سياسة مجتمع

قضية التغيير في لبنان: تحديات وحلول

د. بول طبر*

ما هو النظام الذي نريد تغييره؟ ما هي سماته البنيوية؟ ِوهل التناقضات التي يفرزها كفيلة بخلق الفرص لطرح ضرورة التغيير والسعي إليه؟

أولاً، النظام المقصود هو النظام الطائفي-الرأسمالي الذي وسم الكيان اللبناني منذ نشأته عام 1920، وتكرَّس بصيغته المستقلة عن الانتداب الفرنسي عام 1943.

آلية إعادة إنتاج هذا النظام محكمة ومتجذرة في السياسة والاقتصاد والعلاقات والقيم الاجتماعية لدرجة يصعب معها تشكل آلية أو ديناميكية مناقضة تكون قادرة على تغيير هذا النظام.

منذ القرن التاسع عشر، وخصوصاً مع دخولنا النصف الثاني له، سعت الكنيسة المارونية إلى جعل الهوية المارونية المذهبية الإطار الناظم للتحولات الاقتصادية والسياسية التي كان يختبرها جبل لبنان، والصوت المعبِّر عن المصالح الجديدة التي قادت تلك التحولات. وجاء نظام القائمقاميتين، ومن ثم نظام المتصرفية، ليكرِّسا هذا المسعى، ويضعا الأسس التي ينبغي العمل بموجبها شرطاً أساسياً للفعل السياسي المقبول والشرعي، من حيث المبدأ من قبل النظام القائم. وفي هذا السياق، ارتضت قوتان أساسيتان الهوية المارونية، لا بل استخدمتا العصبية الملازمة لها لتحقيق أهدافهما المختلفة والمتقاطعة. من جهة، أنجزت فرنسا هدفاً مزدوجاً: نسفت نمط الإنتاج المقاطعجي، وأحلت مكانه ما يكفي من سمات النمط الرأسمالي الوافد لتأمين مصالحها الرأسمالية الساعية للسيطرة على اقتصاد جبل لبنان، وبسطت أيضاً نفوذها السياسي في هذا الجزء من السلطنة العثمانية المتهالكة. ومن جهة ثانية، قامت ثورة الفلاحين بقيادة طانيوس شاهين ضد نظام المقاطعجية ولم تعترض تلك الثورة، بل أنها رضخت في نهاية المطاف تحت سقف الدور العام الذي قامت به الكنيسة المارونية، أكان لجهة وقوفها مع إنهاء النظام الاقتصادي للمقاطعجيين، أو لجهة التعويض لهم عن طريق منحهم الحق في المشاركة في التمثيل السياسي للطائفة المارونية في نظام المتصرفية.

ومع نشوء لبنان الكبير، واجه النظام الطائفي تحديات عديدة، ولكن لم تستطع جميعها أن تطيح به. وكانت أولى هذه التحديات ذات طابع قومي باءت جميعها بالفشل لأسباب مختلفة. تضمنت هذه التحديات ظاهرة الحزب القومي السوري، وكان إعدام قائد ومؤسس هذا الحزب، الزعيم أنطون سعادة، فصلا مأساويا في مسيرة هذا الحزب القومي في لبنان وسائر الأوطان التي تتألف منها سوريا الكبرى. من ثَمَّ جاء تحدي القومية العربية بتعبيراتها الناصرية والبعثية والفلسطينية (منظمة التحرير الفلسطينية لغاية خروجها القسري من لبنان عام 1982). وانتهى هذا التحدي بانحلال الناصرية وإعدام قائد دولة البعث في العراق وهروب قائد حزب البعث في سوريا إلى المنفى في دولة روسيا. أما منظمة التحرير، فقد تم طردها من لبنان على يد قوات الجيش الإسرائيلي المحتل، واستكمل النظام البعثي في سوريا عملية طردها من باقي الأراضي اللبنانية.

