سياسة صحف وآراء

لبنان يبحث عن أوراقه من طهران لواشنطن: “صدَمات” ترامب مُقلقة

* المدن

يعيش لبنان ترقّبًا ساخنًا للتوقيع الرّسميّ على مذكّرة التفاهم الأميركيّة، الإيرانيّة بوساطة باكستانيّة، المقرّر يوم الجمعة المقبل، وتعقبه جولة مفاوضات تمتدّ 60 يومًا لبحث الملفّ النّوويّ والعقوبات. وعلى رغم أنّ هذا التفاهم الدّوليّ، الإقليميّ يحمل في نصوصه المعدّلة بندًا صريحًا ينصّ على “الإنهاء الفوريّ والدّائم للعمليّات العسكريّة على جميع الجبهات”، ما يعني لبنان واحترام وحدة أراضيه وسيادته، إلّا أنّ الوقائع على الأرض تخالف هذا الاتّجاه حتّى الآن. فالسّاحة اللّبنانيّة لا تزال تعيش سباقًا ساخنًا بين الشّروط الدّبلوماسيّة والأمر الواقع الميدانيّ.

تؤكّد طهران أنّ الجبهة اللّبنانيّة هي جزء لا يتجزّأ من تفاهمها مع واشنطن، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بتأكيده أنّ “نهاية الحرب في لبنان موضوع ملزم لنهاية الحرب مع إيران”، معتبرًا أيّ استمرار للاحتلال أو الهجمات نقضًا مباشرًا لمذكّرة التفاهم. ولإحاطة الجانب اللّبنانيّ ببنود الاتفاق، أجرى عراقجي اتصالين هاتفيّين برئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، واضعًا إيّاهما في تفاصيل التعديلات الأخيرة التي شملت التأكيد على سيادة لبنان. وقد رحّب الرئيس عون بالتفاهم كخطوة إيجابيّة لخفض التوتّر الإقليميّ، مشدّدًا على أنّ أمن لبنان وسيادته يمثّلان أولويّة وطنيّة. وفي السّياق عينه، جاء التنسيق بين الرئيس برّي ورئيس مجلس الشورى الإيرانيّ محمد باقر قاليباف ليضع المسؤوليّة مباشرة على عاتق الولايات المتحدة والمجتمع الدّوليّ لإلزام إسرائيل بإنهاء حربها، ووقف هدم القرى، والانسحاب الفوريّ من الأراضي المحتلّة. وهو موقف حظي بدعم إقليميّ أيضًا، وقد عبّرت عنه الدوحة بإعلان الخارجيّة القطريّة أنّ لا مبرّر للهجمات الإسرائيليّة التي تشكّل تعدّيًا صارخًا على السيادة اللّبنانيّة.

ولكن، على المقلب الأميركيّ، ثمّة مواقف متناقضة وصادمة يكرّرها الرئيس دونالد ترامب في شأن لبنان. واليوم، أعاد تسليط الضوء على طرح سابق له، لم يلقَ حتّى الآن الأصداء التي يتوخّاها. فقد تبنّى الرئيس الأميركيّ مقاربة لملفّ حزب الله تعكس الرغبة في إيجاد ترتيبات إقليميّة بديلة تشارك فيها دمشق. وقال ترامب إنّ النزاع في لبنان يجب تسويته بالنقاش المباشر مع إسرائيل، لكنّه ذهب أبعد من ذلك بتكرار الفكرة التي تقضي بأن تتولّى سوريا التعامل مع هذا الملف. ودعا ترامب رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى إبداء مسؤوليّة أكبر، فـ”إذا كانت إسرائيل غير قادرة على التعامل مع حزب الله من دون قتل مدنيّين، فعلى سوريا أن تتدخّل”.

