سياسة

متى تنتهي حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني؟

زكـي طـه

بيروت 20 تشرين الثاني 2023 ـ بيروت الحرية

جرائم ضد الانسانية، تطهير عرقي، إبادة بشرية، مذابح ومقابر جماعية.. نكبة فلسطينية جديدة .. كلمات لم تعد تكفي لوصف ما ينفذه جيش الاحتلال الاسرائيلي  في قطاع غزة ضد الشعب الفلسطيني. إنها الحرب الاسرائيلية المفتوحة التي تقودها الولايات المتحدة الاميركية تحت انظار العالم منذ خمس واربعين يوماً.. الحرب التي لم يشهد العالم مثيلاً لها من حيث كمية وحجم عمليات القتل التي تنفذ بحق الاطفال والنساء والشيوخ، ودفنهم احياء تحت ركام المنازل والمدارس المدمرة التي لجأوا إليها، وصولاً إلى اقتحام المستشفيات، ومنع معالجة الجرحى والمصابين وإخلائهم بالقوة، وتعطيل أجهزة التنفس عنهم وعن الاطفال حديثي الولادة، انتهاء بخطف جثث الضحايا الذين قتلوا بكل أنواع الأسلحة.

صحيح أن الولايات المتحدة لا تزال ترفض تبني أي قرار يطالب أسرائيل بوقف اطلاق النار. وأنها أجازت تمرير قرار مجلس الأمن الذي نص على تنظيم “هدن” انسانية تسمح بدخول المساعدات الضرورية إلى قطاع غزة. لكن الصحيح أيضاً أن هذا القرار غير قابل للتنفيذ، لأنه لا يتضمن آلية تلزم اسرائيل القبول به، لأنها ترفض الموافقة على أي هدنة أو وقف مؤقت لاطلاق النار قبل تحقيق اهداف حربها المستمرة. وكلا الأمرين شكلا خلفية أداء الإدارة الاميركية لتغطية الحرب التي حددت أهدافها ووجهتها النهائية بالتنسيق مع القيادة الاسرائيلية، على قاعدة التزام خوضها معها، نظراَ لموقع دولة اسرائيل في اطار المصالح والسياسات الأميركية في المنطقة، ومعها سائر الدول الاوروبية الداعمة لها، والحريصة على تكريس وتعزيز دورها. ولذلك لم يكن غريباً أن يعلن الرئيس الاميركي بعد أربعين يوماً على بدء الحرب، بأن “احداً ليس باستطاعته معرفة متى تنتهي، وهي لن تنتهي قبل أن تحقق أهدافها”.

من الواضح أن تغطية الولايات المتحدة للحرب، تتضمن إجازة وتبرير كل ما يرتكب في إطارها من مجازر وعمليات إبادة وتدمير وتهجير، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية المحاصرة. ومعها تأمين ضمانات استمرارها والاشراف على مساراتها على جميع الصعد، بما فيه ابقاء الازمة الداخلية في اسرائيل تحت السيطرة، والحد من مضاعفاتها السلبية على أوضاعها، والحؤول دون انفجارها راهناً. يضاف إلى ذلك العمل بدأب على ضبط الوضع العربي تحت سقف انتظار نهاية الحرب، ومعرفة نتائجها لتحديد وجهة التعامل معها فلسطينياً وإقليمياً.

وفي السياق تتابع الادارة الاميركية الاهتمام بالوضعين الإقليمي والدولي، من أجل ضمان استمرار قدرتها على التحكم بمسارات الحرب وفق الوجهة التي تخدم مصالحها وتمكنها من جني فوائد سياساتها في المنطقة خلال العقود الأخيرة، في اطار استراتيجية إخضاع المنطقة والسيطرة على مقدراتها والتحكم بأوضاعها. وتوظيف نتائج المواجهة معها على روافع طائفية ومذهبية بقيادة كل من إيران وتركيا، التي ساهمت في تفكيك وتدمير أكثرية دول ومجتمعات بلدان المنطقة وتحويلها كيانات قيد الدرس.

وبالتزامن مع حملة التضليل الاعلامي حول ضغوط تمارسها الإدارة الاميركية على اسرائيل من أجل وقف اطلاق النار، وإعلان لا اساس له عن هدنة انسانية لاربع ساعات!، انعقدت القمة العربية الاسلامية في الرياض، تميزت قراراتها بالانضباط تحت سقف الإدانة والاستنكار لما تنفذه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني على ارضه. واقتصرت على مطالبة الإدارة الاميركية العمل على وقف اطلاق النار وتسهيل إدخال المساعدات إلى قطاع غزة بشكل عام.

