مجتمع

الانقسام المجتمعي يمنع الصمود اللبناني من التحول فعلا تغييريا

محمد قدوح

الجنوب 7 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية

شهد لبنان منذ حوالي 50 سنة سلسلة من الحروب الأهلية والخارجية، بدأ مع الحرب الأهلية التى استمرت 15 عاما ، 1975 – 1990، مرورا بالاجتياحات والحروب الاسرائيلية في الاعوام 1973، 1978، 1982،

1996، 1993، و2006 وصولا إلى حرب الاسناد عام 2023، وحرب عام 2024، التى لا تزال متواصلة رغم الاتفاق على وقف اطلاق النار منذ 27 تشرين الثاني عام 2024.

لقد حصدت هذه الحروب مئات آلاف القتلي والحرجي والمفقودين، وتسببت بتهجير عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم ومناطقهم، وبتدمير آلاف المنازل والمؤسسات الصناعية، التجارية، والزراعية. اضافة إلى هجرة عدد كبير من اللبنانيين إلى الخارج. وفي موازاة هذه الحروب تكررت الأزمات المالية والمعيشية والتي تضاعفت بسبب الانهيارات.

قيمة النقد الوطني في عامي 1984و1987 أو الانهيار المالي والنقدي عام 2019 كان الاقسي والأكثر تأثيرا وشمولأ، وأصاب اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وأدي إلى احداث تغيير كبير في نمط حياتهم ومستوى معيشتهم ودفع غالبيتهم الى مستوي خط الفقر، ومن المتوقع أن تستمر مفاعيل هذا الانهيار سنوات عديدة قادمة، في ظل اصرار المتسبين بهذا الانهيار على التنصل من مسؤولياتهم وتحميل اللبنانيين اكلاف معالجته.

لقد عاني اللبنانيون لأجيال متعاقبة من هذه الحروب والأزمات، التى تركت ندوبا على اجسادهم ودواخلهم ترافقهم مدى الحياة، بالرغم من ذلك يبدو الشعب اللبناني ظاهريا بخير ويعيش حياة طبيعية، يمارس اعماله اليومية، ويؤمن وإن بصعوبة احتياجات الأسر في السكن والتعليم والطبابة، ويملأ المطاعم والمقاهي وينظم الرحلات السياحية ويحضر الحفلات الفنية.

هل هذا لأن اللبنانيين قد أدمنوا الحروب والأزمات وباتوا يتكيفون مع الواقع المرير، ويجدون رغم ذلك الحلول لمشاكلهم ويكملون حياتهم؟؟.

الناظر للوضع من الخارج، يمدح اللبناني على صموده. لكن الحقيقة أن هذا الصمود يشبه الأحتفال بقدرة اللبناني على النجاة من المآسي المتكررة، ومن الواضح أن هذا الصمود يمدهم بالقدرة على تحمل مرارة الواقع، لكنه يسلبهم في المقابل القدرة على تصور حياة أفضل خالية من الحروب والأزمات.

ماذا يعني الصمود والتكيف؟

الصمود أو التكيف من منظور علم النفس لا يقوم على الصلابة فقط، بل من القدرة على إعادة بناء الذات بعد الصدمة من خلال علاقة إنسانية، أو معنى يعيد ترميم النسيج الداخلي للفرد، لأن موضوع التكيف لا يقتصر على تحمل الألم، إنما أيضا في القدرة على تحويل الألم إلى حياة ممكنة من جديد.

لذلك فان الصمود يقوم على فكرة أن الانسان والمجتمع قادران على إعادة تنظيم تفسيرهما بعد التجربة الصادمة (الحرب) بتحويل الألم الى قوة بناءة، بحيث يتجاوز مرحلة التعايش مع الخسارة إلى البحث عن معنى جديد للحياة، وإعادة الروابط والثقة الاجتماعية وفق منظومة قيمية وثقافية، تمكن الفرد والمجتمع من الصمود رغم آثار الفقدان والخوف والدمار، لأن آثار الحرب ليست مجرد خسائر بشرية ومادية، بل تحولات بنيوية عميقة تصيب النظام الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وتؤسس لتحديات ممتدة لفترة غير قصيرة.

لذلك فإن الصمود والتكيف بعد الحرب عملية طويلة تتطلب مرونة اجتماعية، وتفعيل قدرات المجتمع للاستجابة لمتطلبات هذه المرحلة، مع الأخذ بعين الاعتبار أهم معوقات التكيف التى تتمثل في الانقسام الداخلي، وفقدان الثقة بالسلطة السياسية والتدخلات الخارجية، التى تخضع عملية التعافي لشروط سياسية والتدخلات الخارجية ومعالجة الأزمة الاقتصادية.

المشكلة في الحالة اللبنانية على امتداد 50 عاما من الحروب والأزمات، أي على مدى خمسة اجيال متتالية، رغم قدرة الفرد والمجتمع على الصمود الذي يبقي الأفراد والمجتمع على قيد الحياة، لكن من دون أن يتحول هذا الصمود الى فعل سياسي في مواجهة النظام السياسي المنتج للحروب والأزمات. ما يعني أن هذا الصمود هو اشبه ما يكون بمرونة زائفة تخلف بنية نفسية هشة على المدي الطويل، تعيق عملية التكامل بين قدرة الأفراد وقدرات المجتمع، التى من الممكن أن تحول الصمود أو التكيف الفعلي ليس فقط إلى عملية نجاة من الحرب، وتدبر الأمور الحياتية، وإنما إلى القدرة على فهم التجربة وادماجها في سردية حياة جديدة للخروج من المأزق، بدل العيش في حلقة تكرار الحروب والصدمات.