وقبل الإمساك بقوى المعارِضة للمارونية السياسية عشية اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، من قبل منظمة التحرير في البداية، ومن ثمَّ نظام البعث في سوريا، ظهر في لبنان محاولتان إصلاحيتان، الأولى من فوق والثانية من تحت. أي من أحشاء المجتمع والتناقضات التي كان يفرزها. أما فيما يتعلق بالمحاولة الأولى، فقد تمثلت بالشهابية التي سعت إلى بناء دولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية، إلا أنه تم إفشالها أساساً على يد المارونية السياسية التي تمثلت آنذاك بالحلف الثلاثي (المؤلف من بيار الجميل وكميل شمعون وريمون إده). وبالنسبة إلى المحاولة القاعدية الثانية، فقد تجسدت بالأحزاب التي انضوت تحت راية الحركة الوطنية اللبنانية وتحديها للنظام الطائفي في لبنان، هذا التحدي الذي استمر لعقد من الزمن (1966-1975) تم خلاله التعبير عنه أولاً، بسلسلة التظاهرات الشعبية والعابرة للطوائف، والمعارك النقابية والطلابية خلال النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي والنصف الأول من عقد السبعينيات. وثانياً، عبر برنامج الإصلاح السياسي الذي أعلنت عنه القوى السياسية التي انضوت لاحقاً تحت لواء الحركة الوطنية اللبنانية. وبعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، وفي ذكرى استشهاد القائد جورج حاوي، أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، في السابع من آب عام 2005، وجه الأمين العام التنفيذي للحركة الوطنية اللبنانية، السيد محسن ابراهيم، وأمين عام منظمة العمل الشيوعي، التي أصبحت تعرف الآن بمنظمة العمل اليساري الديموقراطي العلماني، وجه نقداً ذاتياً للحركة الوطنية مصرحاً بما يلي:

” وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول، فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية وعلى البلد في آن.

الخطأ الأول: إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقةً وعدالةً وإنصافاً.

والخطأ الثاني: إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديمقراطي. فكان ما كان – تحت وطأة هذين الخطأين – من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام.” (ص. 91، في “أوراق يسارية، نصوص حزبية لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، منشورات بيروت المساء، شباط، 2016). بكلام أوضح ومباشر، “تحت وطأة هذين الخطأين”، فقد اليسار بيئته الاجتماعية وأصبح ملحقاً بالقوى الطائفية السائدة، أو خارج المشهد السياسي المعارض الذي كان صوته الأبرز.

وكان آخر تحدٍ للنظام الرأسمالي الطائفي قد تجسد بانتفاضة 17 تشرين عام 2019. وتميّز هذا التحدي عما سبقه من تحديات بأنه انطلق مباشرة من معاناة الناس ووجعهم، ومن خارج جميع التكوينات السياسية السائدة، أكانت طائفية منبثة في ثنايا المجتمع اللبناني، أو يسارية ملحقة بالقوى الطائفية أو منكفئة، كما كانت حال منظمة العمل الشيوعي منذ منتصف الثمانينيات، والتي قررت أن تعود للانخراط في العمل السياسي الوطني المستقل قبيل انتفاضة 17 تشرين، بعد تغيير اسمها على أثر ورشة المراجعة النقدية الفكرية والسياسية لتجربتها على الساحة السياسية اللبنانية. أما الميزة الأخرى لتلك الانتفاضة، فكان عدم تمكنها، لا بل رفضها لتجاوز الطبيعة القاعدية لحراكها الشعبي وتأطرها سياسياً وفق رؤية برنامجية موحدة. وعليه بقي الحراك مشرذماً، لا بل كان أغلبية المشاركين فيه يفتخر بكونه من دون قيادة جبهوية، وذلك انسجاماً مع سيادة منظور المنظمات غير الحكومية (إن جي أوز) في التعاطي مع قضايا التغيير السياسي. وقد تم تعزيز هذا التوجه، لا سيما في أوساط الجيل الشاب من اللبنانيين، على خلفية تنصل اليسار في لبنان وتخلفه عن واجب نقد تجربته في المجتمع اللبناني، وإعادة تحديده وتجديده لهويته الفكرية والسياسية.

هكذا تراجعت انتفاضة 17 تشرين، وتم التغلب على الطاقة التغييرية التي جسدتها، ولم تتمكن من تحويل هذه الطاقة إلى قوة سياسية منظمة صاحبة برنامج إصلاحي موحَّد.

وفي ضوء جميع هذه المحاولات لتغيير النظام السياسي في لبنان، يبقى القاسم المشترك فيما بينها جميعاً، ليس فقط قدرة النظام على البقاء والاستمرار وتكريس المبادئ والأعراف التي يستند إليها، وإنما أيضاً قدرته على الإدراج المتنامي للقوى السياسية الإسلامية ضمن منطق النظام السياسي الرأسمالي-الطائفي، وتعميم الأصول الطائفية أساساً لانتظامها وسلوكها السياسي العام. ومن هنا، بدأ الكلام عن مختلف “الطائفيات السياسية” أكان في صفوف الموالاة أو المعارضة السياسية في لبنان، وتراجع نفوذ القوى السياسية الوطنية والقومية واليسارية والايديولوجيات المعبرة عنها.

