صحف وآراء مجتمع

توثيق الجحيم في سوريا: متحف للسجون يصنع الذاكرة الجماعية

*واصل حميدة

على مدى أكثر من عقد، مثلت السجون السورية أفظع تجسيد للانتهاكات بحق الإنسان، حيث شهد المعتقلون أبشع أشكال التعذيب الوحشي على يد نظام الأسد، إلى جانب التجويع المتعمد، والإخفاء القسري، وابتزاز الأهالي، والإعدامات الجماعية. هذه الممارسات تركت جراحاً عميقة في نسيج المجتمع السوري، وجعلت من السجون ليس مجرد أماكن للرقابة والعقاب؛ بل أيضاً سجلاً مؤلماً للذاكرة الجماعية، ومرتكزاً أساسياً لإرساء أسس العدالة الانتقالية المستقبلية.

توثيق معاناة المعتقلين

وفي خطوة تاريخية نحو توثيق معاناة المعتقلين والمفقودين السوريين، أطلقت مؤسسة متحف السجون أمس الاثنين 15 أيلول في المتحف الوطني في دمشق موقع “متحف سجون سوريا”، بحضور معتقلين سابقين وعائلات مفقودين.

يُعدّ هذا المتحف الافتراضي الأول من نوعه في تاريخ البلاد، ويهدف إلى تحويل الذاكرة الجماعية للسوريين حول السجون إلى سجل علني، يتيح للأجيال الحالية والمقبلة الاطلاع على تفاصيل الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلف الجدران المغلقة.

افتُتحت الفعالية بكلمة للمعتقل السابق رغيد الططري، أقدم السجناء السياسيين في سوريا، الذي استعاد ذكرياته داخل المعتقل، مؤكداً أن “المتحف ليس جداراً من صور فقط؛ بل مساحة للعدالة والاعتراف بمعاناة أجيال كاملة عاشت خلف القضبان”. من جانبها تحدثت الصحفية والناجية زينة شهلا عن تجربتها مع الاعتقال، قائلة إن “الذاكرة لا تكتمل إلا حين تصبح متاحة للعامة”، مشيرة إلى أن التوثيق الرقمي يجعل من حكايات النساء المعتقلات جزءاً لا يُمحى من التاريخ السوري.

زيارة افتراضية

المتحف يقدم تجربة لزواره بالدخول افتراضياً إلى الزنازين، وممرات سجن صيدنايا العسكري، الذي لطالما شكّل رمزاً للرعب، حيث أعاد فريق البحث بناء موقع الإعدامات بدقة عالية، بالاستناد إلى شهادات الناجين والأدلة الموثقة.

عمر خيطو، المدير والمؤسس المشارك للمتحف، أوضح لـ”المدن” الغاية من تحويل شهادات الألم إلى فضاء عام يمكن للجميع الاطلاع عليه والتعلم منه، حيث يرفض أن يبقى الحديث عن السجون محصوراً في ذاكرة ضيقة: “من أسوأ الأشياء التي قد تحصل بعد سقوط النظام، هي أن ننسى الضحايا الذين قضوا داخل هذه السجون”. بالنسبة إليه، تسجيل الذكرى ليس رفاهيةً؛ إنما عمل ضروري يواجه خطر التلاشي، ويجب أن يصاحبه فعلٌ تعليميّ وتوثيقيّ، يحفظ أسماء الضحايا، وأماكن اعتقالهم، وآخر مواقع ظهورهم.

المتحف، كما يشرح، يذهب أبعد من كونه معرضاً: هو “أداة تعليمية” مخصّصة للأجيال القادمة، لتبيان كيف عملت منظومة السجون، وكيف استطاع نظامٌ أن يمد سلطته على المجتمع زمناً طويلاً. خيطو لا يخشى مواجهة الأرقام أو الإحصاءات، لكنه يحذر من اختزال التجربة إلى إحصاءٍ جامد، مشدداً على أهمية رصد شواهد الناجين، وربطها بمواقع الاعتقال: “علينا أن نشتغل ونوثّق أسماء المعتقلين، وأماكن اعتقالهم الأخيرة، وننقّب عنها، ونخلّدها في متحف كهذا الذي نطلقه اليوم”. يضع خيطو المتحف في موقع وسيط بين ذاكرة الضحايا وفضاء المجتمع العام: فضاء يذكّر، يعلّم، ويوفّر مادة أولية لأيّة عملية عدالة مستقبلية. دعوته كانت واضحة ومباشرة: توثيق لا ينسى، وذاكرة لا تُغلق أمام الحقيقة.

تفكيك البنية الأمنية

خلال الافتتاح، قدم الباحث محسن المصطفى، من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، خلاصات بحث تناول “تفكيك البنية الأمنية” للنظام، وآليات إحالة المعتقلين إلى مسارات قضائية ومواقع احتجاز مختلفة.

يشرح المصطفى لـ المدن أن البحث الذي شارك في إعداده مع زميله الباحث ساشا العلو مقسومٌ  ثلاثة فصول رئيسة وخاتمة تتضمّن توصيات، موضحاً أنهما ركّزا أولاً على فكّ بنية الأجهزة الأمنية ودورها، ثم تتبع آليات الإحالة إلى محاكم ومسارات متنوّعة، من محاكم ميدان عسكرية إلى القضاء العسكري، وصولاً إلى الإحالة المباشرة إلى سجن صيدنايا أو العرض على الشرطة العسكرية. ويفسّر أن “التحويل لا يتم عشوائياً”؛ بل يخضع إلى مجموعة من المعايير.

