تحدث مساء أمس الثلاثاء كل من رئيس لقاء سيدة الجبل الدكتور فارس سعيد ورئيس تحرير جريدة المدن الالكترونية الإعلامي منير الربيع في ندوة حوارية بدعوة من منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني وفي مركزها الرئيسي في بيروت ـ وطى المصيطبة تحت عنوان “السيادة الوطنية في مواجهة الشروط الإسرائيلية”. وتولى التقديم مدير المركز اللبناني للبحوث والاستشارات الإعلامي حسان قطب، وحضرها حشد من المهتمين منهم: رئيس المكتب التنفيذي للمنظمة زكي طه، النائب السابق مصباح الاحدب، رئيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي د. عبد الله رزق، الدكاترة: جورج دورليان، حارث سليمان، عمر حلبلب، محمد علي مقلد، الإعلاميين وليد نويهض وأسامة القادري وباسم سعد، المحامين مجيد إبراهيم، إيمان طبارة ونصير عامر. المهندسان راشد صبري حماده وجو هوا، أمين سر المجلس البلدي لمدينة بيروت جمال حلواني، العميد حسين الشيخ علي، السيدة رولا العجوز، والنقابيون: أكرم العربي، أديب أبو حبيب، وفيق الهواري، عبد الله سرور، وآمال رحال، وسيم غندور، محمد البابا، وارف قميحة، محمود أبو شقرا، محسن زين الدين، جاد الأخوي، عباس الهدلا، شهيد نكد ونزار مرتضى وحشد من الفاعليات والمواطنين والحزبيين.
أشار قطب في تقديمه إلى أن لبنان أمام منعطف خطير ووجودي مع ارتفاع نبرة التهديدات الإسرائيلية بشن حرب واسعة عليه، وتبعا لذلك نسمع ونقرأ عن مُهل ومواعيد محددة. وأكد قطب أن إسرائيل تستفيد من الاستراتيجية الأميركية التي تقوم على قاعدة أن تكون إسرائيل الدولة الأقوى في المنطقة، بينما محيطها الإقليمي ضعيف دون استثناء ولبنان أحد هذه الدول. وتطرق إلى المشروع الإسرائيلي في المنطقة ما يساعد على رسم صورة المواجهة المقبلة تحت سقف حماية الوطن والشعب، مدخلاً لبناء الاستقرار والنهوض مجددا. واعتبر قطب أن تعريف السيادة والمطالبة بالحفاظ عليها ليس ثابتا في أدبيات البعض. وتوصل إلى أننا في لبنان نعيش وسط صراع بين مشروعين دينيين هما: المشروع الإسرائيلي الذي يحلم ببناء أو تحقيق دولة إسرائيل الكبرى تنفيذا لما ورد في التوراة وعلى حساب دول المنطقة وشعوبها. والمشروع الديني الإيراني الذي يلتزم حزب الله بتنفيذه ولذلك يرفض تسليم سلاحه. وجزم أن المشاريع الدينية لا تعترف بالحدود باعتبار أن ما تنفذه هو الالتزام الديني الالهي، فإسرائيل ترسم حدودها الجديدة أمنيا. أما حزب الله فيرى أن حقه هو أن يقاتل في سوريا والعراق واليمن وفي كل مكان اذ “نكون حيث يجب أن نكون” كما قال الأمين العام السابق حسن نصر الله.
سعيد هذه بطاقة تعريفي للسيادة
ثم قدم قطب الدكتور سعيد، الذي استهل حديثه بالسردية اللبنانية من ضفتيها المسيحية والاسلامية إلى حد أنها باتت شائعة أو إشاعة عمرت طويلا. وعرض للتجربة اللبنانية التاريخية في مراحلها المختلفة، ما أدى إلى استطالة العسر اللبناني مرورا بالفتنة الأهلية عام 1958 وصولا إلى حرب الـ 15 عاما 1975 – 1990. وعرض لما تضمنه اتفاق الطائف من نهائية الوطن اللبناني لجميع أبنائه هو مطلب مسيحي بامتياز، وعربي الهوية والانتماء وهو مطلب إسلامي بامتياز. واعتبر أن فلسفة اتفاق الطائف تدحض فكرة تسللت إلى بعض العقول، ومفادها أن أصل المشكلة تكمن في التعددية اللبنانية ذاتها. من جهتي أنا مع الفلسفة التي تقول إن المشكلة ليست في التعدد الذي هو مصدر غنى وإثراء، بل في سوء إدارة هذا التعدد. وتوقف عند الوصايتين اللتين خضع لبنان لهما على التوالي وهما وصاية النظام السوري الذي اعتبر لبنان محافظة سورية. والوصاية الإيرانية التي انتهت بما نحن فيه. وفي الحالتين بقي لبنان يعيش أجواء حرب باردة بين أطيافه وسط خطر تحولها إلى حرب ساخنة في أي وقت. وأضاف: اعترف أننا استسهلنا كلمة علمانية واعتبرناها الحل للواقع الطائفي. واليوم هناك فريق لم يعترف أساسا بوحدة البلد يتكلم عن اللامركزية الإدارية، قاصدا تقسيم لبنان تحت حجة أننا لا نشبه بعضنا. وتابع: خياري اليوم هو اتفاق الطائف الذي اذا ما طبق يؤمن الحقوق للمواطنين الأفراد من خلال مجلس نيابي محرر من القيد الطائفي، ومجلس شيوخ منتخب على قاعدة طائفية يؤمن الضمانات للجماعات الطائفية. وشدد على أن التطبيق الاستنسابي للدستور من قبل الوصايتين لم يسمح لا بتبرئة النفوس، ولا بإصلاح تدريجي، بل فاقم الهواجس والظنون وكثّرها.
