سياسة صحف وآراء

  قوة حزب الله

* محمد حجيري  

الكلام الوارد في بعض التعليقات والكتابات عن قوة حزب الله، ومسؤولية القوى اللبنانية الأخرى عن نماء هذه القوة، فيه شيء من الاختزال، وإن كنا لا نبرئ هذه القوى السلطوية، التي أظهرت فسادها وعجزها وضعفها في المواجهة، وحتى تحالفها مع قوى الأمر الواقع.

ولد حزب الله في خضم الانقسام اللبناني، ومن بوابة دمشق، بتمويل من إيران تحت لافتة تحرير فلسطين والقدس، وفي ذروة الخراب والحرب والاجتياح العام 1982، واستمر عقوداً. بنى امبراطورية عسكرية وتعليمية وطبية وتجارية ودفاعاً مدنياً ومنشآت ومؤسسات وشركات بناء ومؤسسات مالية، ليستحق توصيف دولة موازية تضم آلاف الموظفين شديدي الولاء والتنظيم والانتفاع. طوال سنوات الوصاية السورية والرعاية الإيرانية، كان حزب الله خارج أي محاسبة أو مساءلة، وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005، كان حزب الله سلطة بديلة من الوجود السوري، وله حضوره في القوى الأمنية والمرفأ والمطار الدولي والمحكمة العسكرية والجامعة اللبنانية والوزارات والمناصب. بات الآمر الناهي في الشاردة والواردة، وكل شيء يجب أن يوافق عليه، من تسمية رئيس الحكومة إلى “التوافق” على رئيس الجمهورية والوزراء والوظائف، والناس في الشارع لم ينتظروا مقررات مجلسَي الوزراء والنواب بقدر ما كانوا يستمعون إلى خطاب حسن نصرالله عبر شاشة “المنار”.

من بين الاغتيالات السياسية الكثيرة التي يُتهم بها حزب الله، من الثمانينات وصولاً إلى الألفية، استطاعت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التوصل إلى نتيجة ملموسة واحدة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بإدانة القيادي في حزب الله سليم عياش. وإذا ما تجاوزنا هذه الاغتيالات التي كسرت ظهر خصومه، وسردنا الأحداث التي نفذها الحزب منذ ما قبل العام 2005، بالتحالف والتواطؤ مع النظام السوري، نجد أنه كان قوة إقليمية أكبر من الواقع اللبناني. فعدا عن عسكرة المجتمع الجنوبي وغيره، جعل الكثير من البيوت مستودعات أسلحة، والكثير من الأراضي أنفاقاً تحت الأرض، إضافة إلى قدراته الهائلة، المادية واللوجستية، في صناعة الحلفاء والاتباع من مختلف الطوائف. وشطَر الناس فسطاطَين: “أشرف الناس”، و”الخونة وعملاء السفارات”. قوّة حزب الله لم تكن طارئة ولا مستجدة، بل هي نتاج سنوات من الضخ المالي والتدريب العسكري، إلى جانب الأعمال الميدانية والشهداء وبناء الصلات الاجتماعية. حتى أن الحزب سيطر على كل مفاصل الحياة عند الطائفة الشيعة، من حارس البلدية إلى مختار المحلة.

من بعد 2005، يمكن سرد بعض الوقائع التي تظهر أن الحزب يمارس الغلبة في كل القضايا الخارجية والداخلية، يعامل الدولة كملحق به، سواء في حرب تموز 2006 وعبارة “لو كنت أعلم” الشهيرة لنصرالله، أو اتفاق مار مخايل، أو اعتصام وسط بيروت الذي استمر نحو سنتين، وغزوة 7 أيار 2008 “المجيد” على بيروت والجبل، واتفاق الدوحة، وسنوات التعطيل لأجل وزير أو رئيس أو ثلث معطل، ثم الانخراط في الحرب السورية 2011 تحت مسمى “حماية المراقد الدينية”، وإسقاط حكومة سعد الحريري وهو على أبواب البيت الأبيض، وانتشار القمصان السود في بيروت، وحكومة اللون الواحد الميقاتية، وحرب إسناد غزة 2023 وحرب إسناد إيران… لم يخض الحزب حرباً بالاتفاق مع أحد، ولا بإجماع من أحد، وإن حاول التيار العوني الاستفادة من حروبه في مقابل “تغطيتها” مسيحياً.

لعل القوى اللبنانية، بسبب فسادها وتسوياتها، مسؤولة عن ترهل وتلاشي جزء من المجموعات الشيعية الخارجة عن سلطة الثنائي، لكن هذه المسؤولية تعتبر أمراً ضئيلاً أمام حجم الضغط الذي يمارسه حزب الله على خصومه وأبناء جلدته، بقوة المال والسلاح والإعلام والتهديد، وتحديداً في مواسم الانتخابات النيابية، وفي بعض المطالب كان يجبر كل شخص يهاجم الحزب وقيادته، على الاعتذار، وما زال يفعل ذلك… وحتى الآن تبدو الدولة عاجزة عن حل معضلة حزب الله.

* نشرت بتاريخ 12 أيار 2026 على موقع المدن