سياسة صحف وآراء

تساؤلات على أعتاب المرحلة الثانية من خطة ترامب

* ماجد كيالي

يأتي الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، بشأن وقف حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة، (تشرين أول/أكتوبر 2023)، في ظروف ضاغطة، ومعقدة، وغير مطمئنة للفلسطينيين، بواقع أن إسرائيل هي الطرف المقرر في إنفاذ تلك الخطة، لجهة وقف الحرب، بالامتناع عن القصف وعن إطلاق النار، والانسحاب من الأراضي التي احتلتها، وتالياً السماح بفتح المعابر، وإدخال المساعدات من الغذاء والحاجات الأساسية لمليوني فلسطيني، وتمكين مشاريع إعادة الإعمار، وصولاً إلى تمكين اللجنة الإدارية /الفلسطينية، المكلفة إدارة قطاع غزة من القيام بالمهمات الملقاة على عاتقها في المرحلة الانتقالية.

بيد أن إسرائيل لا تلتزم، كعادتها، أي اتفاق أو تعهدات، ولا يوجد ما يلزمها ذلك، وهي ترهن كل شيء بما تعتبره أمنها القومي، وحساسيتها الداخلية، فهي مثلاً تشترط ولوج المرحلة الثانية باستعادتها آخر جثة لإسرائيلي لدى “حماس”، علماً أنها، حتى لو استعادتها، فهي لن تعدم الحجة لاستئناف هجماتها، بدعوى وجود سلاح هنا، أو مقاتل من “حماس” هناك.

وللتذكير، فإن إسرائيل تبرر حرب الإبادة الوحشية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، بدعوى استعادة أسراها، ونزع سلاح “حماس”، وإنهاء وجودها كسلطة فيه، لكن أهدافها الحقيقية تتجاوز ذلك إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية، في سياق محاولاتها وأد الكيانية السياسية الفلسطينية، وصولاً للتخفف من أكبر قدر من الفلسطينيين في القطاع. لذا فإن إسرائيل، التي تنصلت من اتفاق أوسلو (1993) على مدار ثلاثة عقود، لن تعدم الحجة تلو الحجة للتهرب من الاستحقاقات المطلوبة منها، وفرض الأمر الواقع.

معنى ذلك، وفقاً للتجربة الفلسطينية منذ النكبة (1948)، أن الوضع الموقت قد يصبح بمثابة وضع دائم، هذا ما حصل في قضية اللاجئين الفلسطينيين (1948)، وتجزئة الشعب الفلسطيني، في أكثر من إقليم، وتحت أكثر من سلطة، وهو ما حصل في احتلال إسرائيل للضفة والقطاع (1967)، إذ باتت المطالبة الفلسطينية والعربية تقتصر على انسحابها من تلك الأراضي. وها نحن اليوم إزاء فرض واقع جديد في قطاع غزة، مفصول عن وضع الفلسطينيين في 48، وعن وضع الفلسطينيين في الضفة، من دون أن يعرف أحد ما الذي سيبقى من القطاع، أو ما طبيعة الكيان الذي سينشأ فيه، أو ما مصير الكتلة الكبرى من فلسطينيي غزة.

ومعلوم أن خطة ترامب كانت تأسست على تجهيل القضية الأساسية، أي قضية حقوق الشعب الفلسطيني، وتحويلها إلى مجرد قضية عقارية، ونوع عمراني، وسكان يحتاجون المساعدة، باقتراحها تحويل غزة إلى “ريفييرا”، وإنشاء مناطق اقتصادية وسياحية في غزة، مثلما تأسست على تغطية حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين، إلى درجة اعتبارها أن إسرائيل ضحية ومعتدى عليها، وإنها وحدها تمتلك حق الدفاع عن النفس.

المشكلة أن الجانب الفلسطيني، أي الطرف المعني بكل ما يجري، في وضع المغلوب على أمره، فهو لا يستطيع شيئاً، من الناحية العملية، إزاء حرب الإبادة الوحشية، أو إزاء ما تبيته إسرائيل ضده، بقدر ما هو معني بتقليل الخسائر بأقصى ما يمكن، بغض النظر عن بعض الخطابات الإنشائية والعنترية.

هكذا ثمة إجماع فلسطيني على التعاطي الإيجابي مع خطة ترامب، على خطورتها، فالقيادة الفلسطينية الرسمية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، رحبت بخطة ترامب، وبجهوده “لاستكمال تنفيذ خطته للسلام، بما في ذلك تشكيل مجلس السلام وهيئاته التنفيذية”، وهو ما ينطبق على الفصائل الفلسطينية التي اجتمعت في القاهرة، أخيرآً، مع ممثلين عن “حماس”، و”الجهاد الإسلامي”، و”الجبهتين “الشعبية”، و”الديموقراطية”.

وإذا كان موقف القيادة الفلسطينية معروفاً ومفهوماً، فإن موقف الفصائل المجتمعة، ولا سيما منها “حماس”، يثير الاستغراب، لأكثر من سبب؛ فهي، أولاً، لم تقدم أي مراجعة لعملية “طوفان الأقصى”، ولم تقم بتقديم كشف حساب لما نجم عنها للشعب الفلسطيني. ثانياً، ثمّن بيان الفصائل جهود الرئيس ترامب، رغم أنه كان شريكاً لإسرائيل في تلك الحرب. ثالثاً، أكد البيان “التزام الفصائل الكامل مواصلة تنفيذ اتفاق وقف النار وباقي مراحل خطة الرئيس ترامب”، علماً أن هذا البند يتناقض مع شعارات تلك الفصائل، كما يتعارض مع المبررات التي بناء عليها تمت عملية “طوفان الأقصى”. رابعاً، رحبت الفصائل بتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية “الانتقالية” لإدارة قطاع غزة، لتسيير شؤون الحياة والخدمات الأساسية بالتعاون مع “مجلس السلام” واللجنة التنفيذية الدولية التابعة له، علماً أن هذه وصفة لتكريس فصل غزة عن الضفة، وفرض الوصاية عليها، باحتمال تحول الوضع الموقت إلى دائم.

والسؤال إذا كانت “حماس”، ومن معها من الفصائل، وصلت أخيراً إلى تلك الاقتناعات، فمن المسؤول إذن عن كل الأثمان الباهظة التي دفعت نتيجة خيارات خاطئة؟ ثم لماذا لا تقدم تلك الفصائل على الاعتراف لشعبها، أو التوضيح له، أسباب وصولها إلى تلك الاقتناعات التي تمثلت في بيان القاهرة؟

*  نشرت بتاريخ 16 كانون الثاني 2026 في جريدة النهار