صحف وآراء مجتمع

الإرادة الفولاذية الحرة لاستقبال وقائع عام 2026؟

زهير هواري

بيروت 28 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية

أيام قليلة ويخلي عام 2025 السبيل أمام عام جديد يطل على أهلنا وبلادنا المنكوبة والمثخنة بالجراح. لن ندخل في اطلاق التمنيات بعام مليء بالفرح وتحقيق الأمنيات المشتهاة. ولن ندخل في هذا الباب الذي يتقنه الكثيرون، فلعل وعسى أن يتحقق بعض ما نصبو إليه، فنخرج من العتمة إلى ضوء الأمل. والأمل ليس مجرد كلمات ما أن ننطق بها حتى تتلاحق الإنجازات ويعم السلام والأمن والازدهار ربوعنا، ونتكلل كأشخاص مع من حولنا بالسعادة والعيش الرغيد. الأمل هو قرار بالعمل الشاق، ومعاناة  في بذل الجهد كي تصبح وقائع راسخة تظلل وطننا وبلادنا وحياتنا وحياة من نحب.

لا شك أن عام 2025 الراحل كان عاما دمويا، مئات الشهداء سقطوا تباعا بأحدث تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وبواسطة مسيّرات العدو التي تستبيح سماءنا ووجودنا ككائنات لها حق الحياة. ألوف البيوت دمرت، ومعها مقومات العيش من مصالح ومحترفات ومزارع وحقول تبغ وزيتون. وكل ما قام العدو بتدميره ممنوع التعمير والإصلاح ويبقى ركاما في مكانه. تقول لنا إسرائيل بصريح العبارة: الشهداء مستقراتهم في القبور، والمنازل التي دمرتها مجرد ذاكرة وذكرى، ولا مجال لاستعادتها وحتى انتزاع ألبومات الصور القديمة من بين أنقاضها.

غدا سيأكل الوجوه المضيئة في الافراح الصقيع اليومي والشمس الحارقة. ولن يتبقى منها أكثر من أحاديث تستعيد أيام واحداث مضت وأحبة مضوا وأهل قضوا، وفي أحسن الأحوال بددتهم موجات التهجير المتلاحقة. مصيرهم كمصير عشرات ومئات الألوف والملايين من أبناء بلداننا المعذبة في غزة والضفة الغربية وسوريا والعراق واليمن والسودان و… كأن هذه البلاد لا تنبت سوى زرع الخيام وانتاج الأيتام والارامل والمبتوري الأطراف ومنوعات المآسي والمجاعات المتلاحقة التي تطاردنا أينما اتجهنا في صحرائنا القاحلة من الاحلام.

هذا الليل كما لكل ليل نهاية وآخر. قبل ساعات الفجر الأولى يطبق الظلام على ساعات أكثر سوادا من مساءات أيام كوانين. هذا الفجر بحاجة إلى عقول وسواعد وأيدٍ يجب أن تنتزعه من بين براثن السواد الحالك. أرادات من الصوان والفولاذ تؤكد أن هذا العدو لا بد وأن ينهرم، إن لم يكن غداً فبعده بيوم أو أيام. وأن أولئك الذين يعتبرون الوطن مجرد بقرة يمتصون حليبها من ضرعها وحتى دمها، لن ينتصروا على حبات العرق التي تضيء جباه المتعبين. وأن اللبنانيين لن يقبلوا أن يبقوا مشاريع ضحايا في خدمة حسابات دول أو أدوات في مخططات نفوذ إقليمية، أو مشاريع شباب يغتربون لإعالة ذويهم الذين نُهب تعبهم وجنيهم لعقود في المزارع والمصانع والمكاتب، وفي كل عمل شريف كان يؤمن لهم مقومات العيش وبعض من القروش البيضاء للأيام السود.

ما يجب ان يتحقق لا يأتي بمجرد امنية من هنا وهناك، ولا عبر ألوانٍ مبهرجة على بطاقة بريد الكتروني، بل بقراءة دروس ما مرَّ علينا من عذابات، وما ارتكبنا من أخطاء وخطايا في تجاربنا الصعبة، والإفادة منه وتحويله إلى ممارسات صمود ونضال قابلة للتعبير عن رفض الاستسلام والتحقق باعتبارها بوابة للتغيير.

الثابت أنه لن يأتي مخلِّص كالذي يعدنا به البعض مهما كانت طائفته واقترب زمنه أو ابتعد. المخلِّصون هم أنتم ونحن وكل من يمت لوجعنا بصلة. أما أولئك الذين ينتظرون نجدة خارجية أو معجزة سماوية، فمصيرهم السقوط مضرجين بالخيبة، التي يحصدونها أشواكا وجراحا وعذابات تطحنهم، ومعهم كل المنظِّرين الذين يكتفون باطلاق نظريات اليأس والانتظار البائسة في زمن يحتاج  كل واحد منا إلى الصمود والعمل في الممرات الضيقة والصعبة لقطع الطريق على المغامرات الانتحارية ومواجهة الازمات المستدامة، وكسر زحف جيوش حروب السيطرة والإبادة والإفناء.

مع العام الجديد 2026،  تحية لكل المعذبين الصابرين على الالم والتعب والاستغلال، والتحية أيضاً للرفاق والأصدقاء الذين يُجددون  مسارات النضال والإصرار على انتزاع الصباح من براثن القهر.