سياسة صحف وآراء مجتمع

حق طلاب الجنوب بالعلم رغم تصاعد العدوان والنزوح:تراجع دور التعليم المدرسي يضاعف الضغط على الأهالي

الدكتور زهير هواري

بيروت 11 أيلول 2026 ـ بيروت الحرية

مع انطلاقة العام الدراسي 2026 -2027 منتصف الشهر الجاري، يقع الأهالي في ورطة مزمنة تدور حول تدبير الأقساط المدرسية لتسجيل أولادهم في المدارس الخاصة. أما في المدارس الرسمية فهناك التخوف لدى الأهل ليس من دفع الرسوم ، بل من مسلسل الاضرابات الذي قد يطغى على هذا العام كما قبله، بفعل تراجع قيمة الرواتب للأساتذة والمعلمين في القطاعين والاعتماد على التعاقد. ثم هناك التراجع الحاد الحاصل في نسبة ارتياد المدرسة الرسمية بالمقارنة مع المدرسة الخاصة، الأمر الذي يضاعف الأعباء وسط معضلات اجتماعية واقتصادية. وتشير بعض المعطيات إلى أن التراجع في ارتياد المدرسة الحكومية يتابع مساره دون توقف رغم الانهيار في الاوضاع المعيشية للأهل. ويبدو أن النسبة المئوية باتت في حدود الـ 20% للرسمية و80 % للمدرسة الخاصة. وهذه النسبة إن كانت تعني من أمر فهي تعني أن ذوي التلامذة الذين دأبوا على تسجيل أبنائهم في القطاع الخاص سيبيعون “ما فوقهم وما تحتهم” لتأمين الأقساط لأبنائهم. ومن المعلوم أن البعض يعمد إلى بيع عقار أو طلب النجدة من أقارب له في المهاجر، عدا أولئك الذين يطرقون أبواب المرجعيات السياسية والدينية متسولين منها التدخل لتخفيض قيمة الأقساط.

انواع ومشاكل المدارس الرسمية 

ونبدأ من المدرسة الرسمية. وزيرة التربية د. ريما كرامي جالت على محافظتي الجنوب والنبطية لمعاينة الوضع عن كثب باعتبار أن حق أبناء الجنوبيين وسائر اللبنانيين بالتعليم خارج الجدل. وتبين أنه في هذه المنطقة كما سواها من أنحاء الجنوب هناك ثلاثة أنواع من المدارس: الأولى المدمرة كليا، إذ من المعلوم أن اسرائيل عمدت إلى تسوية ابنية مدارس بالأرض ضمن سياسة الحؤول دون عودة الأهالي إلى ديارهم.  والثانية وهي المتضررة وعددها هنا بالمئات بعد أن طالها القصف أو تضررت بفعل ما أصاب محيطها من غارات وأعمال عسكرية. والثالثة هي التي يقيم فيها مهجرون من القرى نفسها أو من المحيط القريب. بالنسبة للمدمرة أعلنت كرامي أنه سيتم تأمين غرف جاهزة للتعليم ما دام المدرسون والتلامذة عادوا إلى قراهم وبإمكانهم ممارسة العملية التعلمية. أما المتضررة فيجري العمل على اصلاح ما يمكن اصلاحه من الاضرار، بعد أن حصلت الوزارة على مساعدات قدمتها الجهات المانحة. وتبقى المدارس التي تحولت إلى مآوٍ للمهجرين، وهذه جرى تقسيم بعضها إلى قسمين: قسم يبقى بتصرف المهجرين حتى “الفَرَج”، وقسم عاد للعب دوره التعليمي. بالطبع أكدت كرامي على حق كل طفل بالحصول على التعليم. أهمية الخطوة أنها تثبت العائدين في قراهم وبلداتهم، إذ فقدان المدرسة من شأنه أن يدفع الأهل للمغادرة والعثور على مسكن قريب من مدرسة للأبناء.