انشطار بنييوى في الوعي الجماعي

يلاحظ على الصعيد الخاص أن الأفراد يقاومون ويصمدون ويحافظون على اعمالهم وحياتهم وعلاقاتهم ويبدعون، رغم كل شيء، هم منفتحون على الأخر المختلف عنهم، ويحافظون على التواصل فيما بينهم، فيما يلاحظ على المستوى العام، أن المجتمع يبدو منقسما منهكا يشعر باللاجدوي من المحاولة للتعبير، عاجزا أمام بنية سياسية تتغذى من الانقسام وتعيد انتاج نفسها باستمرار. هذا النوع من الأخطار بين الخاص والعام، يخلف نوعا من المرونة المنفصل عن الفعل السياسي التعبيري، مما يعني أن الأفراد والمجتمع لا يستخدمون طاقاتهم التكيفية لتغيير البنية السياسية، التي تضطرهم إلي التكيف. وهنا تظهر ما اسماه (بوريس سيريلنك) وهو طبيب نفسي، المرونة المشوهة التي تتمثل في القدرة على النجاة من دون استعادة السيطرة على المصير.

لماذا الانشطار بين العام والخاص؟

يقول ادوار سعيد: تتشكل الهوية الفلسطينية من خلال المقاومة ضد الاحتلال. المقاومة ليست فقط عسكرية، بل هي ثقافية، للحفاظ على ثقافة المجتمع وتاريخه في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء، مما يعزز الشعور بالانتماء والجماعية في اوقات الصراع.

أما في الحالة اللبنانية فان الصراعات حصلت وتحصل بين المجموعات الطائفية، حتى في الحروب الاسرائيلية عليه تقاطعت مع هذه الصراعات، وبما أن الصرعات تعيد تشكيل الهويات وتعمق مشاعر الانتماء، مما ادى عمليا إلى تعزيز الهويات الفرعية (الطائفية والمذهبية) على حساب الهوية الوطنية اللبنانية الجامعة. وفي موازاة ذلك جري استحضار الموروث الثقافي والديني لكل من المجموعات الطائفية، مما ادى تعزيز الهويات الدينية وانتصاب جدران الخوف والحذر فيما بينهما.

البديهي في هذه الحالة أن تتراجع المساحات المشتركة بين اللبنانيين، وكذلك اعداد الأفراد خارج الاصطفافات الطائفية، مما جعل هذه البنية الاجتماعية اللبنانية المنقسمة على ذاتها عصية، ليس فقط على إعادة الاندماج في مشروغ تغييري، وإنما تشكل عقبة فعلية أمام محاولات التغيير التي تحصل من حين إلى آخر، وهو ما مكن السلطة السياسية تاريخيا، ويمكنها حاليا من تفكيك أية محاولة للعمل السياسي العابر للطوائف، من خلال اللعب على الخوف من الآخر.

وهكذا استمرت الطاقات الفردية على مستوى الأفراد والمجموعات، عاجزةعن التحول إلى فعل سياسي داخل البيئات الطائفية والمذهبية وخارجها، أي تحويل هذا الصمود من البقاء إلى البناء.

هل اعادة الوصل بين الخاص والعام ممكنة؟

اظهرت انتفاضة 17 تشرين الأول عام 2019 أن الشعب اللبناني بكل طوائفه قد فقد الأمل بقوى الطوائف بكل مسمياتها، وأنه على استعداد إلى الوقوف في وجهها، مما يعني أن الأمل موجود، وإن استطاعت هذه القوى لاحقا إعادة هذا الشعب إلى الحظائر الطائفية بواسطة القمع والتخويف من الآخر ومن الاعيب الخارج.

وقد اظهرت هذه الانتفاضة أن التغيير بحاجة إلي قيادة وتنظيم ومشروع سياسي، وهو ما عجزت التحركات والفعاليات عن إنتاجه.

المشكلة في لبنان أمران اساسيان:

الأول: هو أننا بسبب الانقسامات التاريخية والحالية يسهل جر المجتمعات اللبنانية كقطيع إلى الهاوية، لأن المجتمع اللبناني هو عبارة عن مجتمع قبلي متعدد، لا يفرق الأفراد فيه بين ذواتهم وبين قبائلهم. وعليه، يغلقون سريعا الباب في وجه الآخر، وينغلقون ضمن دائرة قبائلهم الطائفية والمذهبية تحت توهم أنهم يستطيعون الاكتفاء ذاتيا، ويتخلصون من كل إرث توفيقي وانفتاحي على الآخر.

اما الثاني: فيتعلق بالأحزاب التغييرية والديمقراطية العلمانية، التي لا تزال اسيرة تجربتها الماضية، ولم تبادر إلى القيام بمراجعة هذه التجربة على المستويات الفكرية والسياسية والنضالية.

أن تحقيق الأمل المنشود يتطلب توفر امرين اساسيين أيضا هما:

 الاول: يتمثل بإعادة بناءالدولة مهما كان نوعها لخفض الصراعات الطائفية والمذهبية المفتوحة، مما يساهم في إعادة فتح ابواب الطوائف على بعضها البعض، وبالتالي تسهيل التواصل بين جماهير هذه الطوائف.

الثاني: يتمثل بعودة الأحزاب السياسية التغييرية إلى مواقعها الأصلية بين الفئات الشعبية وحمل قضاياها وهمومها، والأهم استعادة الثقة بدورها في النضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما يشكل خريطة الطريق لعودة هذه الفئات إلى حضن المجتمع اللبناني.

يبقي القول إن الأمل موجود بحضور جيل الشباب الذي اثبت ثقله الوازن في انتفاضة 17 تشرين، في أن يظهر مرونة وصمودا من نوع آخر ينتج وعيا نقديا، وسعيا لإعادة بناء المجتمع على اسس جديدة ولو ببطء.