سياسة

كمال جنبلاط فارس الوطنية اللبنانية والعروبة الديموقراطية

كتب زهير هواري

في ذكرى شهادته الرابعة والأربعين، تبدو استعادة المعلم والقائد كمال جنبلاط أكثر من ضرورة، في ما الوطن تتفكك عُراه واحدة إثر أخرى، ويخيِّم على أنحائه الخوف من عودة شبح الحرب الأهلية ثانية، بينما الافتقار العام يطحن ما لا يقل عن 60% من أبنائه، كان نصفهم على الأقل يعتبر من الطبقة الوسطى، ناهيك بالمقيمين على أرضه من لاجئين فلسطينيين وسوريين وغيرهم. واستعادة كمال جنبلاط اليوم لا يقصد منها إعادة الاعتبار للتيار الوطني التقدمي الذي قاده في واحدة من أحلك مفاصل الحياة السياسية اللبنانية، أو بغرض التذكيربالدور الذي لعبته هذه القامة السياسية والفكرية والثقافية الكبرى في قيادة تحالف تقدمي يساري ناصري متنور منفتح على الحداثة، بل للوقوف عند اللحظة الراهنة انطلاقاً من التجربة التي حمل رايتها وسفح دمه دفاعاً عنها في ذلك اليوم الأسود الذي اردته فيها رصاصات الغدر.

اذن تجربة كمال جنبلاط والحركة الوطنية ليست من أجل تمجيد تاريخ الرجل وعطائه الكبير، بل للتوقف عند المشروع الذي حمله كونه تنكَّب مشروعاً وطنياً ديموقراطياً علمانياً له أبعاده القومية العربية، سواء لجهة الصمود على متراس الدعم والدفاع عن القضية والثورة الفلسطينية كونها قضية حق وعدالة وانتماء. حق لشعبها في تحرير أرضه المحتلة، ورضع أرضه تقرير مصيره بنفسه، وعدالة بالعودة إلى دياره رداً على موجات الاقتلاع والتشتيت. وانتماء إلى صمود شعوب هذه المنطقة والبلاد التي تعرضت منذ أن حط المشروع الاستيطاني الصهيوني رحاله على أرضها لأعنف هجمة عرفتها في تاريخها. لكن التجربة التي خاضها المعلم ومعه الحركة الوطنية تظل أبعد مدى من دعم ومناصرة قضية الشعب الفلسطيني، لتطال ساحات النضال العربي الديموقراطي المشترك من أجل إزاحة أنظمة الاستبداد والديكتاتوريات والسجون والمعتقلات المنتشرة كالفطر، والتي تلقي بأثقالها على شعوب المنطقة العربية، وتحول بينها وبين ممارسة حقها بالحياة في ظل عدالة اجتماعية وحياة ديموقراطية سوية وحقيقية، ولتأكيد حضورهذه الكتلة البشرية ومساهمتها الحضارية في عالم اليوم الصاخب.