ودعونا نقول بوضوح، عندما تتحكم العلاقات الأهلية (أي ما دون العلاقات الوطنية) من طائفية ومناطقية وقبلية وعشائرية وعائلية، مع ما تولده من عصبيات وإلْتحام وغَلبة واسْتتْباع وزبائنية، ندخل في حلقة مفرغة بالنسبة إلى النظام القائم لا تؤدي إلا إلى إعادة انتاج النظام السياسي الأهلي. وعليه تنحصر المعارضة ومطالبها في إطار الفعل السياسي الذي يسعى إلى الغلبة، وفي أفضل الظروف إلى التوافق الرجراج والمؤقت بطبيعته بين القوى الأهلية السياسية السائدة، (بالطبع هذا لا يعني إغفال دور القوى الإقليمية والدولية في عملية إعادة إنتاج النظام في لبنان، وعلى رأسها دور الكيان الصهيوني وسوريا الأسد وايران وغيرها من البلدان العربية والقريبة وإن اختلفت الأدوار، أكان من مدخل السلطة أو القوى المعارضة لها).

والمهم في هذا السياق، الكشف أيضاً عن تداعيات النزاعات الأهلية على البنية الاقتصادية وتأثيرات هذه البنية بدورها على تكريس النظام والسلوك السياسي الأهلي في لبنان لعدم خلق الشروط الاقتصادية التي قد تشكل القاعدة الاقتصادية لإطلاق نضالات عابرة ومهمشة للعلاقات والقيم الأهلية.

وإذا صح توصيف النظام السياسي في لبنان بأنه نظام حرب أهلية، تارة باردة وطوراً ساخنة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الأصول الغربية الوافدة للرأسمالية اللبنانية وتكوينها التابع والملبِّي أساساً لمتطلبات الرأسمال الفرنسي والبريطاني، فلا عجب أن يطغى على بنية هذا الاقتصاد رأسماليةُ تعتمد أساساً على التجارة والمصارف والرأسمال المالي، وأن يكون القطاع المنتج قطاعاً هامشياً ومتراجعاً على الدوام، وأن يكون العنصر البشري من أهم صادرات لبنان المجانية إلى سوق العمل في الخارج، إضافة إلى الاستبدال المتنامي للعامل اللبناني بالعامل الأجنبي (بالمناسبة، في تقديري أن الهجرة من وإلى لبنان والسردية الملازمة لها تشكل عنصراً أساسياً في إعادة انتاج النظام الطائفي-الرأسمالي في لبنان). هذه الوقائع الاقتصادية كفيلة أيضاً بعدم توفير، لا البنية الطبقية المستدامة والصلبة، ولا القوى الاجتماعية التي تفرزها هذه البنية صاحبة المصلحة في تغيير النظام السياسي في لبنان.

في الخلاصة، سوف أعين باختصار الشروط المطلوبة لإطلاق مسار التغيير في لبنان، تاركاً التفصيل في هذا الموضوع للفترة المخصصة للنقاش.

المطلوب أولاً وأساساً إعادة ترميم الدولة وتشغيل مؤسساتها المعطلة، كمدخل أساسي وتأسيسي لأي عمل سياسي وطني عابر للعلاقات والولاءات الأهلية.

ثانياً، النضال لبناء اقتصاد وطني منتج  ومتنوع وتنافسي داخل الحدود اللبنانية وخارجها. ومع تحقيق هذين المطلبين وبالتزامن مع هذا المسار، العمل ثالثاً لإحياء النضال المطلبي والنقابي الذي يشكل البنية التحتية لبروز الأحزاب السياسية التي تساهم في خضم نضالها السياسي في صناعة الهوية الوطنية للمجتمع اللبناني الذي لا يزال أسيراً للعلاقات الأهلية وعصبياتها.

رابعاً وأخيراً، إعادة تنسيب الأحزاب الوطنية واليسارية لنبض الناس وقضاياهم الفعلية. فقد حان الوقت لفك الارتهان بالأحزاب الطائفية والاستثمار في التحالفات مع الخارج ضد الخصوم في الداخل واعتبار ذلك رافعة لتحقيق التغيير المطلوب.

*  مداخلة الدكتور بول طبر  حول  “التغيير في لبنان : تحديات وحلول”، في الندوة التي نظمها فرع الحزب السوري القومي الاجتماعي  في مكتبة رعية “زغرتا” مساء يوم الجمعة  الواقع فيه 12 أيلول 2025.