يوجز الباحث خمسة معايير رئيسة تحدد مسارات الإحالة: “طبيعة الجهاز الأمني”، و”طبيعة التهمة”، و”الانتماء المذهبي”، و”الانتماء الجغرافي- المناطقي”، إلى جانب عوامل بنيوية داخل أجهزة القمع نفسها. ويشير المصطفى إلى ملاحظة مقلقة مفادها أن بعض الفئات الجغرافية والمذهبية، وُجّهت إلى مسارات أخطر — في إشارته إلى صيدنايا — بغضّ النظر عن مشاركة الأفراد الفعلية في الاحتجاجات.

خارج التحليل البنيوي، يحمل البحث مجموعة توصيات عملية: إنشاء هيئة وطنية للمفقودين، تأسيس آليات عدالة انتقالية، إصلاح الأجهزة الأمنية والقضاء. ويؤكد المصطفى أن هذه التوصيات ليست طموحات نظرية فحسب؛ بل خطوات لازمة لتفكيك منطق الإفلات من العقاب، وفتح مسارات للمساءلة القانونية.

وختم المصطفى حديثه بأن بحثه يقدم نفسه إلى جهات التحقيق والمخططين السياسيين بوصفه أداة معرفية؛ إذ إن فهم “قواعد اللعبة” داخل منظومة القمع يُعدّ شرطاً مسبقاً لأيّة عملية إصلاح حقيقية أو مساءلة مستقبلية.

من جانبه، قدّم الناجي من سجن صيدنايا دياب سرية ومدير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، صورةً قاسية لكن مرتّبة عن جدوى تحويل الذاكرة إلى مادة يمكن للكل الوصول إليها. المشروع، كما أوضح دياب لـ”المدن”، شمل توثيقاً رقميّاً ثلاثي الأبعاد لسجن صيدنايا، يسمح بالتجوال داخل غرف الاعتقال، أماكن الإدارة، غرف الإعدام، ومساحات أخرى لم تكن متاحة سوى في شهادات الناجين.

سرية يؤكّد أن هذا التحول النوعي “يعطي صورة كاملة عمّا كانت عليه الحياة في صيدنايا”، بدلاً من أن تظل الشهادات شفهية فقط: “اليوم ننتقل أكثر: الشهادات تكون على شكل فيديو وصور، وبإمكان أي شخص أن يتجول فيها”. ووفق قوله، ليس المغزى توثيق المعاناة فحسب؛ بل تهيئة مدخلٍ عملي لأي تحقيق أو محكمة مستقبلية: “أي قاضٍ أو أي محقق يمكنه أن يطلع على هذه التقنية، ويرى الأماكن التي كنا نتحدث عنها”.

تقديرات الرابطة التي يقودها سرية تشير إلى أرقامٍ كبيرة؛ إذ يقول إنَّ نحو “40 ألف إنسان دخلوا هذا المكان منذ 2011 وحتى 2021″، ويضيف أن عدد الناجين الذين خرجوا أحياء من بين هؤلاء قليل نسبياً لا يتعدى الـ 5 آلاف، وفقاً لعملهم الميداني. ينتهز سرية الفرصة للحديث عن الطموح الأعمق: تحويل سجن صيدنايا نفسه إلى متحف حقيقي محفوظ، كما فعلت دول أوروبا الشرقية مع مواقع الاعتقال السابقة، “كي لا يُنسى ما حصل، ولكي يكون درساً للأجيال”.

السجن مسرح للجريمة

يضع سرية المشروع في قلب نضالٍ مدني طويل، يسعى إلى منع تكرار التجربة: “نحن لا نريد أي سجن صيدنايا آخر… النظام أو أي سلطة جديدة مطالبة بالشفافية الكاملة في موضوع الاعتقال والسجون”. رسالته موجّهة بوضوح: توثيق، مساءلة، ومنع تكرار الانتهاكات من أجل سوريا أخرى تحترم حقوق الإنسان وكرامة مواطنيها.

يفتح متحف السجون السورية اليوم الباب أمام سؤال أساسي عن أهمية حماية السجون والمعتقلات السورية، فكل سجن من سجون الأسد يمثل مسرحاً للجريمة، ويحتفظ في تفاصيله بأدلة قد تقود إلى معرفة مصير المعتقلين، الذين ينتظر ذووهم إجابة منذ اللحظة الأولى لاعتقالهم وحتى يومنا هذا.

توثيق هذه المواقع وحمايتها، ليس مجرد واجب أخلاقي أو تاريخي؛ بل يشكل العمود الفقري لمسار العدالة الانتقالية في سوريا. فالأدلة الحية على سنوات الاستبداد والإجرام هي الضمان الوحيد لمساءلة المسؤولين وتحقيق العدالة، وتمكين السوريين من تجاوز إرث الدم والقهر، وإرساء أسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وبناء مستقبل يحترم حقوق الإنسان وكرامته.

*نشرت في المدن الالكترونية يوم الأربعاء 2025/09/17