سياسة صحف وآراء

المقاومة والسيادة والحياد

*شهيد نكد         

فكّر بعائلة لا تزال نازحة من قرية حدودية في جنوب لبنان، تحمل مفتاح بيت لم يعد موجوداً، طريق البيت انمحت معالمها، وولدها يكبر سريعاً بعيداً عن قريته وبيته. وفوق رأس هذه العائلة تدور نقاشات أكبر منها: المقاومة، السيادة، الحياد. الجميع تقريباً يتحدّث باسمها، لكن قلّة فقط تطرح السؤال المباشر: ما هي السياسة التي تعيد هذه العائلة إلى بيتها؟

التجربة الفنلندية

في مثل هذه الأيام من أيلول 1944، وقّعت فنلندا هدنة موسكو مع الاتحاد السوفياتي، لتنهي حربها الثانية معه خلال أقل من خمس سنوات. وكانت الأولى “حرب الشتاء” بين عامي 1939 و1940، حينها استبسل الجيش الفنلندي، الذي لا يُقارن عديده وعتاده بنظيره السوفياتي، وصمدت فنلندا مئة وخمسة أيام بشجاعة عسكرية قلّ نظيرها، لتتحول تجربتها لاحقاً إلى درس في العلوم العسكرية. لكن البسالة والشجاعة لم تكونا كافيتين. انتهت الحرب بمعاهدة موسكو في آذار 1940، وتنازلت فنلندا عن أجزاء واسعة من أراضيها للاتحاد السوفياتي، واضطر مئات الآلاف من سكان المناطق المتنازل عنها إلى ترك بيوتهم.

وفي سنة 1941، دخلت فنلندا الحرب مجدداً فيما سُمّي “حرب الاستمرار”، مقاتلةً إلى جانب ألمانيا بعد هجوم هتلر على الاتحاد السوفياتي. بدت الحسابات بسيطة ومنطقية: خسرت فنلندا أرضاً، وها هي الفرصة لاستعادتها. لكن ما كان واضحاً أيضاً أن دولة صغيرة، بإمكانات محدودة، ربطت جزءاً من مصيرها بمسار قوة كبرى وبحرب لا تملك التحكم بنتائجها. ومع انقلاب مسار الحرب، جاءت هدنة موسكو في أيلول 1944 لتثبّت معظم خسائر 1940، وتضيف إليها خسائر وشروطاً جديدة وتعويضات باهظة.

هنا تبرز أهمية يوهو كوستي باسيكيفي، ليس لأنه امتلك منذ البداية القراءة الصحيحة، بل لأنه امتلك ما هو أندر في السياسة: القدرة على مراجعة القراءة حين تغيّرت الوقائع. لم يمتلك باسيكيفي منذ البداية يقيناً بكيفية انتهاء الحرب، لكنه بدأ باكراً يشكّ في الرهان على ألمانيا وفي قدرة فنلندا على ربط مصيرها بمصير قوة كبرى. وبحلول 1943، كان قد وصل إلى قناعة بأن ألمانيا تتجه إلى الهزيمة، وأن استمرار الحرب قد يعرّض فنلندا لخسارة أكبر، وفي 1944 أصبح من الداعين إلى قبول تسوية مؤلمة مع موسكو. بالنسبة إليه لم تعد المسألة ما الذي تريده فنلندا، بل ما الذي تستطيع فنلندا حمايته.

وبعد الهدنة تولّى رئاسة الحكومة، ثم رئاسة الجمهورية، وبنى سياسته على قاعدة بسيطة: الاعتراف بالوقائع، لا الاسترسال في الرغبات. وفي 1947 امتنعت فنلندا عن المشاركة في مشروع مارشال رغم حاجتها الاقتصادية، تجنباً لمواجهة مع الاتحاد السوفياتي من دون مكسب استراتيجي يُعادل الخطر. وبعد تأسيس حلف الناتو سنة 1949، بقيت فنلندا خارجه. لم يكن ذلك حياد اللاموقف، ولا خضوعاً كاملاً لموسكو، بل محاولة لتوسيع هامش استقلال دولة صغيرة تعيش بمحاذاة قوّة عظمى. ومن هنا نشأ الخط الذي عُرف لاحقاً بسياسة باسيكيفي ـ كيكونن: سياسة يمكن وصفها بالحياد البراغماتي، تقيس الموقف بالقدرة وبالكلفة، لا بالمبدأ وحده.

