صحف وآراء مجتمع

كفر شوبا”: في بلاغة العين المقاتلة!

* يوسف الشايب

فيلم “كفر شوبا” (1975) للمخرج العراقي سمير نمر، ونص الشاعر والكاتب رسمي أبو علي، وإنتاج مؤسسة السينما الفلسطينية ــ الإعلام الموحد، ليس مجرد وثيقة أرشيفية عن معركة عسكرية في جنوب لبنان؛ بل هو نص بصري وسيميائي مكثف يؤسس لما يعرف بـ”جماليات الاشتباك” في سينما العالم الثالث والسينما النضالية، متجاوزًا منطق التقرير الخبري إلى بناء أسطورة حيّة للأرض والإنسان، كما أن إعادة اكتشافه ورقمنته عبر مشروع “شرائط طوكيو” لمجموعة “تحريض للأفلام”، بعد عقود من حفظه في اليابان، تمنحه طبقة نقدية إضافية تجعل منه وثيقة أممية عابرة للحدود والجغرافيا.

يبني فيلم “كفر شوبا” الوثائقي أطروحته الفكرية والسياسية على مبدأ تلاحم المصير والجغرافيا، حيث يُسقط الحدود الاصطناعية بين جنوب لبنان وشمال فلسطين، مقدمًا قرية “كفر شوبا” بوصفها ليست مجرد مساحة حدودية معزولة، بل رأس السهم المقاتل والعمق العضوي للثورة.

ويفكك الخطاب الفكري للفيلم سردية الهيمنة الصهيونية من خلال تبيان أن استهداف الجنوب اللبناني وقراه (كفر شوبا والطيبة ومجدل زون) ليس وليد وجود الفدائيين، بل تعبير عن أطماع بنيوية وتوسعية في مياه نهر الليطاني والأرض الخصبة، معتمدًا على شهادات تاريخية لرموز الاحتلال (بن غوريون وإشكول وديان).

في المقابل، يبلور الفيلم معادلة جدلية بين الميدان والدبلوماسية؛ فخطاب ياسر عرفات الشهير في الأمم المتحدة عام 1974 (غصن الزيتون وبندقية الثائر) لا يظهر كنصر معزول، بل كنتاج مباشر لبندقية الفدائي وصمود أهالي كفر شوبا وانتفاضة الأرض المحتلة في الضفة الغربية، مشددًا على أسبقية الفعل المقاوم على الاعتراف الدولي وتكاملهما الحتمي.

تتعمق هذه الجدلية السياسية داخل متن الفيلم من خلال تفكيك مفهوم السيادة بمعناها الكولونيالي التقليدي وإعادة بنائها شعبيًا؛ إذ لا يعترف العمل بالحدود الجغرافية التي رسمتها اتفاقيات التجزئة، بل يصوغ مفهومًا جديدًا للجغرافيا المقاومة التي تمتد فيها خطوط الإمداد والتكامل الوجداني، من العرقوب وسفوح جبل الشيخ، وصولًا إلى عمق الجليل والضفة الغربية المحتلة.

وتظهر المقابلات الحية مع أهالي القرية والمقاتلين اللبنانيين إلى جانب الفدائيين الفلسطينيين لتؤكد أن الاشتباك ليس عبئًا طارئًا فُرض على الجنوب، بل هو تحالف مصيري في مواجهة مشروع استيطاني يرى في المياه والأرض اللبنانية امتدادًا حيويًا لخرائطه التوسعية، وهو ما يحوّل كفر شوبا في الوعي الجمعي إلى نقطة ارتكاز تسقط معها أوهام الحياد أمام الخطر الوجودي المشترك.

وفي سياق الربط بين الفعل المسلح والمسار السياسي، ينتقد الفيلم ضمنًا وصراحةً محاولات عزل النضال الدبلوماسي عن جذوره المادية الميدانية؛ إذ يُقدَّم الحضور في المحافل الدولية لا كبديل عن البندقية، ولا كمنصة للتفاوض المجرد، بل كصدى سياسي مباشر لصوت المدافع ودماء الشهداء في كفر شوبا والطيبة والمواجهات الشعبية في شوارع القدس ونابلس.