ومن الواضح أنّ إسرائيل ترفض الانصياع لشروط التفاهم الأميركيّ، الإيرانيّ. وقد نأى بنيامين نتنياهو صراحة بنفسه وبحكومته عن الاتفاق الذي أبرمه ترامب، معلنًا: “هذا قراره، ونحن لنا مصالحنا الخاصّة”. وجدّد نتنياهو تأكيده على بقاء الجيش الإسرائيليّ في غزّة ولبنان وسوريا “طالما كان ذلك ضروريًّا”، متمسّكًا برفضه المطلق لسحب قواته من الجنوب. وتترجم تل أبيب هذا الموقف عبر تكتيكين أساسيّين. الأوّل هو استمرار الخروقات الجويّة المتمثّلة في تحليق الطائرات المسيّرة فوق العاصمة بيروت والضاحية والجنوب، بالتوازي مع الغارات والقصف المدفعيّ وعمليّات التفجير الممنهجة. والثاني هو مواصلة محاولات التوغّل من كفرتبنيت للسيطرة الكاملة على تلّة علي الطاهر المطلّة على النبطيّة، بهدف تثبيت خطوط التوغّل، قبيل الذهاب إلى مفاوضات واشنطن المرتقبة أيّام 22 و23 و24 من الشهر الجاري.

الاتفاق تحت اختبار النار

ليست المشكلة في نصّ مذكّرة التفاهم، بل في القدرة على تحويله من عبارة سياسيّة إلى التزام ميدانيّ. فالبند الذي يتحدّث عن “الإنهاء الفوريّ والدائم للعمليّات العسكريّة على جميع الجبهات” يبدو، من حيث الشكل، كافيًا لإدخال لبنان في معادلة التهدئة. غير أنّ إسرائيل تتعامل معه كإطار قابل للتفسير، لا كقرار ملزم. وهذا هو جوهر الاشتباك الحاليّ: طهران ترى أنّ لبنان مشمول بالاتفاق، وواشنطن تفضّل إبقاء المساحة رماديّة، وتل أبيب تعمل على ملء هذه الرماديّة بالنار والاحتلال والوقائع الميدانيّة.

من هنا، تصبح الغارة التي استهدفت طريق كفرتبنيت، وأدّت إلى استشهاد مواطن لبنانيّ، أكثر من خرق أمنيّ عابر. إنّها رسالة سياسيّة إسرائيليّة مفادها أنّ أيّ تفاهم إقليميّ لن يقيّد يد الجيش الإسرائيليّ ما لم يتحوّل إلى ضمانة أميركيّة صلبة. وفي المقابل، فإنّ ردّ حزب الله واستئنافه عمليّاته ضد قوات الاحتلال في الجنوب يوجّهان رسالة معاكسة: لا عودة إلى معادلة ما قبل الثاني من آذار، ولا قبول بتحويل الاحتلال المؤقّت إلى شريط أمنيّ مقنّع.

واشنطن بين التفاهم والالتباس

تبدو واشنطن في موقع الموقّع والضامن والمتردّد في آن واحد. فترامب يريد تسويق الاتفاق مع إيران بوصفه إنجازًا استراتيجيًّا يفتح الباب أمام ضبط الملفّ النوويّ خلال مهلة الستّين يومًا، لكنّه لا يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل حول لبنان. لذلك، يستخدم لغة مزدوجة: ينتقد نتنياهو علنًا، ويقول إنّ الهجوم على بيروت “لم يعجبه”، لكنّه يترك لإسرائيل هامشًا واسعًا تحت عنوان “أمنها” و”حقّها في الدفاع عن نفسها”.

الأخطر في كلام ترامب ليس انتقاده لإسرائيل، بل اقتراحه أن تتولّى سوريا التعامل مع ملفّ حزب الله. فهذا الطرح يعكس تفكيرًا أميركيًّا يبحث عن هندسة إقليميّة جديدة، لا عن تسوية لبنانيّة داخلية. وهو طرح يختصر لبنان كساحة، لا كدولة ذات سيادة، ويفترض أنّ أمن الجنوب يمكن أن يدار من دمشق أو تل أبيب أو واشنطن، فيما الدولة اللّبنانيّة تتحوّل إلى طرف يتلقّى النتائج بدل أن يصوغها.

إسرائيل تراهن على الغموض

في القراءة الإسرائيليّة، الغموض ليس خللًا في الاتفاق، بل فرصة. لذلك تسعى تل أبيب إلى تثبيت ما تسمّيه “الدفاع المتقدّم” داخل الأراضي اللّبنانيّة، عبر البقاء على امتداد خطوط ميدانيّة تتيح لها الحركة والكشف والاستهداف. والمقصود هنا ليس فقط منع حزب الله من إعادة التموضع جنوب الليطاني، بل فرض معادلة جديدة تجعل الانسحاب مشروطًا بترتيبات أمنيّة مفتوحة، وبموافقة إسرائيليّة دائمة.

