سياسة مجتمع

خطة ترامب: إنهاء القضية الفلسطينية وتكريس الهيمنة الإقليمية

زكي طه

بيروت 3 تشرين الاول 2025 ـ بيروت الحرية

السياق الإقليمي والسياسي للخطة

خطة دونالد ترامب لوقف الحرب ليست مجرد اقتراح محلي يخص غزة، بل هي مشروع إقليمي يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مستندًا إلى النتائج الكارثية على أوضاع بلدان المنطقة والقضية الفلسطينية التي تسببت بها الحرب الإسرائيلية المفتوحة، بدعم كامل من الولايات المتحدة سواء في عهد ترامب الأول أو بايدن. من المؤكد أن أهداف الخطة فرض شروط الرئيس الأميركي وشروط إسرائيل على الجميع، وغايتها وضع الفلسطينيين والعرب أمام خيار القبول بالإملاءات المفروضة، أو مواجهة المزيد من عمليات القتل والدمار.  ولذلك فإن  الخطة لا تعكس أي نية حقيقية لتحقيق سلام، بل تهدف إلى إعادة هندسة الوضع الإقليمي وفق مصالح تل أبيب وواشنطن، على النحو الذي يستجيب لأهداف الحرب كما أعلنها نتنياهو، والتي تتضمن الإطاحة بكامل الحقوق الفلسطينية وتطلعات شعوب المنطقة عبر اعادة تشكيل مجتمعاتها.

السلام بالإخضاع

تستند خطة ترامب إلى موازين القوى كما ظهرت في الحرب المستمرة. حيث تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إخضاع الفلسطينيين بذريعة وقف الحرب، وضمان السير بتعميم اتفاقات التطبيع والسلام “الإبراهيمية” وإضفاء طابع القبول الطوعي رسميا بهيمنة إسرائيل عليها من قبل حكام بلدان المنطقة وشعوبها ً. لأن ما يُطرح على حماس في غزة ليس اقتراحًا للتسوية، بل فرض شروط التسليم الكامل تحت طائلة التهديد باستمرار حرب التدمير والإبادة والتهجير لسكان غزة، وتحميلها المسؤولية عن النتائج، وهذا ما تؤكده المهل الزمنية المحدودة للرد، وتحميل الحركة مسؤولية أي فشل في وقف إطلاق النار.

وفي سياق تسويق الخطة وعرضها، لا يخفي الرئيس الأميركي دوافعه الشخصية التي تتمثل في سعيه لنيل جائزة نوبل للسلام، عبر استثمار الحرب الإسرائيلية على غزة لتحقيق إنجاز سياسي يُسوّق عالميًا، على اساس أن الخطة تهدف للسلام. لكنها في جوهرها تتطابق مع أهداف استراتيجية السيطرة الأميركية على المنطقة، وضمان أمن إسرائيل، دون أي اهتمام حقيقي بالحقوق الفلسطينية أو بإنهاء الاحتلال.

 إعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني

من الواضح أن الوثيقة التي قدمها ترامب، وفضلا عن  الغموض حول معظم تفاصيلها، لا تحدد آليات واضحة لتنفيذ وقف إطلاق النار. ولا تتضمن جدولاً زمنيًا لمراحل الانسحاب الإسرائيلي، مع إصرار نتنياهو على بقاء جيشه في غزة. علماً أن مسألة تسليم السلاح من قبل حماس، أو الاستسلام للحصول على العفو الأميركي ـ الإسرائيلي، تبقى تحديًا كبيرًا. هكذا كان الأمر في الاتفاق الذي لم يُنفذ مع لبنان. لأن إسرائيل لم تكتفِ برفض الانسحاب من المواقع المحتلة، بل تواصل حربها المفتوحة مستفيدة من سيطرتها الكاملة على الأجواء اللبنانيية، وعبر غاراتها التي تستهدف سائر المناطق، بالتوازي مع عمليات المطاردة والاغتيال اليومية، بذريعة عدم تسليم السلاح غير الشرعي، وغايتها فرض شروطها الاستسلامية مستفيدة من الضغط الدولي الذي تقوده الإدارة الأميركية على لبنان.

