سياسة صحف وآراء

لا حزب الله يختصر الشيعة ولا خصومه صهاينة

* شهيد نكد    

استوقفني منشور لصديق ينتمي إلى ما يُسمّى “المعارضة الشيعية” في وقت يضيق فيه صدر البلد بأبنائه. فإضافة لرفضه فحوص الدمّ في الموقف من حزب الله ومن إسرائيل، كشف صديقي عمّا هو أهمّ وأعمق. فالمنشور كان تعبيراً عن مأزق سياسي-اجتماعي؛ خرجت الأزمة عن كونها نزاعاً سياسياً أو طائفياً، متحوّلة إلى أزمة مجتمع، مُطالَبين فيه أفراده مخاصمة ناسهم كي يثبّتوا مواقفهم. فهم ليسوا بتماهٍ مع حزب الله، ولا في أي تقاطع مع إسرائيل. يبدو الموقف طبيعياً، لكن في لبنان لم يعد من شيء طبيعي، خصوصاً في موضوع الاصطفافات. فبالنّسبة لكثيرين، إن السّجال ليس نظريّاً بين خيارين، بل هو تجسيد لتمزّق حقيقي داخل المجتمع نفسه: داخل العائلة والقرية والذاكرة وروابط الجيرة والطفولة والحياة اليوميّة. المشكلة إذن، ليست فقط بالسلاح والحرب وإسرائيل، بل فيما تفعله هذه المسائل بالنّسيج اللبناني الاجتماعي، وفي الكلفة التي ستترتّب على المجتمع من جرّاء خيارات ليس مسؤولاً عنها على نحوٍ كامل.

تمزّق المجتمع

تكمن أهميّة هذا البعد في أنّّه ينقلُنا من تبسيط مريح ومضلّل قائم على اختزال الانقسام بشيعة في مقابل الآخرين، إلى فهم أكثر تعقيداً وتشابكاً للانقسام الفعلي: انقسام داخل البيئات نفسها، وبين الناس وأحزابهم، وبين القناعات السياسية والروابط الاجتماعية. فليس كلّ من يرفض إسرائيل، هو مؤيّد لحزب الله، كما أن ليس كلّ من يُخاصم حزب الله هو متقاطع مع إسرائيل. وهذا ما يجعل القراءة الطائفية السهلة غير قادرة على فهم حقيقة ما يجري، أو غير راغبة في ذلك، ما يدفع نحو مزيد من الاصطفاف. وداخل هذه المنطقة الرّمادية، التي لا يرغب أحد في ولوجها، يسكن جزء كبير من الوجع اللبناني، إذ تُصبح السياسة هي فعل تفتيت أهلي ومجتمعي، لا مجرّد خصومة على خيارات سياسية.

ولا يتعلّق الأمر بسوء فهم الانقسام فقط، بل يتخطّاه إلى الاستمرار في الخلط بين الحزب والمجتمع. فالعداء لإسرائيل لا يختصره حزب الله وبيئته الشيعية وحدهما بالرّغم من احتكاره القضيّة. فهناك فئات واسعة، من خارج البيئة العقائدية والتنظيمية، غير متصالحة مع إسرائيل وتنادي بضرورة المقاومة العسكرية الخارجة عن نفوذ الدولة اللبنانية. وهذه الفئات، هي بطبيعة الحال لا تؤمن بمشروع حزب الله السياسي أو الديني بالرغم من تحالفها أو تأييدها له. في المقابل، يوجد من يخاصم حزب الله ويُطالبه بتسليم سلاحه، من دون أن يُخفّف من عدائه لإسرائيل. وبالمنطق نفسه، لا يجوز أيضاً “صهينة” كلّ من يرفض سلاح الحزب ويُطالب الدولة باستعادة قرارها. بالمحصّلة، إن اختزال الأزمة مذهبيّاً لا يؤدّي سوى إلى مزيد من التّعقيد.