“يعتمد الفيلم “المونتاج الفكري المتصادم”؛ حيث لا يسير السرد في خط تصاعدي رتيب، بل يتفجر عبر مجاورة بصرية مقصودة بين لقطات الحياة اليومية للفلاحين في الحقول الهادئة بجمالياتها الفطرية”

أما التتابع البصري الذي يقطع بين تصفيق وفود الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقطات الزحف العسكري والكمائن بين الصخور، فيرسخ قناعة فكرية مفادها أن الشرعية الدولية للثورة لم تكن هبة من أحد، وإنما انتُزعت انتزاعًا عبر قدرة الفدائي والفلاح على كسر هيبة التفوق العسكري لجيش الاحتلال وإفشال محاولات اجتياحه المتكررة.

ويتجاوز الخطاب التوثيقي للفيلم حدود اللحظة الراهنة للاشتباك العسكري، ليؤسس لرؤية فلسفية حول المقاومة كفعل تحوّل مجتمعي شامل؛ حيث يبرز كيف يُنتج العدوان وعيًا مقاومًا مضادًا يعيد هيكلة المجتمع القروي والمدني على حد سواء. فالاستهداف الممنهج للمدنيين، وتدمير المنازل، لا يحقق غاية العدو في خلق شرخ بين الحاضنة الشعبية والمقاومة، بل يؤدي، كما تؤكد شهادات المقاتلين والأهالي، إلى تجذير الانتماء وتحويل كل مواطن عادي إلى شريك فعلي في حفر الخنادق وحمل السلاح وحماية الأرض، وهنا تصبح التضحية والتهجير المؤقت ضريبة صمود واعية ومستحقة في معركة التحرر الطويلة، مدعومة بإرث نضالي ممتد يستحضر إضراب عام 1936 وثورات الشعب الفلسطيني المتلاحقة، ليؤكد أن الفعل الثوري كينونة تراكمية تتوارثها الأجيال حتى دحر المشروع الاستعماري عن كامل المنطقة.

على الصعيد الإخراجي والبنية السينمائية، يوظف سمير نمر تقنية “المونتاج الجدلي” المستلهم من مدرسة المونتاج السوفياتي، رابطًا بين ثلاثة فضاءات متباينة: قاعة الأمم المتحدة في نيويورك بحشودها الدبلوماسية، والتظاهرات الشعبية العارمة في بيروت والمدن اللبنانية، وتراب “كفر شوبا” المشتعل تحت القصف.

هذا التناوب الإيقاعي الحاد يلغي المسافة الزمنية والمكانية بين الخطاب السياسي والدم المراق على الأرض. يتميز الإخراج هنا بالابتعاد عن التجسيد الفردي للبطولة؛ فالفدائي في الفيلم لا يملك اسمًا فرديًا بارزًا، أو مكانًا خاصًا، بل هو كينونة جمعية، يظهر فجأة ويختفي بين الصخور والتلال، ما يعزز فكرة الذات الثورية الجمعية التي تحلّ محل الفردية البرجوازية السائدة في السينما التقليدية.

وتتجلى براعة سمير نمر في كسر الخطية الزمنية للفيلم الوثائقي التقليدي عبر خلق ما يمكن تسميته بـ”المونتاج الفكري المتصادم”؛ حيث لا يسير السرد في خط تصاعدي رتيب، بل يتفجر عبر مجاورة بصرية مقصودة بين لقطات الحياة اليومية للفلاحين في الحقول الهادئة بجمالياتها الفطرية، والانفجارات المباغتة لقذائف المدفعية الثقيلة التي تحيل المشهد إلى جحيم من الدخان والركام. هذا الصدام بين سكون الطبيعة وهمجية الآلة الحربية يخلق توترًا دراميًا يفرض على المتلقي استنتاجًا ذهنيًا مباشرًا: أن العنف ليس خيارًا عبثيًا اختاره الفدائي، بل هو رد حتمي على تدمير نمط حياة متجذر في الأرض، ما يجعل المونتاج نفسه أداة نقدية واعية تعري همجية القوة الاستعمارية، وتبرز حتمية الاشتباك.