تتضمن الخطة اقتراحًا بتعيين مجلس إدارة دولي برئاسة ترامب وطوني بلير، في محاولة لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني من خلال تجاوز السلطة الوطنية وإضعاف أي تمثيل فلسطيني شرعي. ولذلك فإن هذه الخطوة تهدف إلى خلق إدارة فلسطينية تكنوقراطية تخضع للوصاية الدولية، كي يظل قطاع غزة محكومًا من الخارج، عبر إخضاع سكانه للشروط التي تتوافق مع المصالح الإسرائيلية، وإبقائه معزولًا عن الضفة الغربية من أجل قطع الطريق على حل الدولتين وتصعيد الحصار على السلطة الفلسطينية وإضعافها تمهيداً لإنهاء دورها.

 التعديلات والشروط الإسرائيلية

أثارت التعديلات  التي فرضها نتنياهو على الخطة واستجاب لها ترامب، استياء المسؤولين العرب. وشملت التعديلات ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حماس ومنح إسرائيل حق الاعتراض على كل مرحلة. والهدف هو ضمان بقاء الاحتلال في غزة بلا سقف زمني، تحت مسميات “أمنية” أو “مناطق خالية من الإرهاب”، ولذلك ضاعفت التعديلات مستويات الغموض التي تمكن إسرائيل من الامتناع عن تنفيذ أي من بنود الخطة.

ورغم موافقة إسرائيل وإعلان رئيس حكومتها الالتزام بشروط الخطة، إلا أن القوات الإسرائيلية ستحتفظ بمحيط غزة، مما يجعل الاحتلال مستمرًا إلى أمد غير محدود. وهو الترتيب الذي يضمن لاسرائيل القدرة على فرض سيطرتها واستمرارية عملياتها العسكرية، في ظل ادعاء حكومتها القبول بتسوية سلمية، وهو الأمر الذي يطعن بجدية الخطاب الأميركي حول السلام.

مسؤولية حماس

من الواضح أن الخطة تُلقي الكرة بالكامل في ملعب حماس، وتضعها أمام خيار التسليم الكامل، ما يعني تحميلها منفردة مسؤولية ما يتعرض له سكان قطاع غزة من المجازر البشرية وعمليات الإبادة قتلاً وجوعًا. ولذلك تسوق الإدارة الأميركية شروط الخطة لوقف إطلاق النار، على نحو يجعل من رفض حماس لها سببًا مباشرًا لاستمرار الحرب. ما يعني أنها تمكنت بالتسيق مع الحكومة الإسرائيلية من استغلال مأزق حماس الناتج عن التمادي في إدارة الظهر للوحدة الفلسطينية ومرجعية السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، وسط إصرار منها على التفاوض من موقع الانفراد بتمثيل قطاع غزة، على النحو الذي يُحمّلها قسطًا وازنًا من المسؤولية عن النكبة الكبرى التي حلت بقطاع غزة والقضية الفلسطينية في آن.

اعتراضات شكلية على الخطة

لم تتأخر الدول العربية والإسلامية التي تراهن على الدور الأميركي عن إعلان دعمها للخطة. وتعكس اعتراضات السعودية ومصر والأردن وتركيا، نوعًا من القلق بسبب التعديلات الإسرائيلية التي جعلت الخطة بعيدة عن تحقيق السلام، أو عن وضع حد للهيمنة الإسرائيلية. لكن الاعتراضات تبقى شكلية في مواجهة القرار الأميركي الذي يضع  تلك الدول أمام معادلات لا يمكنهم الخروج على أحكامها أو الإفلات منها.