الأحزاب تجرّ مجتمعاتها

وما تفضحه هذه المنطقة الرمادية هو طريقة عمل الأحزاب التي لا تكتفي باختصار مجتمعاتها، بل تسعى لجرّها وتُدخلها بحسابات ومحاور ومشاريع إقليمية تتجاوز المجتمعات ذاتها. والنتيجة، إعادة تعريف المجتمعات على صورة الأحزاب ومحاكمتها على هذا الأساس. وهنا، لا يُمكن لأي مقاربة جديّة أن تقوم بمعاقبة جماعية والتعامل مع “البيئة” على أساس أنّها خصم جماعي. بل المطلوب هو فهم المجتمع والحؤول دون الوصول لتشتيته وتفتيته وتمزيقه بشكل شامل.

غير أن كلّ ما قيل، لا يضع الدولة والحزب في خانة واحدة. فمن خصائص الدولة الأساسية والتفاضلية، هو احتكارها خيارات السياسة الخارجية، تماماً كما السياسات الداخلية العامّة، من اقتصادية وتربوية واجتماعية وغيرها. صحيح، أن الدولة قد تخطئ، لكن هذا لا يغيّر في المبدأ، حيث لا يحقّ لأي حزب أو جهة داخلية منازعتها على هذا الاختصاص من دون نسف فكرة الدولة من أساسها. وهنا، تظهر مشكلة كبيرة مع حزب الله؛ فهو لم يكتفِ بالتّمايز عن الدولة بالسياسة الخارجية، بل أخفق وحلفاؤه في صنع سياسة دولة خارجية متّزنة، ومجرّدة من الحنكة والرشاقة، مُقحماً لبنان في لعبة محاور حارقة. وما هو صحيح أيضاً، أن سائر الأحزاب كان وما زال لها سياساتها الخارجية الموازية لسياسة الدولة.

إنَّ حقّ الاحتكار هذا، في موضوع السياسة الخارجية، لا يعني أن الدولة تمكّنت من رصّ الجبهة الداخلية. كما أن حزب الله لا يمكنه الادّعاء أنّه مدعوم من مجتمع لبناني موحّد خلفه. وهنا تكمُن إحدى عقد الوضع اللبناني الرّاهن، حيث تظهر تصدعات البنية الاجتماعية الّتي يقف عليها الجميع.

المعارضة، وضيق المنطقة الرمادية

ولعلّ هذا ما قد يدفع جزءًا من اليسار اللبناني “السابق”، وصديقي واحد منهم، وجزء من المعارضة الّذين تضيق بهم المنطقة الرمادية، للتساؤل حول التحالف والتسليم بخطاب معارضة يهيمن عليه منطق اليمين المتطرّف. وهذا يأخذنا إلى نقطة عجز الكثير من خصوم حزب الله عن بناء خطاب سياسي قادر على استيعاب تعقيدات المجتمع، ويُخاطب من خلاله هواجس الناس من دون تخوين واختزال.

انطلاقاً من هنا، إن التعامل مع المجتمع كامتداد طبيعي لحزب الله (أو أي مجتمع لأي حزب) لا يؤدي سوى إلى تعميق الشقوق المجتمعية، فإذا كنا نعتبر أن حزب الله هو المسؤول عن هذه الحرب وهذا الخراب، فإن ذلك لا يُبرّر النبذ الجماعي للناس لأنّهم انتخبوا مرشّحيه أو صمتوا عنه. فإنّه من الظّلم والتبسيط تحميل جماعة كاملة مسؤولية خيارات وقرارات لم تُستشر فيها أصلاً، فآلية اتّخاذ القرار تعمل بين قيادة حزب الله وطهران، وقرار الحرب الأخير هو قرار إقليمي بامتياز.

ستنتهي الحرب يوماً، ودمار الحجر الذّي تسبّب فيه كلّ من العدوان والارتهان سنجد سبيلاً إلى عادة إعماره. لكن الخوف الحقيقي هو من دمار المجتمع نفسه، ومن التصدّعات التي أصابت النسيج الاجتماعي، ومن تحطّم الثّقة والروابط والقدرة على البقاء شركاء في وطن واحد.

وختم صديقي منشوره “بتمنّى بكلّ جوارحي ما يموتوا، ولو بعرف تمام المعرفة أنّهم إذا عاشوا، رح ينتصروا عليي، أولاً”.

* نشرت بتاريخ 4 نيسان 2026 على موقع المدن