وتنطلق وزارة تربية في تعاطيها مع العام الدراسي الجنوبي من مبدأ المرونة، فكان القرار أن تكون هناك مناطق تعتمد التعليم الحضوري الكامل وأخرى عن بُعد، وتقول كرامي : استطعنا بالتعاون مع المحافظ بالإنابة منصور ضو إخلاء مدارس من النازحين لتبدأ باستقبال طلابها، في المقابل لدينا مدارس أخرى فيها نازحون وفيها عدة مبان سنتقاسمها. ومدارس أخرى فيها أكثر من مبنى، وفي الوقت نفسه سيبقى لدينا مجموعة صغيرة من المدارس التي نعمل جاهدين أن يكون عددها قليلًا لتنطلق بالتعليم عن بُعد ريثما نؤمن مراكز فعلية لتعليمهم”. وأكدت أن الوزارة ستتخذ قرارات مؤقتة بالتعليم عن بُعد في حال عدم جهوزية المباني المتضررة، وشجّعت كل التلاميذ للعودة الى مناطقهم ومدارسهم، وقالت: “سنعمل على تأمين غرف جاهزة لتأمين التعليم”. لكن التخوف الأساس هو لدى الأهالي الذي يبقى سيد الموقف. فالأهالي الذين سبق ونزحوا عن بيوتهم لا يأمنون شر اسرائيل مجددا. لذلك ظل قسم منهم في الأماكن التي قصدوها في الجبل والبقاع وصيدا والعاصمة. وهؤلاء يتخوفون من عودة القتال ما دفعهم إلى تسجيل أبنائهم في مدارس ضمن المناطق التي لجأوا إليها أو استأجروا فيها منازل.

مسألة الدمج

وما دمنا نتحدث عن المدارس الرسمية نشير إلى مسألة الدمج التي اعتمدتها الوزارة في عدد من المدارس في مناطق مختلفة، وأثارت البعض الذين يريدون الحفاظ على مدارس عدد التلامذة فيها أقل من عدد الأساتذة. بالطبع هذا الوضع لا يسري على الجنوب بظروفه الخاصة، أو تلك البعيدة عن توفير بدائل يمكن أن يلجأ إليها التلامذة الذين اُقفلت مدارسهم. الإتهامات التي توجهت نحو الوزارة متعددة أبرزها غياب المعايير وتبدلها بين هذا المنطقة وتلك سواء للتعليم الإبتدائي أو الثانوي. المهم أن الوزارة شرحت معايير الدمج ورأت أنها واضحة للجميع. وهي ألا يقل عدد الطلاب المسجلين فيها عن خمسين طالباً في حال كان مبنى المدرسة ملكاً للدولة. أما في حال كان المبنى مستأجراً ويطالب أصحابه بزيادة قيمة الإيجار، عملاً بقانون الإيجارات الجديد، فقد يتم دمج مدرسة مع أخرى قريبة، حتى لو كان عدد طلابها يزيد عن مئة طالب.  والثابت أن العملية برمتها هدفها عصر النفقات في الوزارة.

وتضيف المصادر أن خطة الدمج تقوم بشكل أساسي على عدد طلاب المدرسة وعلى نوعية المبنى (من أملاك الدولة أو مستأجر) وعلى ارتفاع الكلفة التشغيلية، وثمة دراسات تفيد أن كلفة تعليم كل طالب في القطاع الرسمي تتراوح بين 3 و5 آلاف دولار. نشير إلى أنه كان مقررا الشروع في خطة الدمج العام الماضي إلا أنه أرجيء إلى هذا العام كي يتسنى للمدارس ترتيب أوضاعها واستقطاب المزيد من الطلاب، وبالتالي زيادة عدد تلامذتها. والجدير ذكره أنها ليست المرة الأولى التي تعمد فيها الوزارة إلى ممارسة مبدأ الدمج، بعد أن تبين أن هناك عشرات المدارس تعتبر متعثرة مزاريب للهدر المالي في الوزارة. فعندما كان الوزير حسن منيمنة وزيرا للتربية والتعليم العالي جرى اقفال أكثر من 70 مدرسة في عموم المناطق. وقامت خلالها القيامة، ثم لم تلبث أن قعدت، بعد أن تبين صوابية القرار بالنظر إلى الأعطاب التي تعانيها هذه المدارس وتمنّع الأهالي عن تسجيل أبنائهم فيها.

المدارس الخاصة وزيادات الأقساط

هناك نسبة لا بأس بها من الأهالي تعجز عن دفع رسوم التسجيل عن أبنائها في المدارس الرسمية، ويندرج من بين هؤلاء العاطلون عن العمل والمياومون والأجراء المؤقتون ومن يحصلون على الحد الأدنى للأجور ومن يماثلهم ، فكيف اذا ما توقفنا للتدقيق في وضع الأهل أمام حمّى ما يتوجب دفعه لدى مؤسسات المدارس الخاصة، التي تعمد سنويا إلى رفع قيمة أقساطها إلى الحد الذي يعجز معه الأهل عن دفع المترتب عليهم، ما يحول دون حصول أبنائهم على دفاتر العلامات للانتقال إلى مدارس أقل كلفة.

