الدكتور زهير هواري
بيروت 22 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية
هدنة الأيام العشرة التي يأمل لبنان بتجديدها لا تسمح بالتقاط الأنفاس وإحصاء الضحايا وحصر الخسائر التي تكبدها الجنوبيون خصوصا واللبنانيون عموما على أيدي العدوان الاسرائيلي، لا سيما وأن هناك ما لا يمكن إحصاؤه. فما أصاب بنت جبيل والخيام والنبطية وعيتا الشعب وبيروت والضاحية الجنوبية وسحمر ومشغرة وعشرات القرى والبلدات لا يقاس فقط بأكلاف إعادة بناء البيوت التي جرى دكها أو تفجيرها عن سابق تصور وتصميم. لأنها تمثل قيمة حضارية وتراثية لا تقدر بثمن لأهلها وللجنوب وللبنان أيضا. يضاف إلى ذلك ما تمثله في ذاكرة أصحابها الذين خسروا بتحويلها إلى أنقاض جزءا من ماضيهم الشخصي والعائلي العاطفي. وعليه يصعب إن لم نقل يستحيل تقديم تصور واقعي أو قريب من الواقع بما تعرضت له جملة المناطق التي استهدفها العدوان. وطالت بطبيعة الحال جملة الاقتصاد اللبناني، الذي لم يكن قد برأ من الجراح التي أصابته منذ العام 2019، حتى جاءته النكبات الاسرائيلية المتلاحقة، فطالت البشر والحجر، ولم توفر واحدا من قطاعات الاقتصاد الوطني وسائر معالم الحياة.
ضحايا العدوان المستدام
ولكن قبل أن نتحدث عن الاقتصاد علينا أن نعاين الخسائر البشرية التي ما تزال تتوالى وتتصاعد نزيفا، عبر الاعتداءات اليومية التي تستهدف ألأهالي في مناطق واسعة، ويُعثر على جثثهم مضرجة بالدماء، وهم يحاولون تفقد ما تبقى من بيوتهم وأرزاقهم، أو يتنقلون على الطرقات. المشكلة التي تواجهنا هنا أنه لا وجود لإحصاء موثوق يمكن اعتمادة لتبيان حجم الكارثة. فمثلا هناك احصاءات تتحدث عن سقوط حوالي 6200 ضحية منذ العام 2024 ، لكن أرقاما أخرى ترفع العدد إلى حوالي 8000 ، يضاف إليهم شهداء حزب الله، الذي لم يعلن عن الرقم الذي خسره خلال المعارك. وفي التفاصيل يتبين أنه خلال الأشهر المنصرمة من عام 2026 هناك ما لا يقل عن 2,196 ضحية و 7,185 جريح. أما خسائر عامي 2024 و2025 فقد بلغت الحصيلة حتى نهاية العام نحو 4,068 قتيل و 16,690 جريح . أما بالنسبة للجرحى فالرقم الإجمالي يتجاوز الـ 21800 جريح، من ضمنهم الآف المعوقين الذين فقدوا اطرافهم أو عيونهم أو غير ذلك. النسبة الكبرى من الضحايا والجرحى هم من فئة الشباب. وقد خرجت من سجلات القوى العاملة، وباتت بحاجة إلى علاجات ورعاية مستدامة. بالطبع يجب أن نشير إلى أن هذا العدد ليس نهائيا، بل هو قابل للتصاعد يوميا بدليل الجرائم التي يمارسها العدو في الأماكن التي تطاله آلة حربه.
أيضا يجب أن نسجل أن تهجير حوالي 1.200.000 مواطن من ييوتهم، وتعذر عودة أبناء ما يتراوح بين 55 و 81 مدينة وبلدة وقرية له أكلافه عليهم، وعلى الدولة اللبنانية التي عملت على تأمين إيوائهم وتقديم تغذية ومساعدات عينية متواضعة لهم. وعدد هؤلاء بعشرات الألوف. خصوصا وأن حجم المساعدات الخارجية كان محدودا بالقياس إلى السنوات السابقة. كما أنه غادر البلاد نحو 242 ألف لبناني دون عودة منذ سبتمبر/ ايلول 2024 وحتى آذار/ مارس 2026.