لكن كمال جنبلاط وحركته الوطنية بقدر ما كانوا عروبيين وديمقراطيين كانوا لبنانيين أصيلين من موقع الاستقلالية وصيانة المصالح الوطنية العابرة لقيود الطوائف ومعازلها على تنوعها. من هنا يختلفون عن الكثيرين من الذين مارسوا عروبتهم إلتحاقاً لتحصيل المنافع والأستقواء بهذا النظام القائم أو ذاك. كما لم تجعل منهم وطنيتهم يوماً أتباعاً لمشروع هيمنة مذهبية عارية حتى من ورقة التوت. لقد رأى المعلم ومعه الحركة الوطنية بأجنحتها المتعددة، أن النظام اللبناني الطائفي كما تمت صياغته منذ الانتداب وما بعده من استقلال، هو مصدر لأزمات متناسلة واحدة إثر أخرى. لا تنتهي واحدة حتى تطل الثانية برأسها. أزمات تقود إلى دورية انفجار العنف قتلى وجرحى وخراب، ناهيك بالخلل الفادح في إدارة شؤونه خلال مراحل السلم الأهلي البارد، ما يجعل من الأكثريات الشعبية والمناطق الطرفية مجرد ملاحق هامشية تعصف بها الأزمات المجتمعية المتداخلة تنموية وتحديثية، وتدفع بها إلى النزوح نحو الهجرة ومغادرة البلاد، أو تتجه مرغمة إلى أطراف المدن، ما يشحن المجتمع والعمران البشري المُدني بشتى عناصر التفجيرالتي لا تجد علاجاً لها. لقد رأى كمال جنبلاط بعينه الثاقبة أن بقاء هذا النظام على ما هو عليه من تخلف وجمود، من شأنه أن يقود إلى استمرار الدوران في حلقة جهنمية مقفلة، ليست مفتوحة سوى على الخراب الناجم عن اختلال في مفهوم الوطنية اللبنانية الجامعة كلما اهتزت موازين القوى، بعضها بفعل داخلي وبعضها الآخر بإرادة عامل خارجي. ودوماً عبر مشاريع طوائفية تستقوى بسلاحها وما لديها من نفوذ خارجي ومصادر هيمنة داخلية. لذا جاء المشروع الوطني الذي عبر عنه برنامج الحركة الوطنية المرحلي خطوة في طريق إعادة بناء دولة تتخلص من ترسيمة الطائفية السياسية الاقطاعية الممسكة بزمام الأمور، والتي تعيد انتاج نفسها دوماً دون أي اعتبار للكلفة التي يدفعها المجتمع جرَّاء هذا القيد على تطوره الثقافي والمادي والحضاري. لقد أدرك كمال جنبلاط ورفاقه في قيادة الحركة الوطنية أن لبنان بات أمام خيار واحد لا خيار غيره يتمثل بعلمنة العلاقات بين مكونات المجتمع، ومع الدولة بوصفها دولة الرعاية والعدالة وتكافوء الفرص، بدل بقائها أسيرة للترسيمات وللمعطيات والنوازع الطائفية التي تخنقها وتعيق تقدمها نحو بناء دولة المواطن والمواطنية، ما يجعلها محكومة دوماً وأبداً وعلى نحو مؤكد بل حتمي للانفجار والتشظي وخسارة ما راكمته من تطور.

دماء كثيرة سالت على أرض هذا الوطن وعلى امتداد البلاد العربية منذ اغتياله، وما نزال في صميم النزيف القاتل، بعد أن أُجهضت المحاولات المبذولة للخروج على قيود أنظمة الاستبداد والطائفية. ففي المنطقة العربية قامت الأنظمة وعبر براميلها المتفجرة وأجهزتها العسكرية والأمنية وأسلحتها مع ميليشياتها بدك المدن والقرى على رؤوس أبنائها بهدف شرذمة الشعب وإجهاض الانتفاضات، وأحالت الناس إلى نازحين في أوطانهم أو لاجئين في ديار الله الواسعة، أو مجرد أعداد في قوائم ضحايا القتل، وأرقام في السجون العربية الكبرى، حيث لا يدري أحد عنهم شيئاً. أما في لبنان فقد انفجرت التسوية الطائفية التي حملها اتفاق الطائف، بعد مراحل الوصاية التي تولتها سوريا وأدارت بموجبها البلاد، وقسمت الحصص بين مكوناتها الطائفية تبعاً لدرجة ولائها والتزامها التعليمات، والخنوع أمام ما يتقرر في قصر المهاجرين. وعندما خرجت سوريا بما لها من قوات عسكرية وأجهزة أمن تكفلت الترسيمة التي أقامتها والميليشيات التي رعت هيمنتها، وحصنت تنامي قوتها، بإبقاء البلاد رهينة التركيبة الطائفية من جهة، والتبعية الخارجية من جهة ثانية. بالطبع تواصل شلال الدم، عبر مسلسل الاغتيالات أو التفجيرات والحروب الصغيرة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، حيث تتصارع  القوى الطوائفية وتتطاحن على وطن يحتضر كل من وما فيه من بشر ومؤسسات وآفاق مستقبل.