وختم قائلا: هذه هي بطاقة تعريف عن موقفي السياسي الحالي وحرصت على مصارحة الجميع به خاصة أصحاب الدعوة في منظمة العمل اليساري، والأهم عندي أن التحرير والسيادة والاستقلال واستعادة الحقوق وتحرير الأسرى كل هذا متلازم مع الوحدة الداخلية.
الربيع: تحديات السيادة
اعتبر منير الربيع من جانبه أن تحديات السيادة في بلد كلبنان مسألة صعبة. كما أن موضوع السيادة بات أشد صعوبة على الصعيد العالمي، بالنظر إلى العولمة وتداخل القوى والسياسات والمصالح وتشابكها. حتى أن مقار المواقع الالكترونية وشبكاتها باتت تخترق العالم من أقصاه إلى أقصاه برا وبحرا وجوا، فكيف نتحدث عن السيادة أمام تلك الامبراطوريات اذ أقصى ما نستطيعه هو الحديث عن سيادة نسبية. وعليه فقد بات من الصعوبة بمكان على أي دولة أن تحافظ على سيادتها، بينما كل الاتصالات العالمية تدار من مقار شركات التواصل العملاقة. ومع وضع على هذا النحو كيف لنا أن نحدد مفهوم السيادة، وكيف نحمي الحدود؟ وكأننا لا ندرك ما الذي يحدث على صعيد النظام العالمي. وبناء عليه لا يسعنا سوى أن نندمج مع هذا النظام العالمي في عملية ضرورية للدفاع عن المصلحة الوطنية لبلدنا بالتفاعل مع المصلحة العالمية، حيث يبرز موضوع المواءمة بين الدولة الوطنية والمصالح العالمية.
وأضاف: إن هناك ضرورة لإعادة الرؤية الوطنية القائمة على سيادة الدولة اللبنانية انطلاقا من اتفاق الطائف، والمشكلة التي نواجهها دوما أن هناك فريقا لبنانيا يتوهم أنه يستطيع توسيع لبنان الكبير إلى لبنان الأكبر، وهو ما يقود دوما إلى أزمات في الداخل من خلال الادعاء أن من هم خارج هذه الطائفة لا يشبهون اقرانهم من الطوائف الأخرى ومع المحيط الإقليمي. وقد ترتب على ذلك الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي الذي نتجرعه الآن. واكد أنه يفهم السيادة كمفهوم ومصطلح مضاد للمشروع الصهيوني الذي يتحدى دول الإقليم. ولا يستطيع لبنان أن يحمي نفسه وسيادته إلا من خلال رؤية سياسية جامعة تمتلك حصانة أممية وعربية. فالعدوان الإسرائيلي لا يطال لبنان وسوريا وفلسطين فحسب، بل إن مداه يصل إلى باقي الدول العربية والإقليمية. من هنا أهمية صياغة مشروع إقليمي لمواجهة هذه الاستباحة وما تحمله من مشاريع تقسيم وتفتيت لدول المنطقة.
مداخلات ومواقف
لم تقف الطروحات على ما ورد أعلاه فقد تجاوزتها من جانب المحاضرين والحضور لتتطرق إلى القضايا السياسية المطروحة في ضوء زيارة الدبلوماسيين الأجانب والإعلاميين إلى جنوب الليطاني، وما يكثر الحديث حوله لجهة تسليم سلاح حزب الله جنوب الليطاني والمطالبة أن يشمل شماله، والتحولات التي طرأت على الوضع في الجنوب منذ العام 2000 وخصوصا منذ العام 2006 إلى العام 2023 وقوات اليونيفيل ومصيرها، والواقع الجديد الذي ينتظره لبنان الذي يتحدث الآن عن منطقة شمال نهر الأولي بعد الحديث سابقا عن شمال الليطاني لتأمين الأمن الإسرائيلي وابعاد مرمى الصواريخ عن مستوطناتها. كما تطرقت المداخلات والأسئلة إلى مسائل القوى القادرة على تكوين تحالف وطني للوقوف في وجه القوى الطوائفية التي لا تستطيع الصمود أمام تكاثف الضغوط التي تتعرض لها البلاد جنوبا، ومصير السيادة الوطنية، وعملية بناء الدولة ومؤسساتها تبعا لذلك. ومفهوم السيادة الشامل الذي يتجاوز المتعارف عليه لجهة سيادة قوانين الدولة على ناسها وصيانة حدودها من اختراقات العدو، إذ هناك اعتداءات داخلية على سيادة الدولة من قبل القوى الحزبية الطائفية كل حسب قدراتها، وهي التي تعتدي على المجال والحق العام. بهذا المعنى تصبح عملية الحفاظ على الوطن بمنوعاته عملية حفاظ على السيادة، خصوصا في مواجهة مشروع إسرائيل التي نرى محاولاتها الدؤوبة بتفكيك دول المنطقة، ما يتطلب العمل على تحصين الدولة الوطنية إزاء ما تتعرض له من مخاطر كيانية. ونلمس اليوم محاولة القوى الطائفية الآن تحاول جاهدة تجديد تمثيلها السياسي من خلال الانتخابات النيابية المقبلة في العام 2026 ، بينما القوى المعارضة في حال من الغياب الكامل تقريبا عن مسرح الاحداث.
بيروت 17 كانون الاول 2025 منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني
