دور اليسار أمام تحديات بناء الدولة ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي
نلتقي اليوم والقضية ليست عنوانًا سياسيًا يوميًا أو مناسبة للتأمل النظري، بل هي سؤال وطني جوهري بامتياز، يقع في صميم الأزمة اللبنانية المستمرة منذ عقود طويلة. وهي أزمة كيان سياسي يُفترض أن يجسد سيادة الدولة ومصالح وحقوق مواطنيها.
ومسارها ليس طارئًا أو عابرًا، بقدر ما هو انتقال معقد مثقل بالرهانات والانكسارات والتجارب المريرة. وهي أيضًا مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي القائم، والعدوان المستمر منذ عقود. وفي ركاب ذلك مسلسل لا ينتهي من الخسائر والدمار والتهجير، يقابله سيل من التضحيات وبطولات المناضلين والمعتقلين والمفقودين والأسرى والشهداء وأهلهم.
أسئلة اليسار ودوره اليوم
نلتقي ونتائج ما كان، تضع اللبنانيين واليساريين أمام الأسئلة الصعبة: أين هو اليسار؟ وما هو دوره في هذه المحطة التاريخية الحاشدة بالقضايا الكبرى؟
هل نقارب التحديات من بوابة البحث في وضع اليسار، وأي يسار نقصد؟ هل هو اليسار الذي كانت شوارعه حاشدة، وقد سطر صفحات مجيدة في تاريخ البلد. أو اليسار المأزوم المقيم في الهامش يواكب التحديات قائمة في كل اتجاه وعلى كل صعيد؟
أزمة الدولة والنظام الطائفي
أم نقاربها من بوابات البلد المشرعة، على كم هائل من القضايا والأزمات والأسئلة الوجودية، التي تبدأ بالدولة التي نبحث عنها فلا نجدها. نطالب ببنائها ونحن ندرك أن أحزاب الطوائف لا مصلحة لها في عودتها، كي تستمر في تبرير وجودها وأدوارها. وهي التي تتقاسم مؤسساتها وغنائمها، عبر آليات نظام المحاصصة والنهب، الذي قبلنا به، في لحظةٍ قاهرة، بديلاً عن استمرار الحرب الأهلية العبثية؟
وندرك أيضًا خلافًا لاعتقاد البعض أنّ الخارج لن يبنيها نيابة عنا؟ وهو الذي يوهمنا أنه يضغط على قوى السلطة كي تتخلى عن فسادها، وتصلح الأحوال، ومصلحته بقاء البلد رهينة الانقسام والضعف كي يظل متحكمًا به؟
الاحتلال والسلاح
أم نقارب القضية من مدخل الاحتلال الإسرائيلي ومن بوابة السلاح، فنغرق في جدالات عقيمة حول نزعه أو تسليمه، وكأننا نحن من يملك مفتاح القرار. أو نستمرّ أسرى الانقسام بين من يراهن على استمرار المقاومة، ويرفع رايتها دون أن نعثر عليها، ومن يُبشّرنا بنهاية حزبها نظرًا لخسائره الفادحة، وانسداد قنوات تمويله وتسليحه الإيرانية؟
والأجدر بنا أن نرى الصورة على نحو أدق وأوسع، لأن وجود أحزاب الطوائف وأدوارها ومقاوماتها، هي بعض إشكاليات البلد الأكثر تعقيدًا، لأنها موصولة بالانقسامات الأهلية الموروثة والمتجددة، حول هوية لبنان الكيان، وحول موقعه وعلاقاته مع قضايا محيطه وأزماته.
والأهم أن تُقارب معضلة السلاح بالعلاقة مع المصلحة الوطنية. لأن المتبقي منه، معطّل، وعاجز عن رد العدوان ومواجهة العدو. ولا يصلح لتجديد مقاومة ضد الاحتلال. والسبب طبيعة دوره ووظيفته التي تبدلت عندما تحوّل من سلاح مقاومة أنجزت التحرير عام 2000 دون قيد أو شرط، إلى أداة هيمنة في الداخل وقوة تدخل في الخارج.