وعلى صعيد بناء البنية المشهدية وتكوين الكادر، يبتعد الإخراج بوعي راديكالي عن تقاليد “سينما النجوم”، أو البطل الفردي الخارق؛ فالكاميرا تقترب من المقاتلين والفلاحين والنساء كأجزاء متساوية داخل التكوين البصري، من دون إفراد زاوية تفضيلية لشخص بعينه، حتى الوجوه الملثمة بالكوفية تتحول إلى علامة سيميائية موحدة للثورة تلغي الفروق الفردية.

ويعزز هذا التكوين البصري المفتوح فكرة “الشعب ــ الطبقة ــ الفدائي” ككتلة تاريخية واحدة، حيث تتلاشى الحدود بين من يزرع ومن يحمل البندقية ومن يتظاهر في الشارع، ليغدو الكادر السينمائي فضاءً ديمقراطيًا يجسّد فلسفة حرب الشعب طويلة الأمد، والتي لا يُصنع فيها النصر عبر بطل أوحد، بل عبر صمود جماعي يمتد من أصغر حجر في كفر شوبا إلى أبعد هتاف في العواصم العربية.

وتتجلى السينوغرافيا في الفيلم بوصفها “سينوغرافيا الواقع الخام”، حيث لا وجود لأي ديكورات مصنّعة، أو إضاءات اصطناعية مسرحية، إذ يُبنى الفضاء البصري من ركام البيوت المهدمة، الجدران المثقوبة بالرصاص، قذائف المدفعية الثقيلة غير المنفجرة (عيار 175 ملم)، والشعارات الوطنية المخطوطة بالطلاء على واجهات المنازل المهدمة مثل: “لتجعل من كفر شوبا رمزًا لصمود الجنوب”، وهنا تصبح الطبيعة نفسها جزءًا من السينوغرافيا الفاعلة؛ فشجر الزيتون، والصخور البازلتية، والتراب الوعر، ليست خلفيات جامدة، بل هي ملاذ الفدائي وسلاحه التكتيكي، حيث تعبّر كاميرا مطيع إبراهيم، وعمر المختار، عن حالة الحلول والتقمص الصوفي بين المقاتل وطبيعة الأرض، لتتحول الحجارة والوديان إلى متاريس دفاعية حية تُربك العدو، وتسقط عنصر المفاجأة.

“التتابع البصري الذي يقطع بين تصفيق وفود الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقطات الزحف العسكري والكمائن بين الصخور، يرسخ قناعة فكرية مفادها أن الشرعية الدولية للثورة لم تكن هبة من أحد”.

تتجاوز هذه السينوغرافيا الواقعية بعدها الوظيفي المباشر لتتحول إلى منظومة بصرية دالة على مفهوم “العمارة المقاومة”، حيث يُعاد تعريف المكان المدمر لا بوصفه مساحة للهزيمة، أو الفقد، بل كمسرح اشتباك مادي يُنتج شروطه الدفاعية الخاصة؛ فالأنقاض والكتل الإسمنتية المتهاوية تصبح خنادق مستحدثة، والفتحات التي أحدثتها القذائف في جدران المنازل تتحول تلقائيًا إلى مرابض للرماة ومنافذ للكمائن المتقدمة. تندمج هذه البنية العمرانية الجريحة مع الجغرافيا الطبيعية المحيطة في تشكيل بصري عضوي يلتقي فيه حجر الصوان بجذوع الزيتون والتراب المشتعل، ليعيد صياغة المشهد الطبيعي الجنوبي كدرع متكامل تتوارى خلفه أجساد الفدائيين، وتتلاشى فيه آليات الغزاة، مكرسًا بذلك فلسفة بصرية ترى في الأرض شريكًا عضويًا في القتال، لا مجرد مسرح جغرافي محايد تدور فوقه المعركة.

