صحف وآراء مجتمع

“ما حدث خلال هذه الحرب لا يُحتمل”

زينب شور

الجميع قالها

يضيف عدنان:  ولا حتى الله بيتحملو

لا تندهشي، بصراحة، ما كنت لأقابل الله إلا وجها لوجه، أناجيه، أصارحه صادقا بما أطلب.

أعتدت أن أهدئ نفسي في الأزمات فأتكل عليه. لم يخب ظني به يوما. لكن …. إستغفر الله …

ماذا حصل يا عدنان؟ أسأله

فقدنا البوصلة متلنا متل كل الناس. هربنا من القصف إلى منطقة أكثر أمانا نسبيا. كان البيت صغيرا، لكنه اِتسع لنا ولعائلتين جاءتا تبحثان عن مأوى. في باحة المكان الأمامية، تتدلى أغصان تينة على الحائط الشرقي منها. كنت في باكر كل يوم أجلس تحتها لأضع نفسي بين يدي الله. أحيانا يضيق بى الحال والمال فأكفر. لست أكذب، معاذ الله، لكن إلى مَن الجأ حين لا أجِد في جيبي ما يسدّ حاجتنا وتكاليف علاج مريم؟

يتوقف عدنان عن الحكي. لا يبدو عليه الغضب، فقط أغمض عينيه ولم يدمع.

قدّرت خطورة سكوته، بادرته قبل أن ينفجر دمعُه بقلبه.

– عزيزي ، كلنا نحتاج أن نتخفّف من أثقالنا.

– هل ينفعنا الكلام بعدُ ؟ من يكلّف خاطره ويتنازل عن الخطابات الفارغة ليقول الأشياء كما هي ؟

حسنا، سأخبركِ

كنت صباحا، بعد انقضاء ليالٍ ماجنات من القصف المرعب، أمشي في الباحة. ولأقول الحقّ، لم أكن أمشي، كانت الدنيا هي التي تمشي بلا توقف، لا تتوانى عن عصر همومَها سيلًا لا طريق له إلا قلبي؛ ولا سبيل لي إلا ان أغرف منه كوبا أشربه خبرا مفجعا مع قهوتي على الريق. وأحيانا كنت أُوفّق بأن أُبعِدُ الخبرَ عني، أتجاهله كأنه لا يعنيني، كأنه حصل لشخص آخر. كنت أتوسل الله أن يمرمّغ عواطفي بالوحل لأحظى ببلادة تُبطِئ من دفق خفقان قلبي وتخفف من ارتخاء قدميّ، حينها أتمكّن من البحث عن عمل… رغم أن لا جدوى من البحث. الدنيا حرب. أليس على أحد أن يتحمل مسؤولية ؟ لقد فقدت السند، فقدت دكاني، وليس لدي إلّاه، الله، عليه أرمي همومي. لا اطلب منه الكثير، فقط معطف بلادة ليوم او يومين ليتسنى لي ان أذهب كروبوت إلى البساتين القريبة من مدينة صور، مكان نزوحنا. كنت لأقبل ايّ عمل: شغيل فاعِل، نصف فاعل يرضيني، حمّال… . وطبعا كنت أعود خائبا، خاويا تائها. فمن الذي يستخدم عاملا لا يعرف عنه شيئا؟ هذا كان يحصل قبل توسيع الحرب. المهم كنت أعود بحال (يا محلى كوب عصير الهموم الصباحي) لأجد زوجتي مريم تتألم، ليس في يدي ما اقدمه غير حبة مُسكّنً، واحتضاني لما تعانيه بما يسعني، حتى الإبتسامة اصطنعتها بنكهة ” بتفرج “.

في معظم الوقت وقد كان عصيبا دائما، كنت انتظر الفرج من تلك التينة الطيبة المذاق في الباحة، مذاق يصلني بمناجاة الله وأنسى انه أعجزني ولم يسمعني وأصابني باليأس والتعب والمرارة وكل أنواع القهر البشري واللابشري. كنت لا أشعر بهدوء نسبيّ إلا عندما أفلفش في ذكرياتي ورقة ورقة، أستمتع بها كمتعة مضغ أكواز التين العسلية. كان يحضرني ماضيّ وأفراحه.. ماضيّ في اميركا .

هناك ، أتذكر ان الله قد حضر بكلّ كرمه، كان معي في كل خطوة يطلبها حاملُ شنطة جوال. فكيف غاب عن السمع هنا، أتكون اسرائيل قد عطّلت التواصل بيننا بأصوات الصواريخ؟

– وهل وجدته في اميركا؟

-هل لك ان تتخيلي كيف وجدته معي هناك، وحتى دون تواصل؟

-هات، أخبرني بالتفصيل

– كنت بائعا جوالا. لم أعجز يوما عن تدبر أمور معيشتي، أحمل الشنطة على ظهري وأتيسّر. أطرق أبواب المحلات والمتاجر وصالونات التجميل… أبيع من كل شيء بعضَه. لا أستعظم الأمر، كنت في قوة الشباب. كان الله يرزقني، ليس مالا فقط: محادثات تعارف بسيطة، مجالسات لطيفة بصحبة نساء غاويات تسوُّق وشراء ما لا يلزم. لا تسيئي الظن بي، كنّ تشترين مني وتضحكن معي وتثرثرن براحة. لا أعرف ان كان ذلك لشفقة أثرتها فيهن بغير قصد، أو لضجر تشعرن به. باختصار كنت أعود إلى غرفتي فرحا. كأن يومي عبارة عن نزهة، أعيش بما أجنيه متجنبا الحاجة، فأملأ رئتي بأوكسجين عزيمتي وبمشاعر خفيفة نظيفة، لا هّمّ ولا من يحزنون، وفي المساء كنت اقرأ الشعر والروايات .

في مرة من مرات تجوالي، قالت لي إمرأة كانت تعمل في تصفيف الشعر: أنت طيب ومثقف يا عزيزي اللبناني، كأنك لم تخلق لتكون بائعا .

ترددت في أن أخبرها أن شهادتي في بلادي هي لوحة على حائط “واسطة” لم استطع تسلقه وما رغبت بذلك. تقدمت إلى وظائف لمرات عديدة، دون جدوى. لذلك أراحني ان وضعت لوحتي في شنطة وبصقّت على ذاك الحائط ….

ـ اذن، لماذ عدت من أميركا إلى بلاد الواسطة ؟ سألته

ـ والله يا ست زينب تعبت من حمل الشنطة وما نلت من شهادتي غير”المرْمَطة”. لا معادلة ولا شحار.. أضيفي ألى ذلك أنّي قد تعبت من الوحدة، قلت لحالي برجع عبلدي وبفتح دكانة وبعمل عيلة. وكما يقول المثل” خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود”. عدا ان المصارف، بزعمائها، خبأت لنا الأبيض وبلعته وتركتنا في الأسود، جاءت الحرب. لم أكن اتوقع أن اليوم الأسود سيمتدّ إلى شهور سواد شهور طوال، سواد الصواريخ، سواد الوجوه من فقدٍ وعوز وتشرد وقهر …

بس بالإخر الله سمعني وفرجها عليي ومريم تعالجت .

ـ مَن فرجها عليك: الله الأميركان أم الله لبنان ؟

ـ لقد وصلتني رسالة عبارة عن حوالة مالية. كانت من صديقتي. تلك المرأة الطيبة هناك، مصففة الشعر.

 *نشرت على صفحة الكاتبة بتاريخ 24 كانون الاول 2025