عباس صالح
بيروت 7 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية
منذ زمن، لم أقرأ كتابا يثير عندي حب القراءة وشهوة النقاش كما فعل كتاب زهير هواري “أحكي وفي فمي تراب الكلام – سيرة حياة وسط الحروب”، الصادر حديثا عن دار الفارابي. كتاب يتزاحم فيه الاجتماعي بالسياسي مع الفكري بأسلوب مركب جديد في فرادته، وفريد في جديده، وكأنه سبك ذهب الكلام.
أقرأ، لا ليس أقرأ، بل أعيش اللحظة، أشاهد، أسمع، أضحك مرة، فيما مرات ومرات تدمع عيناي. شريط رباعي الأبعاد، يشعرك أنك في قلب الأحداث مع صانعيها، تتشارك الأمكنة مع أهلها، ترى التفاصيل كما لم تستطع الكاميرات الرقمية تسجيلها.
أن تدخل إلى عالم هذا الكتاب عبر بوابة جدلية وجريئة، تثير لديك الكثير من الأسئلة والتساؤلات. وهي ما يتلقفها القارئ ويتفاعل معها تبعا لفلسفته وفهمه لهذه الحياة. وهذا ليس سردا لأحداث من خلال إبداع أدبي وحسب، كما أنه ليس اختبارا للذاكرة، اذ إنه تفاعل روح وشخصية الكاتب مع معاناة معذبي هذا الوطن، مع إنسان هذا الشرق، أسير الحروب والأزمات التي لا تنتهي.
تتداخل القضايا، الوطنية والقومية، السياسية والإجتماعية، الطبقية والطائفية، فتحضر العبثية لتتصدر المشهد عندما يقول “القذيفة التي تنطلق نحو لا هدف”، يقصد بذلك القصف العشوائي خلال الحرب الأهلية. هل كان وكنا ندرك في حينه عبثية ما نفعله. علما أن منظمتنا، منظمة العمل الشيوعي في لبنان، منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني بعد مؤتمرها الأخير، الذي ينتمي اليها الكاتب، تميزت بالحكم المبكر بوسمها بـ “الحرب الطائفية الانتحارية”.
وتراجيديا واقعنا السلطوي المشرقي، تتمظهر عندما يتحدث عن الرقابة على الصحف بعد اعتبارها من قبل السلطات الإقليمية والمحلية، مسؤولة عن اندلاع الحرب الأهلية، فيعلق كاتبا: “وكأن الحرية وليس القمع هو من يتسبب بانفجار المجتمعات”.
يبدو جليا، الإلتزام بمعارضة ومواجهة الوصاية السورية التي عملت على تعطيل الحياة السياسية والثقافية في لبنان، كما الإلتزام بمواجهة زحف التطييف على الصحف والمنابر الثقافية وروادها، ومواجهة التزوير ومقدمي الخدمات ثمنا لوعد بالتوزير. كيف لا، وهو ينتمي الى مدرسة لا تساوم.
تعبر السيرة على همّ اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وقضايا التعليم ومصير الجامعة الوطنية – اللبنانية ومألات التطور الذي راكمته البلاد ما يعكس ما أصاب البلد من انهيارات وأزمات وانقسامات، طائفية وغيرها، وضحالة الإنتاج الثقافي وتفاعل الأفكار.
الخبز الممزوج بالدم، تعبير عن التعب المضني للحصول على الحد الأدنى من شروط العيش، وقبضة يد والد الكاتب تعرض الخبز المغمس بالدم، تبدو وكأنها لوحة لرسام مأساة عرق وكدح فلاحي الوطن.
ليس المقصود سرد سيرة ذاتية ولا وصف المدن والقرى وأوجاع الحروب، وهو يسير على درب آلامه باتجاه جلجلته، مختصرا معاناة الإنسان في هذا الوطن والمشرق، وهو في قلبهما، بل تسجيل هذه التجربة كمعاناة للانسان.
أن تجمع في النصوص هذا الكم من التفاعل الفكري مع السوسيولوجيا وتتقاطع مع شخصيته المركبة كمناضل، كاتب وصحافي، فكلها تنعكس في روح وقلب ورصده الأحداث. ويظل الأهم هو نقل الصورة والمشهد والمواقف النقدية والتساؤلات الفلسفية حول هذا الوجود والماورائيات.
النهاية، كمثل البداية، وبينهما تهيم البشرية بأسرها، وهو منها، كنقطة صغيرة في هذا الكون العظيم، لا تدرك مآلها. تعاني، ترفل بالنعيم وتتلظى بالجحيم، تتخبط في الأسئلة والبحث، تعاني تناقضات لا تنتهي. أي إدارة هذه التي تراقب كل فرد منا وهو يسير باتجاه الخطأ أو الخطيئة، دون أن تثنيه. تنتظر سقوطه كي تحاسبه وكأنها كانت تتربص به؟ البشر مخيَّرون أم مسيَّرون؟ ألم يكن من مجال لمنع وقوع الخطيئة والخطايا والكبائر أصلا؟.
تحتشد علامات الاستفهام، وتتفاقم المعضلة أمام العقل، الذي يتساءل كيف وما هو السبيل إلى الخلاص؟