وتكتسب الحركة البصرية في الفيلم طاقة ديناميكية عبر استخدام كاميرا 16 ملم المحمولة على الكتف، والتي فرضتها ظروف الاشتباك والتصوير تحت نيران المدفعية، بحيث تتأرجح زوايا التصوير بين لقطات واسعة وشاملة للمنحدرات الجنوبية، لتوثيق سياق الأرض والهوية، ولقطات قريبة جدًا ترصد تفاصيل صمود الفلاحين، ووجوه الأطفال، وإصرار النساء وهنّ يجمعن ما تبقى من مؤونة الحياة، فيما تتحول اللقطة الوثائقية في أثناء القصف وحركة الآليات العسكرية إلى وثيقة إدانة بصرية مباشرة تفضح العنف المفرط لجيش الاحتلال، بينما تعكس اللقطات البطيئة والثابتة لجذور الزيتون وأوراق الشجر سكونًا مقدسًا يقاوم فوضى الحرب والدمار.

وتتعزز هذه الحركية البصرية عبر التناغم الدقيق بين حركة الكاميرا المتوترة وإيقاع تنفس المصور في قلب الميدان، حيث تتحول الكاميرا من مجرد وسيط توثيقي سلبي إلى عين مقاتلة منغمسة كليًا في خط النار؛ فالاهتزازات العفوية لعدسة 16 ملم في أثناء الجري، والانتقالات السريعة بين السماء الملبدة بالدخان وأيدي الفدائيين وهي تُلقم المدافع والرشاشات، لا تمثل عيوبًا تقنية، بل تؤسس لجماليات “سينما الحقيقة الثورية”، وهذا الانغماس الحسي يضع المتلقي داخل التجربة الفيزيائية للمعركة ذاتها، ليختبر رهبة سقوط القذائف وضغط المباغتة، قبل أن تهدأ حركة الكادر عمدًا في لقطات تتتبع أقدام الفدائيين الواثقة وهي تطأ الحصى والأعشاب البرية، ما يمنح الصورة شحنة تأملية عميقة تُبرز رسوخ الخطوة المقاومة وثباتها أمام هدير الآلة العسكرية العابرة.

ويؤدي الشريط الصوتي دورًا تأسيسيًا في بناء البعد الملحمي والدرامي للفيلم، متجاوزًا مجرد المرافقة التوضيحية للصورة، فالنص الشاعري لرسمي أبو علي، بأدائه الإلقائي الرخيم والمهيب، يرتقي بالصوت ليصبح مرثية ثورية ملحمية ونشيدًا تعبويًا يتناغم مع صوت القذائف وانفجارات المدفعية الميدانية المسجلة حيًا بواسطة رياض عبد الله.

وتتقاطع في الخلفية أغنيات الثورة الشعبية (وعهد الله ما نرحل، زاحفين فوق كل شبر من أرضنا) مع هتافات الجموع في الشوارع اللبنانية وهي تصدح “عاصفة… عاصفة”، ما يخلق نسيجًا متعدّد الأصوات يدمج صوت الفلاح الجنوبي بصوت الفدائي الفلسطيني وهتاف المتظاهر في بيروت، ليجعل من الصوت معادلًا رمزيًا للمقاومة العابرة للجغرافيا.

وفي ما وراء المضامين في “كفر شوبا”، يتجاوز التوثيق الآني لحدث عسكري وقع في مطلع عام 1975، إذ يستدعي الفيلم الرمزية الكربلائية، ومفهوم الفداء التاريخي (من ثورة 1936 إلى ملاحم سبعينيات القرن الماضي)، مؤكدًا أن التهجير ليس نهاية المعركة بل دافع متجدد للتجذر وحمل السلاح.

وتأتي قيمة الفيلم النقدية والتاريخية اليوم في كونه نموذجًا خالصًا للسينما الثورية الثالثية، أو الثالثة؛ تلك السينما التي لم تكن تُنتج للاستهلاك الترفيهي، أو المهرجانات البرجوازية، بل صُنعت داخل خنادق القتال كأداة تحريض وبناء للوعي الجمعي، ووصولها إلى أرشيف التضامن الياباني ورقمنتها اليوم يثبت أن الصورة المقاومة تظل حيّة وفاعلة، وقادرة على اختراق الزمكان لإعادة صياغة التاريخ المضاد للهيمنة.

* فيلم “كفر شوبا” عن نص للشاعر والكاتب رسمي أبو علي، وإنتاج مؤسسة السينما الفلسطينية ــ الإعلام الموحد

* تم النشر بتاريخ 6 ايلول 2026 في موقع الضفة الثالثة