وسنويا ترتفع أصوات المدارس الكبرى نتيجة تصاعد نسبة العاجزين عن دفع المتوجب عليهم من مترتبات لا تنحصر بالأقساط ، إذ تشمل الكتب والقرطاسية والحقائب والزي المدرسي وثياب الرياضة والأنشطة وأكلاف الإنتقال وغيرها. ومن المعروف أن ارتفاع الأقساط لا يضاهيه سوى الارتفاعات الشاملة في شتى متطلبات الحياة اليومية من المأكل والمشرب والثياب و الطبابة وفاتورتي الكهرباء والمياه والهاتف واسعار المحروقات وسوى ذلك من مقومات حياة. والواضح أنه منذ حدوث الانهيار الاقتصادي في العام 2019 والأسر تئن من ثقل معاناة أوضاعها التي تتجاوز خسارة مدخراتها في البنوك، إلى انهيار القدرة الشرائية لليرة، التي فقدت ما لا يقل عن 90% من قيمتها بفعل التضخم المتصاعد، الذي ضاعفته الإضافات التي أحدثتها الحكومة على بدلات الخدمات والمعاملات التي يضطر المواطن إلى القيام بها.

دولرت الأقساط دون الرواتب

وما يزيد الطين بلة هو أن الإدارات المدرسية الخاصة دولرت وتدولر أقساطها، وترفض في الوقت نفسه دولرة رواتب معلميها. وهذا ما دفع بمئات وألوف المعلمين والمعلمات إلى الهجرة ومغادرة البلاد نحو دول قريبة أو بعيدة لا فرق. خصوصا وأن راتب الأستاذ المؤهل جامعيا انخفض في السنوات السابقة إلى حوالي الخمسين دولار شهريا فقط لا غير. وقد رفع الأساتذة الصوت عاليا مطالبين بتأمين كلفة النقل على حساب ادارات المدارس، بعد أن بات سعر صفيحة البنزين يمثل عقبة أمام وصولهم إلى أماكن عملهم، وهو ما سيتكرر هذا العام. أما في القطاع العام فعمدت الوزارة إلى تحديد أيام العمل الاسبوعي لأستاذ الملاك بما يتراوح بين يومين وثلاثة أيام في الأسبوع كحد أقصى. وما ينطبق على المعلم ينطبق على التلميذ والطالب الذي هو مضطر إلى قصد المدرسة يوميا ذهابا وإيابا. لذلك نشهد تلك الكثافة الملموسة في استعمال الدراجات النارية، ينقل بها الأهل أبناءهم إلى المدارس ومنها.

حتى الآن لا يعرف معظم الأهالي مقدار الزيادات المقررة على الأقساط السنوية هذا العام، لكن بعض المدارس وخصوصا في المناطق الفقيرة وخشية خسارة تلامذتها عمدت إلى تخفيض الزيادات وما يتوجب على الأهالي دفعه. لكن هناك مصارفات لا بد من دفعها والأبرز منها هو أكلاف التدفئة في المناطق الجبلية خصوصا، حيث يشهد سعر المازوت ارتفاعات اسبوعية جعلت صفيحته تقارب سعر صفيحة البنزين. والملفت أن عملية ضبط الأقساط لا تدخل في الاهتمام السياسي، وهو ما تتحمل المسؤولية عن القيام به السلطة التشريعية ممثلة بلجنة التربية النيابية،  التي ينبغي عليها أن تعمل “تشريعياً” على متابعة وضبط انفلات الأقساط والموازنات بالعملة الأجنبية، وكيفية انعكاس الزيادات على أجور المعلمين وعلى أوضاع الأهالي.

على أي حال، الثابت أنه لا يمكن الاستمرار بسياسة “لحس القطة للمبرد”، حيث يسيل دمها فتظن أنه دم المبرد، إذ إن أي حل مهما بدا منطقيا يظل أعجز علاج الوضع، ويبقى الحل الحقيقي في إعادة الاعتبار للمدرسة الرسمية، وتأهيلها للعب دور المنافسة مع المدرسة الخاصة كما ونوعا، وبما يعفي الأهل ذوي القدرات المالية المحدودة من الوقوع تحت ضغط جشع التعليم الخاص، وبيع أملاكهم ومقتنياتهم لتأمين أقساط مدارس أبنائهم. وهذه مسؤولية وزارة التربية وروابط المعلمين والبلديات والمجتمع المدني الذين يتوجب عليهم جميعا إيلاء المدرسة الرسمية الاهتمام الفعلي الذي تستحق، بما يعيد وضعها على سكة إلحاق الأهل لأبنائهم بها في هذه الظروف القاهرة.