وخطورة المطالبة بنزع السلاح بالقوة، توازي رفض تسليمه طوعًا، وكلاهما يمكّن إسرائيل من استغلاله لتغطية احتلالها وتبرير عدوانها، ولتصعيد شروط الانسحاب. فيما لبنان عاجز عن بلورة خيار وطني جامع في مواجهة الاحتلال.
استعادة دور اليسار ـ الخطوات الممكنة
وكي لا نبقى أسرى هذه الحلقة المقفلة، نعود للسؤال: كيف لليسار أن يستعيد موقعه ودوره؟
هل يفيده تكرار تجارب الماضي واستنساخ برامجها وشعاراتها التي كان لها سياقها ومعطياتها وطروحاتها الفكرية؟ وهل يفيده تجاهل نتائجها التي لم تحكم لمصلحة صوابها جوابًا على ما كان من أزمات وإشكاليات، عدا أنها قادت قواه إلى ما هي عليه الآن؟
ـ تجديد قراءة الواقع
أعتقد أن الخطوة الأولى، في مسيرة البحث عن دور اليسار، تبدأ بتجديد قراءة الواقع اللبناني الراهن بكل تعقيداته السياسية، عطفًا على الانهيار الاقتصادي والمالي، وتصدعات البنية المجتمعية وانقساماتها العمودية المتجذرة، ومعها المضاعفات التدميرية للحرب التي فُرضت عليه والاحتلال القائم، وصولًا إلى استحقاقات البلد الوطنية، المتشابكة مع القضية الفلسطينية والمسألة السورية، في ظل واقع وأحكام السيطرة الأميركية على المنطقة.
ـ ترصيد حسابات قوى اليسار
في السياق عينه تتمثل الخطوة الثانية، بترصيد حسابات قوى اليسار الآن، لتبيان ما تبقى لديها، من مواقع ونقاط ارتكاز مجتمعية يمكن البناء عليها، ومن قوى حية قادرة على المبادرة والفعل، بعيدًا عن ترسيمات الماضي، أو الحنين لزمنٍ لن يعود.
ـ دور اليساريين في الحياة السياسية
وفي ميدان الخطوة الثالثة، تقع مشروعية السؤال لليساريين، المنضوين في أطر حزبية، والمقيمين خارجها بصرف النظر عن وجاهة أسبابهم من عدمها:
ماذا أنتم فاعلون في ميادين الحياة السياسية الوطنية حيال قضايا التغيير والحريات الديمقراطية؟
أين هي الحركة الديمقراطية بكل منابتها الفكرية والسياسية، اليسارية والليبرالية المستقلة، التي لا تراهن على تلك الأحزاب ولا ترتهن لسلطتها؟
ألا يشكل وجود هذه الحركة حاجة وطنية، لتمكين اللبنانيين من الخروج على آليات الانقسام الأهلي، وتجاوزها على طريق تعريف الهوية الوطنية الجامعة، التي تبدد الالتباسات الطائفية، وتتعامل مع الهواجس القائمة والمشروعة لدى سائر مكونات الاجتماع اللبناني الموروثة، مدخلاً لمحاصرتها، ولتبديد ما يلازمها من خوف وإنكار وتخوين متبادل؟
ـ اليسار كموقع اجتماعي
والخطوة الرابعة، في البحث، يظللها سؤال: أليس اليسار موقعًا اجتماعيًا قبل أن يكون نظريات وشعارات؟ أين نعثر على هذا الموقع الآن؟ وماذا يفعل اليساريون في بلداتهم وقراهم ومدنهم وأحيائهم وقطاعات عملهم؟ وهم المعنيون بتجديد انتسابهم إلى موقعهم وإعادة بنائه. ألا يجدر بهم أن يستحضروا قضايا الفئات الاجتماعية وحقوقها ومطالبها المناطقية والمهنية، باعتبارها أدوات عمل ومبررات وجود اليسار؟ أليس من مادتها وقواها تتشكل الحركة الشعبية المناضلة التي تعطي اليسار وزنًا، وتبقيه فاعلاً في الحياة السياسية الوطنية؟
غياب الحركة النقابية والشعبية
ليس جديدًا القول إن الحقوق والمطالب تحققها نضالات أصحابها، وهم المعنيون أولاً بإعادة الاعتبار للدولة والانخراط في مسيرة بنائها. لأن تسلط أحزاب الطوائف على إرادة الناس وحقوقها ليس قدرًا، بل نتيجة لخلو ساحات وشوارع أصحاب الحقوق من المدافعين عنها، والتسليم بالأمر الواقع.