والخطة ليست سوى إعادة إنتاج لصفقة القرن التي اعتمدها الرئيس ترامب لحل القضية الفلسطينية قبل خمس سنوات. والصيغة الجديدة للصفقة تستند إلى نتائج الحرب الإسرائيلية المستمرة على سائر الجبهات، بدعم مطلق من الإدارة الأميركية، وغايتها إقامة إسرائيل الكبرى وتكريس دورها قاعدة سيطرة وهيمنة على بلدان وشعوب المنطقة. ولذلك تتضمن الوثيقة رؤى سياسية واقتصادية بعيدة المنال، تتجاوز اتفاقات التطبيع، وشروط للسلام معها، وصولاً إلى إنشاء مناطق اقتصادية جديدة بمشاركة دول خليجية ومصرية، بما فيه  إعلان غزة منطقة تجارة حرة، في حين تبقى القضايا الجوهرية مثل الانسحاب العسكري الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية مؤجلة بلا سقف زمني. وما تتضمنه الخطة لغزة، مطروح أيضًا على إيران ولبنان وسوريا: الاستسلام أو مواجهة العزلة وتصعيد الحرب. والهدف الأميركي الإسرائيلي واحد: إعادة رسم توازن القوى الإقليمي لصالح تل أبيب، وتحجيم أي قدرة على المقاومة، أو الاستقلال السياسي في المنطقة. ولذلك تجددت الضغوط والعقوبات الدولية على إيران. كما تصاعدت الضغوط على لبنان بذريعة رفض حزب الله تسليم سلاحه، لكن الهدف استغلال الانقسام الأهلي لإجبار لبنان على التفاوض المباشر مع إسرائيل، والقبول بشروطها للسلام معها مقابل الانسحاب ووقف العدوان عليه. في وقت تواجه سوريا استمرار الاحتلال الإسرائيلي البري لمناطق ومواقع استراتيجية، والاستباحة الجوية والغارات التي تستهدف العديد من المواقع والمناطق، وغايتها فرض شروطها في المفاوضات الجارية مع الإدارة السورية الجديدة للوصول إلى اتفاق سلام يعطي إسرائيل مناطق نفوذ في جنوب سوريا وحق التدخل في شؤونها الداخلية برعاية أميركية.

السلام غطاء للاستسلام

يُقدم ترامب خطته كخيار وحيد لوقف الحرب. وما يُسوّق على أنه خطة سلام ليس إلا غطاءً لإدارة الاحتلال، وتحويل غزة إلى مختبر اقتصادي وأمني تحت الوصاية الدولية، بينما تستمر إسرائيل في توسيع وتعميم الاستيطان وتكريس التفوق العسكري والسياسي. وحقيقة الأمر أن الخطاب الأميركي يخفي مشروع إخضاع شامل، يضع الفلسطينيين أمام معادلة مستحيلة: القبول بالإلغاء أو مواجهة المزيد من المجازر والعزلة. هذا ما يؤكده الغموض حول معظم بنود الخطة التي لم تُحدد خطوط الانسحاب، وقد غابت عنها الجداول الزمنية، ولم تحدد هوية الدول المشاركة وصلاحياتها. و بينما تفتقد التنازلات الإسرائيلية للتحديد أو الوضوح، تبدو مكاسبها فورية وأولها الإفراج عن الأسرى.

في النهاية، تكشف الخطة قراءة أميركية إسرائيلية لموازين القوى تقوم على الهيمنة والتسلط، لا على العدالة أو السلام. والقبول بها يعني شرعنة الاحتلال وتشريع أبواب تصفية القضية الفلسطينية. وبينما تُباع هذه الوثيقة للدول العربية والإسلامية التي سارعت للموافقة عليها، بوصفها فرصة تاريخية لإنهاء الحرب، فإن الوقائع تثبت أنها وسيلة لفرض الهيمنة عليها طريقاً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة لصالح إسرائيل، تحت غطاء سلام زائف.