القياس في مواجهة التخطّي

هذه البراغماتية ليست باردة ومن دون لون، فخلف سؤال القدرة والكلفة، يقف سؤال أعمق: هل تبقى القضيّة عادلة إذا ارتفع ثمنُها بما يفوق قدرة المجتمع الذي يُفترض أنها تحميه؟

بالنسبة للفيلسوف ألبير كامو، فإن المعضلة تظهر حين تصبح القضية أكبر من الانسان الذي قامت باسمه، واضعاً القياس بوجه التخطّي. فالقياس بالنسبة لكامو هو أن يبقى التمرّد ضمن حدود تحمي الانسان الذي انطلق التمرّد باسمه، بينما التخطّي هو أن تتحوّل القضيّة إلى مطلق يُبرّر تجاوز هذه الحدود. وهنا يتحوّل السؤال من: “هل القضيّة عادلة؟” إلى “ماذا يبقى من عدالتها حين تصبح كلفتها على الانسان أكبر من قدرتها على حمايته”؟

من يملك جرأة المراجعة في لبنان؟

وفي لبنان، لا تبدو هذه الأسئلة فلسفية على الإطلاق؛ فالتمرّد والقضية والكلفة وحدود ما يستطيع المجتمع تحمّله تقع في صلب الانقسام السياسي القائم.

فحزب الله، ومن يدور في فلكه، رفعوا “المقاومة” إلى مرتبة تكاد تعفيها من امتحان الكلفة. فامتلاك السلاح والقدرة على اتخاذ قرارات عسكرية تتجاوز الدولة والمجتمع يضعان على الحزب مسؤولية استثنائية لا يمكن مساواتها بمسؤولية الآخرين. فلا شيء، لا شيء بتاتاً؛ لا قضيّة ولا دين ولا الله يعفي من السؤال عن الكلفة التي يتحملها مجتمع كامل.

لكن هذه الحقيقة لا تمنح خصوم حزب الله براءة سياسية؛ فالمشكلة عند جزء واسع من المعسكر المقابل ليست فقط في ضعف قدرته على فرض ما يريده، بل في تحجّر موقفه أيضاً. هو يطالب حزب الله بالواقعية، لكنه كثيراً ما يعفي نفسه منها؛ يطالب خصمه بمراجعة خياراته، فيما يعتبر مراجعة خياراته هو تنازلاً؛ ويتحدث عن الحياد، بينما اختار هو أيضاً موقعَه في الصراع الإقليمي، سياسيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا. فالحياد لا يصبح حيادًا لمجرّد أن يُطلق أصحابه عليه هذا الاسم.

لذلك، يصبح استخدام كلمة “الحياد” مضللاً حين تعني في الواقع الانتقال من اصطفاف إلى اصطفاف آخر. فالحياد البراغماتي، كما أظهرته التجربة الفنلندية، ليس إعلاناً أخلاقياً ضد طرف لمصلحة آخر، ولا رغبة في استبدال محور بمحور. هو قبل كل شيء قدرة على قراءة الجغرافيا وموازين القوى، وتحديد ما يمكن للدولة أن تحققه وما لا تستطيع تحقيقه، ثم بناء السياسة على هذه الحدود.

والخطر في التصلّب أن كلفته لا تظهر دائماً بصورة مسيّرة أو صاروخ. قد تظهر في تعطيل تسوية ممكنة، أو في رفع سقف سياسي لا توجد أدوات لتحقيقه، أو في دفع المجتمع إلى انتظار نتيجة لا يستطيع أحد أن يضمنها. هنا يصبح الجمود نفسه خياراً سياسياً، وله كلفته مثل سائر الخيارات.

بهذا المعنى، لا تكمن الشجاعة السياسية في رفع الصوت على الخصم. الشجاعة الأصعب هي أن يقف شخص داخل معسكره ويقول له:  نعم، قد تكون قضيتنا محقّة، لكن حساباتنا قد تكون خاطئة. هذا ما فعله باسيكيفي في لحظة قاسية من تاريخ بلاده، وهذا تحديداً ما نفتقده في لبنان: كثيرون يجيدون محاكمة المعسكر الآخر، وقليلون يملكون الجرأة على محاكمة معسكرهم.

وتبقى تلك العائلة النازحة هي الامتحان الأبسط لكلّ هذا الكلام، فهي لا تسأل من كان أكثر صلابة، بل من يستطيع أن يُعيدها إلى بيتها.

 *  تم النشر بتاريخ 12 أيلول 2026 على موقع المدن