ولذلك يتكرر السؤال لقوى اليسار: أين هي الآن من قضايا الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي وحقوق العمال والضمان وأزمة السكن والبطالة والبيئة وسواها كثير يصعب إحصاؤه، وفيه حقوق النازحين والمتضررين وإعادة الإعمار؟
ويضاف: أين هم أهل القضايا وساحاتهم وشوارعهم خاوية خلافًا لما كان قبل الحرب الأهلية؟ أين هي أدواتهم النقابية التي لم تخضع لميليشيات الحرب الأهلية، والوصاية السورية، ورفضت الانقسام، ونظمت أهم مبادرة مجتمعية لوقف تلك الحرب؟ لماذا غابت عن ساحات انتفاضة تشرين 2019، وأين هي الآن من مسيرة بناء الدولة؟ وكيف تحولت هياكل وعناوين تستخدم للانتفاع وتغطية موبقات أهل السلطة وفسادهم السياسي؟
من المؤكد أن غياب حركة المعارضة الديمقراطية المستقلة والحركة الشعبية والحركة النقابية يشكل عاملاً أساسيًا في تمكين أحزاب الطوائف من تعطيل وعرقلة مسيرة إعادة بناء الدولة. وغيابها أيضًا سبب رئيسي لهامشية اليسار وحصر حضور قواه وناشطيه في مواسم الانتخابات، وتغطية أزماتهم بإحياء مناسبات ومحطات باتت من التاريخ، وسط عجز مستدام عن صناعة ما يماثلها الآن.
التحديات الإقليمية والدولية
نبحث عن دور اليسار وبلدان المنطقة ومجتمعاتها ومصائرها تعصف بها رياح السيطرة الأميركية والحرب الإسرائيلية المفتوحة، وكياناتها ارتدت إلى ما قبل التأسيس ومنها لبنان. وما يعزز المخاطر الزاحفة عليه قائم في التدخلات الإقليمية والدولية التي ساهمت في تفكك بنياته المجتمعية، وتزخيم انقساماته الأهلية العمودية، وتعميق الانهيار الاقتصادي والمالي فيه، وإليها تضاف مفاعيل ونتائج الحرب الإسرائيلية عليه، والاحتلال الذي نخضع له الآن.
ازدواجية أولويات الطوائف
نواجه اليوم كيساريين ومعنا كل اللبنانيين، تحدي بناء الدولة، ومواجهة الاحتلال في آن. وكلاهما أولوية وطنية، لا مكان لها في جداول أعمال قوى الطوائف التي تتقاسم مهام الدولة وسلطتها. سواء من يسعى لتعزيز مواقعه كما هو حال القوات اللبنانية التي تدعي الانتصار، أو خصمها وشريكها في السلطة حزب الله، الذي يدعي بدوره انتصارًا من موقع آخر، فيما هو يبحث عن ضمانات لموقعه في السلطة.
وكلاهما ومن يحالفهما لا يكتفون بتبادل اتهامات التخوين والتعطيل، ويتوزعون الاستقواء والرهان على الخارج الأميركي والإيراني. الأمر الذي يساهم في تكبيل الحكومة والعهد، ويهدد فرصة بناء الدولة واستعادة السيادة الوطنية. كما يهدد بإطالة أمد الاحتلال وتصعيد شروطه لإخضاع البلد وفرض التطبيع، عبر استغلال انقسامات الداخل، وبقوة الضغوط الدولية والإقليمية التي تقودها الإدارة الأميركية لتحقيق مصالحها وضمان الأمن لإسرائيل.
