اقتصاد

عربة الصندوق قبل حصان النفط       

غسان العياش 

كلما تفاقمت الأزمات الاقتصادية ونتائجها الاجتماعية تتأكّد الحقيقة الراسخة بأن هذه الأزمات هي سياسية في أسبابها وفي جوهرها، واقتصادية في مظهرها الخارجي فقط. التخبّط في عمل السلطة التشريعية لا تقلّ نتائجه السلبية عن الفوضى والفراغ   وهدر الطاقات في أداء السلطة التنفيذي.

لا نعرف كيف نصفُ إقرار المجلس النيابي في الأيام الأخيرة من العام المنصرم قانون الصندوق السيادي، المخصّص لإدارة الثروة النفطية، أهو تضليل للرأي العام أم بيع أوهام للشعب اللبناني؟ أم هو فصلٌ في مسرحية هزلية جديدة تدور فصولها على مسرح الحكم في لبنان؟

فإنشاء الصندوق السيادي خطوة جاءت قبل أوانها بعدّة سنوات، فيما ينتظر اللبنانيون منذ سنة 2019 قوانين حيوية كان من الواجب إنجازها منذ اليوم الأوّل لانفجار الأزمة. حتى الآن لم يقرّ المجلس النيابي القانون الذي يضع قيودا على السحوبات والتحويلات المالية المعروف باسم قانون الكابيتال كونترول. فلو سارع المجلس، بالتعاون مع الحكومة، إلى إصدار هذا القانون الذي طال انتظاره في بداية الأزمة، لتمّت حماية جزء كبير من الودائع في المصارف اللبنانية ومنع النافذون في الحياة السياسية والقطاع المصرفي من سحب أموالهم أو تحويلها إلى الخارج، فيما الكثرة الساحقة من المواطنين تنتظر آخر كل شهر لكي تتصدّق عليها المصارف بالقليل من الدولارات، التي لا تكفيها إلا لبضعة أيام من الشهر الجديد.

والأمر نفسه بالنسبة إلى قانون الانتظام المالي الذي تتقاذفه الحكومة ومجلس النوّاب دون أن يبصر النور. وهذا القانون هو “أم التشريعات” في الأزمة التي ضربت النظام المالي والمصرفي في لبنان. فهو القادر على تحديد الخسائر في النظام المالي وتوزيعها توزيعا عادلا بين المسؤولين عنها، الدولة ومصرف لبنان والمصارف، فتستعيد المصارف اللبنانية بعضا من الثقة التي فقدتها ويستعيد المودعون ما أمكن من حقوقهم المهدورة، خصوصا إذا اقتنعت الحكومة بالإقلاع عمّا تسمّيه “خفض قيمة توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان بالعملات الأجنبية”، أي عمليا شطب مبلغ 73 مليار دولار من إيداعات المصارف لدى مصرف لبنان، ومن ثمّ شطب القسم الأكبر من ودائع المودعين لدى المصارف اللبنانية.

يرتبط بهذا القانون، أو يتفرّع عنه، قانون “إعادة هيكلة المصارف اللبنانية” الذي لا زال حبرا على ورق. فقد حوّل نائب رئيس الحكومة إلى الأمين العام لمجلس الوزراء مشروع قانون تبرّأ منه سلفا، إذ وصفه بأنه نصّ مشروع ورده من لجنة الرقابة على المصارف ومصرف لبنان. وقد ووجه مشروع القانون هذا باعتراضات صاخبة لأنه يسعى إلى إعادة هيكلة المصارف اللبنانية قبل تحديد خسائر القطاع المصرفي وتعيين نصيب الأطراف المختلفة من هذه الخسائر. وقد أثار ذلك المخاوف الكامنة من العودة إلى الفكرة المشبوهة التي برزت في خطّة حكومة رئيس الحكومة السابق حسّان دياب، وهي تقضي بتصفية المصارف القائمة لكي تحلّ محلها خمسة مصارف جديدة، سوف يتمّ توزيعها على أصحاب النفوذ والسطوة في النظام الطائفي السياسي. ويتمّ ذلك على قاعدة شطب ودائع المودعين وتحميلهم وزر الأزمة التي عصفت بالنظام المالي وتجاهل مسؤولية الدولة، بواسطة وزير المالية، وإلى جانبها مصرف لبنان وإدارات المصارف.

قبل إقرار هذه القوانين الحيوية، والتي كان من الواجب أنجازها فور هبوب العاصفة على اقتصاد لبنان ونظامه المالي، قفز مجلس النوّاب في خطوة مضحكة ومبكية إلى خطوة متسرّعة وأقرّ قانون إنشاء الصندوق السيادي، على أن يعمل به عند اكتشاف واستخراج الثروة النفطية الموعودة. هذا القانون الذي أبصر النور يحدّد أصول وقواعد إدارة الثروة البترولية في لبنان “لصالح الأجيال المقبلة والمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة”.

ما يدعو للاستغراب أن البلدان التي سبقتنا إلى اكتشاف واستخراج واستثمار الغاز والنفط انتظرت سنوات قبل إنشاء صناديقها السيادية التي تدير هذه الثروة، وأخذت هذه البلدان فسحة من الوقت لا تقلّ عن ثماني سنوات بعد استخراج النفط لكي تطلق صناديقها السيادية. فالنروج تريّثت حوالي العقدين قبل إطلاق صندوقها السيادي وهو الأكبر والأنجح في العالم حاليا، وقد حقّق في النصف الأوّل من العام أرباحا قدرها 143 مليار دولار وهو أكبر مستثمر منفرد في سوق الأوراق المالية على مستوى العالم. شهدت استثمارات الصندوق في الأسهم أداء قويا في النصف الأول من سنة 2023 بعد ضعفها في 2022، وقد بلغ عائد استثمارات الأسهم 13.7 بالمئة خلال هذه الفترة.

فما هو السرّ الذي جعل التشريع “السلحفاتي” في لبنان يسارع إلى تأسيس الصندوق السيادي اللبناني فيحدّد نظام الصندوق وهيكلية إدارته ونسب استثمار أمواله قبل أن يتأكد وجود الثروة النفطية في لبنان، بل بعد مرور بضعة أشهر على فشل أوّل محاولة لاستكشاف الغاز في المنطقة المعروفة ببلوك رقم 9 في أقصى الجنوب؟

لا تفسير لذلك سوى أن القوى المهيمنة على النظام السياسي تريد أن تحجز من الآن حصّتها في استثمار النفط والغاز وأن تتقاسم مبكرا مقاعدها في مجلس إدارة الصندوق. ليكن ما يكون، إلا أن الرأي العام يطالب السلطتين التشريعية والتنفيذية باعتماد مبدأ الأهمّ قبل المهمّ، فتعطى الأولوية للمشاكل الطارئة وضمان إعادة أموال المودعين إلى أصحابها، قبل تنظيم استثمار ثروة موعودة لا شيء يؤكّد حتى الآن وجودها في البحر أو البرّ.

 *   نشرت على موقع فرح، بتاريخ 2 كانون الثاني 2024، نشرة فصلية إعلامية تصدر عن رابطة أصدقاء كمال جنبلاط

Leave a Comment