هذا ما يفسّر التوغّل باتجاه تلّة علي الطاهر، واستمرار التحليق فوق بيروت والضاحية والجنوب، وعمليّات القصف المدفعيّ والتفجير في القرى الحدوديّة. فإسرائيل لا تفاوض من خارج الميدان، بل تفاوض بالنار. تريد أن تدخل جولة واشنطن وهي تمسك بأوراق جغرافيّة وعسكريّة، وتريد أن تقول إنّ أيّ انسحاب لا يكون تلقائيًّا، بل نتيجة صفقة أوسع تشمل الأمن، والأسرى، وسلاح حزب الله، وترتيبات الحدود.

الموقف اللّبنانيّ: ثبات ضروريّ ومحدوديّة قاسية

لبنانيًّا، بدا موقف الرئاستين الأولى والثالثة أكثر وضوحًا في تحديد سلّم الأولويّات: وقف نهائيّ لإطلاق النار، انسحاب القوات الإسرائيليّة من الأراضي التي تحتلّها، انتشار الجيش اللّبنانيّ حتّى الحدود الدوليّة، عودة الأسرى، وانطلاق مسار إعادة الإعمار. غير أنّ وضوح الموقف لا يلغي محدوديّة القدرة. فلبنان يدخل مفاوضات واشنطن مثقلًا بالدمار، والانقسام الداخليّ، والضغط الدوليّ المتزايد حول سلاح حزب الله، وبواقع أنّ القرار الفعليّ للحرب والسلم لا يزال موزّعًا بين أكثر من عاصمة.

ومع ذلك، فإنّ أيّ تفريط بالثوابت في هذه اللحظة سيعني تحويل التفاهم الأميركيّ، الإيرانيّ إلى منصّة لتكريس الاحتلال بدل إنهائه. فالمطلوب من لبنان ليس فقط المطالبة بالانسحاب، بل رفض أيّ صيغة تجعل الانسحاب مكافأة مؤجّلة أو ورقة تفاوضيّة. السيادة لا تُجزّأ بين منطقة آمنة ومنطقة مهدّدة، ولا تُعلّق على مهلة نوويّة بين واشنطن وطهران.

وسط هذا المشهد المعقّد، تأتي عودة النازحين إلى قراهم الجنوبيّة كفعل سياسيّ قبل أن تكون فعلًا إنسانيًّا. فهؤلاء لا يعودون لأنّ الخطر زال، بل لأنّ البقاء في النزوح صار أخطر على الكرامة والوجود. الدمار الهائل في المنازل والممتلكات لا يمنعهم من التمسّك بالأرض، بل يزيد اقتناعهم بأنّ المعركة لم تعد فقط على الحدود، بل على حقّ الناس في أن يبقوا في قراهم، وأن لا تتحوّل مناطقهم إلى خرائط أمنيّة مرسومة فوق أنقاضهم.

هذه العودة تحرج الجميع: تحرج إسرائيل لأنّها تفشل منطق الإفراغ، وتحرج الدولة لأنّها تكشف عجزها عن حماية مواطنيها، وتحرج المجتمع الدوليّ لأنّه يكتفي بإدارة الأزمة بدل إنهائها. وفي الجنوب، لا تبدو السيادة بيانًا رسميًّا، بل بيتًا مهدّمًا يحاول صاحبه أن يرفع فوقه بابًا جديدًا.

أوروبا والضغط على سلاح حزب الله

على المستوى الأوروبيّ، جاء موقف مسؤولة السياسة الخارجيّة في الاتحاد الأوروبيّ كايا كلاس ليؤكّد أنّ النظرة الدوليّة إلى لبنان لا تزال محكومة بثنائيّة هشّة: دعم الدولة، والضغط لنزع سلاح حزب الله. وهذا يعني أنّ المجتمع الدوليّ يريد وقف إطلاق النار كي يمنح الدبلوماسيّة فرصة، لكنّه يرى أنّ الاستقرار الطويل لن يكتمل من دون معالجة ملفّ السلاح. غير أنّ طرح هذا الملفّ تحت النار الإسرائيليّة يضعه في سياق ابتزاز سياسيّ، لأنّ أيّ نقاش داخليّ في الاستراتيجيّة الدفاعيّة يفقد معناه إذا كان الاحتلال مستمرًّا والطائرات المسيّرة لا تغادر السماء.