ركام بيوت الأهل والأصدقاء
اذا انتقلنا إلى البيوت والوحدات السكنية، نؤشر إلى أنه خلال المعارك وبعد توقفها تابعت الجرافات والأحزمة النارية جريمتها في دك الأحياء والمناطق السكنية. لذلك باتت مدن جنوبية وقرى بأسرها عبارة عن ركام، إن لم يكن على نحو كامل وبنسبة 100%، فعلى نحو كلي نسبيا، باعتبار بقاء بعض الأحياء لا يعني نجاتها. ثم إن عودة الأهالي إليها ممنوعة. وقد يفجرها “المقاولون الاسرائيليون” خلال الايام اللاحقة، فضلا عن جرف المزيد بالبلدوزرات. من يطلع على الافلام التي صورتها المسيّرات الاسرائيلية لبنت جبيل والخيام والنبطية وعيتا الشعب وغيرهما من المدن والبلدات التي كانت عامرة، يتأكد من أن ما يجري ليس عبارة عن خسائر جانبية للحرب، بقدر ما يجزم أن هناك قرارا اسرائيليا بإفناء معالم حياة المنطقة، وجعل عودة الروح لها أمرا مستحيلا. فتدمير بيوت الأهل والأصدقاء أالذين أفنوا شطورا من أعمارهم في بنائها ليس أمرا عارضا، بل تعبير عن حقد تاريخي دفين على لبنان وأهله. وهو تدمير له استكماله على صعيد البنية التحتية من طرقات وشبكات مياه وكهرباء وهاتف وجسور.. وأيضا هنا ليست الارقام نهائية وجامدة عند حد لا تتخطاه. إذ يتردد رقم تدمير 230 ألف وحدة سكنية بشكل كلي أو جزئي . وتؤكد بعض التقديرات أن حوالي 75 ألف وحدة سكنية لم يعد لها من أثر، دون احتساب ما يضاف من عمليات تدمير، وإن كانت تتمركز في المنطقة “المنزوعة السكان” إلا أنها تتجاوزها إلى سواها من المناطق التي تطالها يد الاجرام الصهيونية.
وصف المجلس الوطني للبحوث العلمية الدمار المتزايد في لبنان بأنه “تصعيد غير مسبوق”، وهو ما يعكس بدقة حجم الضرر الذي لحق بقطاع الإسكان خلال 35 يومًا فقط منذ عودة الحرب الإسرائيلية. فقد سُجّل أكثر من 5200 هجوم في شهر واحد، وفقًا لبيانات المجلس للفترة من 2 مارس إلى 2 أبريل 2026.
وبحسب التقرير، فقد دُمر حوالي 40 ألف وحدة سكنية كلياً أو جزئياً خلال 35 يوماً، بين 2 مارس و7 أبريل 2026. وتشير الأرقام إلى أن إجمالي عدد المباني المتضررة بشكل كبير أو المدمرة كلياً بلغ 37836 وحدة خلال نفس الفترة، مما يعكس معدلاً متوسطاً يبلغ حوالي 1081 وحدة سكنية يومياً.
يمثل هذا الرقم حوالي 16٪ من إجمالي الأضرار المسجلة خلال المراحل السابقة من الحرب، من تشرين الأول / أكتوبر 2023 إلى 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، ثم من 27 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى آذار / مارس 2026.
جغرافياً، تصدرت الضواحي الجنوبية لبيروت قائمة المناطق الأكثر تضرراً في التقرير ، حيث تم تدمير حوالي 7536 وحدة سكنية، تليها النبطية بـ 7065 وحدة، ثم منطقة بنت جبيل بـ 6939 وحدة، وأخيراً منطقة صور بـ 6363 وحدة سكنية. ما يعكس النطاق المتزايد وعمق الدمار. يجب إضافة ما تعرضت له مناطق متعددة لم يتناولها التقرير في البقاعين الغربي والشمالي وبيروت وغيرها.
خسائر يومية وخسائر اجمالية
هذه المعالم لا تغني عن النظر إلى الصورة الإجمالية التي أصابت قطاعات الاقتصاد، إذ إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDPقدّر الخسائر اليومية لحرب العام 2024 بنحو 225 مليون دولار، وعليه تكون الخسائر قد قاربت 10 مليارات دولار بالحد الأدنى. واذا اضيفت الأضرار المباشرة وغير المباشرة تبلغ الخسائر حوالي 14 مليار دولار . خسائر الحرب الحالية في العامين الأخيرين، أفدح مما عرفه لبنان من حروب، بالنظر إلى القوة التدميرية لآلة الحرب التي استخدمها العدوان خلال موجات القصف التي أطلقها، والتي تباهى هو نفسه باتساعها وقدراتها التدميرية. وهو ما يعني أن ضخامة الأرقام في الحرب الحالية تتجاوز ما سبق وعرفناه. فالحرب االحالية ترافقت مع حرب إقليمية قادت عالميا إلى ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن وأكلاف التأمين وأسعار المواد المستوردة سواء أكانت زراعية أو مصنعة. ولما كان لبنان يعتمد في استهلاكه على ما يقارب الـ 80 من السلع المستوردة يمكن لنا أن نتصور مدى الانعكاسات السلبية على مجمل الاقتصاد الوطني و آثاره السلبية على مستويات المعيشة . وبينما كانت هناك مراهنة على تحسن محدود في أداء الاقتصاد الوطني، جاءت الحرب لتقلب الأمور رأسا على عقب. فقد توقع معهد التمويل الدولي حدوث انكماش في الاقتصاد اللبناني يتراوح نسبيا بين 12 و16 في المئة في العام 2026 نتيجة الحرب، بالإضافة إلى توقعات بتوسع عجز الحساب الجاري إلى 17 في المئة من الناتج المحلي بنهاية 2026 بعد ما كان الانكماش السابق بنسبة 5.7% في عام 2024.
