناهية، اضافة لتطور القدرات الأستخياراتية عبر تقنيات لم تكن متاحة من قبل مثل الذكاء الاصطناعي، يحدث هذا مقابل خسائر محدودة خلاف ما كان يحصل سابقا. لقد اختبرنا خلال هذه الحرب مدى انكشاف البنية اللبنانية عامة وبنية المقاومة خاصة أمام العدو، ومدي قدرتة على القتل والتدمير والتهجير، بما يكفي للاستنتاج، أن المقاومة المسلحة في ظل اختلال موازين القوى الصارخ لصالح العدو الاسرائيلي، أصبحت مكلفة جدآ، لاسيما وأنه قادر على شل حركة المقاومين وتهجير السكان وتدمير المنازل والبنى التحتية. لذلك اصبح الوعي بالمستجدات بديهيا وضروريا مع التفكير ببدائل عن المقاومة المسلحة واعتماد الواقعية السياسية، التى لا تعني الاستسلام، إنما تعني المرونة لحماية الوجود والبقاء في الأرض. وليس من الحكمة الرهان على غطاء ودعم الخارج الذي قد يتبخر سريعا لصالح صفقات كبرى بين الدول الآقليمية والدولية.
في هذا السياق يثير (جيل دولوز ) سؤالآ حول جدوى المقاومة في عالم يزداد تعقيدا بفعل تاثير القوى السياسية والاقتصادية الكبرى، ويتساءل ، هل مازالت المقاومة المسلحة ممكنة، ويجيب على سبيل المثال معتبرا أن المقاومة ليست مجرد تفكير منعزل عن الواقع إنما هي نشاط ابداعي مقاوم، تهدف إلى خلق تفاهم يتحدى الافكار السائدة، ما يعنى أن المقاومة لا تعني التمرد والعنف فقط، وانما تعني ايضا تحدى المسلمات، والتشكيك بكل ماهو قائم ومفروض من قبل القوى المسيطرة، والسعي المستمر لفتح مساحات جديدة للتفكير وحشد الإمكانات لمستقبل يختلف عن الحاضر المفروض، ففي ظل الاختلال الصارخ في موازين القوى ولحين تطوير قدراتنا التكنولوجية إلى حد التمكن من اعماء عيون العدو على الأقل، يجب تجميد المقاومة المسلحة والبحث عن بدائل لها، بعد دراسة الواقع السياسي والاجتماعي وتحديد المنافذ التى دخل منها الأميركي وغيره من المتدخلين في المنطقة، لفرض سيطرتها عليها والتلاعب بمصير شعوبها وكياناتها.
كيف يمكن اقفال المنافذ والفوضى الخلاقة
لم يُطلق شعار الفوضى الخلاقة لبناء شرق اوسط جديد من فراغ، إنما سبقه تحضير لفترة طويلة امتدت لعقود من الزمن، حيث بدأت مراكز الأبحاث الاجتماعية البريطانية ولاحقا الآميركية دراسة المجتمعات العربية. كما وأنها واكبت المراكز الاستخباراتية في تفحص أداء الانظمة العربية وعلاقاتها مع شعوبها. ومن المؤكد أن هذه الدراسات قد اظهرت اولا أن انتماءات الافراد الأولين (العائلة، القبيلة، الدين والمذهب) تتقدم على الإنتماء الوطني والقومي، مما يعني أن البنى الاجتماعية التقليدية لا تزال راسخة، ولم تتطور باتجاه مجتمع مدني يتلاءم مع مفهوم الدولة الحديثة.
ثانيا- إن الأنظمة الحاكمة منذ الاستقلال فضلت استخدام، البنى الاجتماعية التقليدية بما يخدم تأبيد سيطرتها على السلطة وإقصاء وتدجين الأحزاب الديمقراطية والقومية، بهدف إبعاد شبح التغيير الديمقراطي الذي قد يعيق إعادة انتاج قوى السلطة نفسها، إضافة إلى بناء اقتصادات ريعية مثقلة بالديون الخارجية انتجت ازمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية ادت إلى افقار الشعوب وتهميشها.
هذا الواقع يجمع مجتمعات قابلة للانفجار والتفكك والانكشاف على الخارج، وهو يمثل الواقع المثالي للتدخل، ففي اللحظة التى تتراخى فيها قبضة السلطة تنفجر هذه المجتمعات، وتسود الصراعات بين مكوناتها ومؤسساتها. ويطلب الجميع، والسلطة من ضمنهم، دعم الخارج الذي تقوم قواه بإدارة الصراعات الداخلية بين سائرالاطراف. بناءً على هذا الواقع وضعت خطط تنفيذ الفوضى الخلاقة، الذي بدأ عمليا باحتلال العراق واسقاط دولتة عام 2003، مما أدى إلى تفكيك البنية الاجتماعية العراقية وجرى غض النظر عن التدخلات الاقليمية، بهدف تفجير الصراعات بين مكونات الشعب العراقي. ونظرا لتشابك العلاقات مع المكونات في المجتمعات العربية المحيطة به، اهتزت هذه المجتمعات وضعفت السلطة فيها، وانفجرت لاحقا عام 2011 مع انطلاقة ما يسمي انتفاضات الربيع العربي، التي حولتها السلطات الحاكمة حروبا أهلية في سوريا واليمن والسودان وليبيا مع ارتدادت في لبنان وغيره.