لذلك، فإنّ الأولويّة المنطقيّة تبقى واضحة: وقف العدوان أوّلًا، الانسحاب ثانيًا، بسط سلطة الدولة ثالثًا، ثمّ فتح حوار لبنانيّ جدّي حول الدفاع والسيادة. أمّا قلب الترتيب، فيعني منح إسرائيل ذريعة للبقاء، ومنح الداخل سببًا إضافيًّا للانقسام.

المأزق الإسرائيليّ الداخليّ

ما يتسرّب من المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة يكشف مأزقًا مغايرًا للصورة التي يحاول نتنياهو تصديرها. فثمّة قناعة لدى بعض الأمنيّين بأنّ الجيش حقّق مكاسب ميدانيّة كبيرة، لكنّ القيادة السياسيّة فشلت في تحويلها إلى اتفاقات. وبحسب هذا المنطق، كان يجب استثمار الضربات التي تعرّض لها حزب الله سياسيًّا، لا الاكتفاء بإطالة أمد الحرب. غير أنّ نتنياهو، المحاصر بحساباته الداخليّة وبهاجس البقاء السياسيّ، يفضّل إبقاء الجبهات مفتوحة على دفع ثمن التسوية.

هذا الخلاف بين الأمن والسياسة في إسرائيل قد يكون عاملًا حاسمًا في الأيام المقبلة. فإذا غلب منطق الاستثمار السياسيّ، قد تذهب تل أبيب إلى تفاهم مشروط. أمّا إذا غلب منطق الهروب إلى الأمام، فإنّ الجنوب سيبقى ساحة اختبار دمويّة لمذكّرة لم يجفّ حبرها بعد.

تأتي جولة واشنطن في 22 و23 و24 من الشهر الجاري كاختبار فعليّ للموقف اللّبنانيّ ولجدّيّة الضمانات الأميركيّة. فالمسألة لم تعد تقنية، ولا تتعلّق فقط بآلية مراقبة أو انتشار أو جدول زمنيّ. إنّها مفاوضات على معنى السيادة نفسها: هل يحقّ لإسرائيل أن تحتفظ بوجود عسكريّ داخل لبنان تحت عنوان أمنيّ؟ وهل يمكن تحويل الستّين يومًا الخاصة بالملفّ النوويّ والعقوبات إلى مهلة مفتوحة لاستمرار الاحتلال؟ وهل تقبل واشنطن بأن يكون اتفاقها مع طهران غطاء لعمليّات إسرائيليّة لا تتوقّف؟

الجواب سيتحدّد في الميدان بقدر ما سيتحدّد على الطاولة. فإذا لم يُقرن التفاهم بضغط أميركيّ واضح على إسرائيل، فسيبقى لبنان أمام معادلة خطرة: اتفاق دوليّ يتحدّث عن وقف الحرب، واحتلال إسرائيليّ يتصرّف كأنّ الحرب لم تنتهِ.

لبنان أمام اختبار الضمانات

ما يجري اليوم ليس مجرّد انتظار لتوقيع اتفاق، بل اختبار لنظام الضمانات كلّه. إيران تريد إدخال لبنان في التفاهم كي تثبّت نفوذها وحلفاءها ضمن معادلة أوسع. الولايات المتحدة تريد اتفاقًا مع طهران من دون خسارة إسرائيل. إسرائيل تريد حرّية حركة ولو خالفت روح التفاهم. أمّا لبنان، فيريد شيئًا أبسط وأصعب في آن واحد: وقف الحرب، انسحاب الاحتلال، عودة الناس، واستعادة الدولة قدرتها على حماية حدودها ومواطنيها.

بين الجمعة وجولة واشنطن، سيبقى الجنوب هو المقياس. فإذا توقّفت النار، يكون الاتفاق قد بدأ يترجم نفسه. وإذا استمرّت المسيّرات والتوغّلات والقصف، فسيكون لبنان أمام نسخة جديدة من التسويات الناقصة، حيث تُكتب السيادة في النصوص، وتُقصف على الأرض.

 * نشرت بتاريخ 16 حزيران 2026 على موقع المدن