وتشمل الخسائر اللاحقة بالاقتصاد اللبناني تدمير البنية التحتية، وأضرار القطاعات الحيوية كالقطاع السياحي، الذي تعطّل بشكل تام. وتراجع بنحو 95 في المئة بحسب تقديرات القيّمين على النقابات السياحية. ويشمل هذا القطاع إلى الفنادق المطاعم والمقاهي وأماكن السهر و…
ما تبقى من الزراعة والتجارة والصناعة
وما ينطبق على القطاع السياحي اشد انطباقا على القطاع الزراعي ، فقد تراجع النشاط الزراعي بنحو 40 في المئة، مع خسائر مباشرة تجاوزت 2.5 مليار دولار نتيجة تدمير الأراضي وتوقف سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تتصاعد نسبة الخسائر مع ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية وموجة الصقيع التي ضربت المواسم الزراعية والأشجار المثمرة في البقاع. لكن خسائر الزراعة تتجاوز الإنتاج النباتي لتصل إلى الثروة الحيوانية كمزارع الدواجن والأبقار والأغنام والماعز وقطاع صيد الأسماك وما شابه.
وتعرض حوالي 590 ألف دونم من الاراضي الزراعية والاشجار المثمرة إلى عمليات إحراق بالفوسفور الأبيض والتجريف. واحتلت اسرائيل حوالي 580 ألف كلم مربع، بما يعادل أكثر بـ 61 % من مساحة قطاع غزة كاملا. وبالانتقال إلى القطاع التجاري نجد أن هذا القطاع تعطل على نحو كاسح واقتصر نشاطه على تجارة المواد الغذائية. علما أن كميات اللحوم والمواد المستوردة قد تراجعت بحوالي الثلثين عن ذي قبل، بالنظر إلى ارتفاع أسعارها وتراجع قدرة المواطنين على استهلاكها. وبالإجمال تعطّل النشاط التجاري بنسبة قاربت 60 في المئة. وتعرضت أقسام من مستودعات ومخازن هذا القطاع للتدمير ما يعني خسارة في رأس المال. كذلك طال التراجع القطاع الصناعي بشقيه التصديري والداخلي. وظهرت بوادر عمليات صرف كيفي للعمال والموظفين تحت وطأة التراجع.
لكن المعضلة الأكثر كارثية على الاقتصاد الوطني تتمثل في تراجع احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، ما يضع المصرف المركزي في موقع حرج للحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة. والعامل المقرر في هذا الوضع ليس فقط ما تعرضت له القطاعات من خسائر، بل تراجع قيمة تحويلات اللبنانيين من الخارج، لاسيما العاملين منهم في منطقة الخليج العربي والمملكة العربية السعودية، التي تأثرت بدورها بالحرب الايرانية – الاميركية. ويقدر عدد هؤلاء بحوالي نصف مليون نسمة كانت تحويلاتهم حاسمة في تقليص حدة الاختلال المالي – النقدي في البلاد، وتأمين انفاق ذويهم على مصارفاتهم المختلفة. ومن المعروف أنه كلما طالت حالة الحرب وحال التوتر العام، كلما ارتفعت نسبة التراجع بطبيعة الحال. ثم إن هذه التحويلات تنفق على الاستهلاك والضرورات اليومية ولا تدخل في مجال الاستثمار.
اختصارا يمكن القول إنه على مدى العقد الماضي، تضاعفت معدلات الفقر في لبنان ثلاث مرات. فقد قدر “البنك الدولي” في العام 2024 أن 44% من سكان لبنان يعيشون في فقر مالي، وأن قرابة 80% يعيشون في فقر متعدد الأبعاد. في حين وسّعت الحكومة برنامجها الأكبر للمساعدة الاجتماعية “أمان” ليشمل الآن حوالي 800 ألف شخص، إلا أن البرنامج يعتمد بشكل كبير على اختبار القدرة المالية، ويستهدف ما تعرّفه الحكومة بالأسر “الأكثر فقرا”، لكن في الواقع، وبسبب أخطاء الاستبعاد والتقييم غير الشفاف عبر الاختبارات غير المباشرة للقدرة المالية، لم يتمكن معظم الناس من الحصول على أي شكل من أشكال الضمان الاجتماعي.
السؤال الآن هو التالي: ماذا بعد كارثة نتائج الجولة الأخيرة من الحرب وما مارسه العدوان الاسرائيلي من اكتساح للبنية اللبنانية بشريا وعمرانيا واقتصاديا. ترى كم بلغت نسبة الفقر في لبنان حيث ما تزال أفق الحلول متعذرة، إن لم نقل مستحيلة في ضوء توسع نطاق الأزمة إلى المحيط الاقليمي؟