دروس التجارب السابقة
إن الوجه الأول لأهمية البحث في الدور التاريخي لليسار، تكمن في قدرته على استشراف دوره، وعلى الجمع بين مهام استعادة حضور القضية الوطنية، بالتوازي مع تحديات بناء الدولة، عبر مسار يعطي للدولة والسيادة بُعدهما الوطني الجامع، انطلاقًا من الأهداف النبيلة التي يلتزمها.
ووجهه الآخر الاستفادة مما علمتنا إياه التجارب خارج إطار الدولة:
بدءً من تجربة التغيير من مواقع الانقسام الأهلي والاستقواء بالخارج، التي لم تنه هيمنة طائفية، بقدر ما سهّلت ولادة مشاريع رديفة لها، ساهمت في تعطيل وتفكيك ومنع عودة الدولة.
إلى تجربة المقاومة الوطنية من المواقع عينها، لأنها ورغم بطولات مناضليها وإنجازاتها الكبرى في ميدان التحرير فشلت في توحيد البلد ضد الاحتلال. وكان سهلاً على أحزاب الطوائف أن تصادر دورها وتهمش قواها، قبل أن تتحول إلى ذكرى نحتفل بها.
وصولاً إلى المقاومة الإسلامية، التي وبقوة تضحياتها أنجزت التحرير المجيد، لكنها رهنته ووظفته في الصراع على السلطة والنفوذ، ولصالح مرجعيتها الإقليمية. فطار التحرير وعاد الاحتلال مدججًا بشروط الاستسلام.
المسؤولية التاريخية لليسار
إن الإقرار بالهزيمة وبواقع الاحتلال القائم لا يعني القبول بهما وبما يترتب عنهما، بقدر ما يعني إطلاق البحث في سبيل استعادة القضية الوطنية، ومقومات السيادة على نحو تراكمي ومتدرج بالتوازي مع مسيرة بناء الدولة. لسنا أمام حلول سحرية تحقق ما نصبو إليه في لحظة من الزمن، بقدر ما نحن محكومون لمسار طويل المدى معقد ومتعرج. وهنا تكمن مبررات وجود اليسار ومسؤوليته التاريخية.
ختاماً: الدعوة إلى الحوار وتجديد النضال
في الختام غاية الندوة فتح النقاش على مصراعيه بلا محرمات، وتحقيق أوسع مشاركة في هذا الحوار الديمقراطي التاريخي ولو متأخرًا، بعيدًا عن الترسيمات المعلبة والشعارات المبدئية، أخذًا بنظر الاعتبار أن القضايا كانت وستبقى مفتوحة والبحث فيها مشاع. والهدف تحديث وتفعيل دور اليسار وتجديد شباب بنيته الهرمة.
أخيراً وباسم المنظمة اليسارية الديمقراطية التي أنتمي لها، أؤكد أن أبوابنا مشرعة للحوار دون قيد أو شرط، ولذلك أتوجه بدعوةٍ حارة لكل اليساريين، أحزابًا ومجموعات وناشطين، إلى المشاركة في تنظيم ورش نقاش مفتوحة حول قضايا البلد واليسار وإطلاق مبادرات العمل المشترك، والاحتكام إلى الموضوعية في تقييم النتائج وعدم التخلي عن النقد والنقد الذاتي لضمان التقدم وتجاوز الأخطاء.
وبديل ذلك هو اجترار ما نحن فيه من مواقعنا الهامشية، وانتظار حلول لن تأتي من أحزاب الطوائف ولا من الخارج، وكلاهما لن يسهّل مهمات اليسار ولن يجعل الطريق أمامه مفروشة بالورود.
إن الطريق الوحيد الذي يتوجب علينا سلوكه كي نبني دولة القانون والعدالة الاجتماعية ونستعيد سيادة وطن، هي مسيرة تجديد النضال التي تظللها رايات المواطنة والديمقراطية.
بيروت 18 أيلول 2025 ـ بيروت الحرية