لقد وأد التدخل السوري والاجتياحات الاسرائيلية المتواصلة والنهوض الطوائفي بأشكاله ومنوعاته، المشروع والتيار الوطني الديموقراطي الذي قاده كمال جنبلاط الذي حاول بعد رحيل قائده متابعة حضوره، تارة عبر اعلانه انطلاقة نضال جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال والغزو الصهيوني للبنان، أو سواها من تشكيلات عملت على استحضار قوى المجتمع الحية من نقابات وعمال وموظفين وأصحاب دخل محدود. أما سلطات الهيمنة والقوى الطوائفية التي تزعمت البلاد بعد أن خلعت ثيابها الأهلية الميليشياوية، فقد شاركت كل من موقعه في قتل كمال جنبلاط مرات كثيرة، عبر تكرار قتل المشروع الوطني الديموقراطي الذي ناضل في سبيله… تماماً كما يحدث الآن من خلال إجهاض مشروع انتفاضة الـ 17 تشرين أول عام 2019، تارة من خلال القمع الرسمي والأهلي العاري والمستتر، وطوراً برفض القيام بأي خطوة اصلاحية، ما أوقع البلاد في مزيد من التأزم السياسي والعجز حتى عن تشكيل حكومة الحد الأدنى، والتفكك والانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي على مختلف الصعد من السياسي إلى الاقتصادي والثقافي … حتى تبدو الدولة الآن مجرد بقايا يتنازعها ورثة طوائفيون، أقصى طموحهم هو تشريع المحاصصات ومعها الافلاس العام والفقر، وتسييب الحدود سواء للتهريب الذي يبدأ بالسلع المدعومة مروراً بالممنوعات على أنواعها، وتوصلاً إلى رهن مصير البلاد لحسابات اقليمية، لا تجد فيها سوى ورقة مساومة أو ساحة لتنفيذ أجنداتها وحساباتها ومشاريعها على حساب قيامة الوطن وأهله.

لا شك أن الحركة الوطنية مثلت تجربة غنية بما حشدته من قوى تخترق المجتمع اللبناني بمناطقه وطوائفه من أقصى الشمال إلى اقصى الجنوب بقيادة كمال جنبلاط ومحسن ابراهيم وجورج حاوي وانعام رعد وابراهيم قليلات. وقد استطاعت من خلال تنظيم وتحشيد هذه القوى أن تواجه قوى كبرى دولية وداخلية متعددة. ومع أن هذه الحركة أصيبت في الصميم باغتيال رمزها الأبرز، الا أنها حافظت على تماسكها الذي أخذت تخسره تباعاً برحيل المعلم، ومنوعات الضغوط التي تعرضت لها، في ما كانت القوى الطوائفية تتغوَّل دافعة البلاد إلى الدرك الذي بلغته الآن في مختلف الصعد والمجالات .. ليس المقصود من هذا القول إن هناك إمكانية لإعادة إحياء المشروع الوطني الذي حملته هذه القوة التقدمية كما عرفته تلك المرحلة التاريخية، بل للقول إن ما نعيشه اليوم هو نتيجة غياب وتغييب القوى الديموقراطية الحية عن الإفادة من تلك التجربة، مدعمة برصد وتحليل وتفاعل دقيق مع التطورات التي طرأت، من أجل العمل على تجميع القوى المشرذمة على برنامج يستعيد نبض قوى التغيير وسائر طاقات المجتمع الحية، بعد أن قذفت السياسات الطوائفية بنهجيها السياسي والاقتصادي مجاميع كبرى في آتون الضياع والفقر والجوع. وهي مجاميع لا تقتصر على منطقة أو طائفة أو فئة اجتماعية بعينها. لقد طال النهب ودائع المواطنين وجنى أعمارهم وديمومة عملهم وقيمة مداخيلهم وأجورهم في الوظائف المدنية والعسكرية. وبلغ طوفان التجويع معظم الفئات ودخل بيوت اللبنانيين جميعاً على وجه التقريب. وبات الخطر الكياني أوضح مما يمكن أن يخفى على عين، وإن جرى تمويهه أو تقليل من شأن خطره الداهم بما يطرحه هذا الفريق أو تلك المرجعية أو القوة السياسية الطائفية.

كمال جنبلاط وقادة الحركة الوطنية ومن ورائهم ومعهم كل شهداء الشعب والمجتمع اللبناني كتاب كبير مفتوح على دروس غنية بحاجة إلى من يقرأ فيها سيرة ومسيرة هذا الوطن … في ذكراه نستعيده راية مرفوعة للمستقبل، وليس فقط شمعة مضيئة من الماضي البعيد مع كل ما شهده من أحلام وصراع ودماء ودموع. 

Leave a Comment