لقد اديرت هذه الحروب بواسطة قوى اقليمية هي اسرائيل وايران وتركيا وبرعاية وقيادة اميركية. أما التنفيذ فحصل بأيد عربية وتمويل عربي، بينما الدماء التى سالت عربية والدمار والخراب أصاب المجتمعات العربية. وهكذا سيطرت اميركاعلى المنطقة العربية من مدخل التفكك الاجتماعي واستبداد الأنظمة العربية، التى لا هم لها سوى المحافظة على استمراريتها. وقد جاءت حرب غزة ولبنان وسوريا لتظهر عمق الدور الاسرائيلي من خلال اخضاع دول المنطقة، وربما إعادة رسم خارطة جديدة لها، تتولي اسرائيل موقع قيادتها.
والاخطر في هذا السياق، هو انتشار ظاهرة التماهي مع الجهة الداعمة على مستوى الأنظمة والشعوب، التى تأخذ اشكالآ متعددة وشاملة لنواحي مختلفة من الحياة، والتى تصل إلى حد الاستلاب الكلي والتنكر للوضعية الذاتية والذوبان في عوالمها بذرائع شتى كما هو الحال راهناً مع الايراني أو الاميركي وحتى الاسرائيلي أو سواهم. هذا الاستلاب هو من اخطر عوامل عرقلة مقاومة السيطرة والاحتلال، لأن هذا التماهي ينمي لدى الانسان وهم التحرر من خلال التنكر للمشكلة الذاتية والجماعية.
اولويات المقاومة
لقد اظهر الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الاسرائيلي أنهما يمثلان القوة والنفوذ في العالم، باعتبار أن السيطرة والبقاء للأقوى مما يخلق احساسا بالعجز أمام القوة المفرطه التى يملكانها ويحركانها، بحيث يصبح السؤال عن امكانية المقاومة أكثر الحاحا، فاذا أصبحت المقاومة المسلحة مكلفة حتى أنها تكاد تكون أشبه بعملية انتحار، في المقابل فإن المقاومة بأشكال أخري ممكنة انطلاقا من قاعدة البقاء للاذكى وليس فقط للأقوى.
لذلك لا بد من الانطلاق من قراءة متجددة للواقع السياسي والمجتمعي والعلمي، بشكل موضوعي، والعمل على اقفال المنافذ التى دخل منها العدو لتفكيك المنطقة والسيطرة عليها واخضاعها، والتى يمكن تحديدها بناءً على ما تقدم بما يلي:
- اعلان الحرب على العراق لاحتلالة اولا، بذريعة امتلاكة اسلحة الدمار الشامل ثانيا والتى ثبت لاحقا عدم وجودها.
- اقامه شبكة من العلاقات مع مكونات المجتمعات العربية والتى تحولت إلى تنظيمات مسلحة بحجة حمايتها من السلطة أو من خصومها الداخليين .
- تمويل وإدارة التنظيمات المسلحة ودفعها لاعتماد المسارات التى تخدم خطط الفوضى الخلاقة.
- ادعاء حماية الأقليات الدينية والقومية في سياق أضعاف الدولة المركزية، ورسم ملامح إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة.
وبناءً عليه من البديهي أن تنطلق المقاومة من معالم الاختلال في موازين القوى لصالح العدو، وتعذر المقاومة المسلحة نحو سد المنافذ التى سهلت للعدو السيطرة على المنطقة، وهو ما يفرض اعتماد المسار المقاوم التالي:
1-إعادة بناء الدولة القوية والعادلة ودعمها في استعادة سيادتها على قرارها الوطني المصادر اولا من قبل القوي الطائفية والمذهبية، من خلال منع هذه القوى من إقامه علاقات سياسية مباشرة مع دول خارجية، اقليمية ودولية، ودعمها ثانيا في مواجهة الضغوط الخارجية، والضغط عليها لمنعها من التفريط بالثروات الوطنية وحماية الحقوق المشروعة للشعب.
2-إستعادة اللحمة المجتمعية، بما يؤدي إلى تماسك المجتمع الوطني وتعزيز وحدتة عبر إلغاء دور الوسيط الذي تلعبه القوي الطائفية بين الدولة والمواطن. ومنع هذه القوى من مصادرة حقوق المواطنين وتوزيعها عليهم وقف اولويات الولاء لها، وهو ما يسهل ويساعد على تعزيز المواطنة واستعادة الثقة بين المواطن والدولة .
3-المقاومة الفكرية والثقافية على مختلف أنواعها لفضح منطق القوة العارية، والدعوة إلى سيادة قيم العدالة والمساواة.
4-المقاومة السياسية عبر التحركات الشعبية وممارسة الضغوط اللازمة على السلطة لتحصين موقفها فى مواجهة الضغوطات الخارجية التى تتعرض لها.
5-العناية بالقضايا المعيشية والقطاعية والخدماتية، فهي من اهم الوسائل لجمع المواطنين من كل الطوائف والمذاهب، وممارسة كل انواع الضغوط الممكنة بالوسائل الديمقراطية من اجل توفير مقومات الحياة الكريمة للمواطنين، واعتبارها وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وحماية الحقوق المشروعة لهم. إن العمل على توحيد المجتمع الوطني وبناء الدولة القوية والعادلة، هما المدخل الأساسي لمجابهة السيطرة الاميركية والاسرائيلية وهيمنة القوى الاقليمية الايرانية والتركية، ومنع تعريض مصير الكيانات العربية للخطر، بما فى ذلك الكيان اللبناني الذي يبدو أنه امام خيارين قاتلين في حال استمرار الصراع الداخلي وتهجير سكانه أو تقسيمه، وكلا الخيارين يؤديان إلى إنهاء كيان لبنان الذي نعرفه جغرافيآ وسياسيآ ومجتمعياً.
خلاصة القول مما تقدم إن تعزيز وحدة المجتمعات الوطنية وبناء الدولة القوية والعادلة والقادرة على استعادة سيادتها على القرار الوطني، هما المدخل الأساسي الممكن حاليا لمواجهة السيطرة الأميركية والاسرائيلية على لبنان والمنطقة.