ورغم المزايدات اللفظية لبعض رؤساء الوفود، صدرت القرارات بالاجماع، وكررت التزام مبادرة السلام العربية وحل الدولتين والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. ما يعني تأكيد حالة العجز العربي وانعدام القدرة على المواجهة، أو المبادرة إلى ممارسة الحد الادنى من الضغط الممكن لوقف الحرب بما فيه وقف مسار التطبيع، أو المساعدة على انهاء الانقسام الفلسطيني، ودعم السلطة ومنظمة التحرير. أما لجنة المتابعة فقد ارتأت الذهاب إلى الصين طلباً للدعم. في المقابل يستمر تحكم اسرائيل بإدخال المساعدات إلى القطاع، على وقع  الرعاية الاميركية لادوار الوساطة القطرية والمصرية بين حماس والقيادة الاسرائيلية بشأن اطلاق الاسرى والمعتقلين.

وبينما اكتفى النظام التركي بالضجيج الاعلامي، تميّز أداء النظام الايراني منذ اندلاع الحرب، بتكرار قادته حرصهم على عدم توسع الحرب الدائرة في المنطقة، وإحالة مسؤولية “مساندة المقاومة الفلسطينية في غزة” على ميليشيات محور الممانعة التي تختزل دولها ومجتمعاتها وتتلاعب بأوضاعها ومصائرها، كما هو الحال في العراق واليمن وسوريا وصولاً إلى لبنان. وفي موازاة انتظار نتائج الحرب، يتابع المسؤولون الايرانيون التواصل مع الجهات المعنية لاستكشاف ما هو ممكن ومتاح من تفاهمات واتفاقات مع اميركا تضمن مصالح نظامهم. ولذلك وفي اطار استدراج العروض، كان التحفظ الايراني المتأخر على قرارات القمة العربية الاسلامية بشأن مبادرة السلام العربية وحل الدولتين وشرعية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني. ما يبرر طرح السؤال، هل فات القيادة الايرانية وملحقاتها أن  تحفظها يعزز الانقسام الفلسطيني، ولا يتعارض مع السياسات الاسرائيلية التي تستهدف شطب حل الدولتين والاجهاز على منظمة التحرير وسائر القوى وحقوق الشعب الفلسطيني، تمهيداُ لاخضاع سائر دول ومجتمعات المنطقة تحت سقف  دورها الاستعماري في اطار السياسات والمصالح الاميركية.

وامام الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني، وعلى أهمية المواجهات والمقاومة البطولية في قطاع غزة والضفة الغربية، وما توقعه من خسائر بقوات الاحتلال على نحو لا يمكن الاستهانة بحجمها، والتي تضاف إلى مجمل الخسائر الاسرائيلية الباهظة على كل المستويات منذ بدء الحرب الحالية. إلا أنه يستحيل مقارنتها بالخسائر الكارثية المهولة التي لم تزل تتوالى فصولاً دموية مروّعة تصيب الفلسطينيين وتنال من وجودهم وحياة أبنائهم وعمرانهم واقتصادهم وقضيتهم على ارضهم.

وبينما يواصل فيه الشعب الفلسطيني المتروك لمصيره المجهول، دفن ضحاياه وابنائه في مقابر جماعية، أو تركهم تحت ركام المنازل والمدارس وفي المستشفيات، تتوالى قوافل النزوح القسري تحت وطأة التهديد بالقتل والموت. تتابع الانظمة والمجتمعات حالة الانتظار لنتائج الحرب، التي لا أحد يعرف متى وكيف ستنتهي. وتكتفي الشوارع العربية بملاحقة أخبار ما يواجهه الرئيس الاميركي وقادة الدول الداعمة والمؤيدة لاسرائيل في حربها، من معارضات أو اعتراضات على سياساتهم. وتواصل مراقبة ردود فعل سائر شعوب العالم، التي تعبر عنها التظاهرات الحاشدة التي تجوب شوارع مدن وعواصم بلدانها وهي ترفع رايات الادانة والاستنكار لجرائم قوات الاحتلال الاسرائيلي ضد الفلسطينيين.

المؤكد أن الوضع العربي الراهن هو حصيلة عقود من سياسات وممارسات الانظمة الحاكمة، ونتيجة للقراءات القاصرة، والرهانات الخاطئة التي أدمنتها المعارضات بأحزابها وتياراتها القومية والوطنية واليسارية التي باتت من الماضي جراء  رفضها مراجعة تجاربها الفاشلة. والمؤكد ايضاً أن مواجهة السياسات الاميركية والحروب الاسرائيلية وفق برامج تنطلق من مواقع دينية أو طائفية فئوية ذات طبيعة اختزالية، كانت نتائجها كارثية على مجتمعاتها وبلدانها. وعليه تلاقت قوى الاعتراض والمعارضة مع الأنظمة الحاكمة حول العجز والهروب من تحمل مسؤولية انقاذ بلدانها، لأنها تفتقد للرؤية والدور وللمواقع الوطنية الديمقراطية الجامعة. ما يجعل دعمها للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية غير ذي جدوى ولا يراهن عليه.

وبما أن النتائج مرهونة بمقدماتها، فإن لحس مبرد الانتظار، والهروب من الأسئلة المصيرية الصعبة، لن يأتي بالانتصارات في فلسطين ولبنان أو في أي بلد آخر.

Leave a Comment