مجتمع

صيادو صور أمام وقائع الاهمال وغياب النقابة : مشكلات المهنة تتراكم برعاية قوى الأمر الواقع

كتب حسين سكيكي

” إنطر سمك بالبحر ..!

 فظيع هو الموت “عطشاً”  في البحر ( نيتشه)

ما أن تطأ قدماك أرض ميناء الصيّادين حتى تبدأ “بترتيل” أغنية كتَبها ميشال طعمة وغنّاها وديع الصافي : ريحة أراضينا عم بِ تنادينا

إمشِ وطير بينا

من مينا لمينا

ودّينا بلدنا

تانشمّ ترابها يا ريس…

 وسُرعان ما تنقلك جولتَك إلى أغنيةٍ أخرى لمرسيل خليفة وكاتبها المجهول :

شدّوا الهمّة الهمّة قويّة

طلع الغربي الغربي بيصفر

تحت المينا الجوع بيحفر…

أأبديّةٌ هذه العلاقة بين حبِّ الوطن والفقراء…؟

هادئ وساكن كل شيء في ميناء صور على عكسِ البحر المتلاطم والقلِق…. هدوء المكان  يعود إلى الأزمات المُعقدة والمتشابكة التي يعاني منها قطاع متروك وحده. شأنه شأن بقية القطاعات الإنتاجية في البلد…

قال لي بسّام: كان البحر غنيّاً، والسمكة فيه لا تهدأ. وكان الصيّادون، فيما مضى، يبيعون سمكة صور اللذيّذة في قبرص، حين تفيضُ الكمية عن استهلاك السوق المحليّ. ويشترون من هناك حاجياتهم من المنتجات القبرصيّة… كانت الغلّة تتراوح بين ٢٠٠$ و٤٠٠$ إسبوعيّاً حسب التوافيق..! ذروةُ غِنى البحر كان، للأسف، في فترة، الإحتلال الإسرائيلي للمدينة الذي منع الخروج إلى البحر إلاّ بإذن، وحذّرَ من استعمال أساليب الصيد غير القانونيّة (ديناميت وحربة)… البحرُ أصبح مثلنا فقيراً وبأزمة مستعصية، (كان حنوناً وبيّ المعتّرّ..!)… يعود تدني الثروة السمكيّة فيه لِلتلوث العام والذي أصابه في الصميم، ولإجتياح الإسمنت كساحات على الساحل، وتراكم جبال النفايات على امتداده، وتحويل مياه المجارير وسموم المصانع إلى البحر.. ناهيك عن تزايد المراكب السياحيّة لميسورين ونافذين، حوْلوا الميناء من مينا للصيادين إلى مينا للسوّاح من خلال إعطائهم أرقاماً ورُخصاً مُخصّصة لِلانشاتِهم طيلة السنة في حوض المينا، ما حرم الصيّادون الفعليّون من إيجاد مكان لرسو قواربهِم .! كيف لِصيادٍ فقير أن يُغامِرّ بشراء قارب (تقسيط بالدين) تتعدى كلفته الـ٣٠ ألف دولار قبل أن يؤمن له المرسى الآمِن..؟؟ كذلك “تكاثرت” رخصِ الصيد لِلهواةٍ دون مراعاةٍ للشروط القانونية… كانت البلدية والريجي، لغاية العام ٢٠١٨، ولأهداف دعائية سياسيّة وانتخابيّة تقومان بتجديد دفاتر المراكب، ودفع رسومها السنويّة،الميكانيك، والتي توقفت بعد  اندلاع إنتفاضة ١٧تشرين ٢٠١٩.

 وبالتأكيد يزيد من الأزمة إقفال مبنى المزاد (حيث يجب أن يُباع السمك الطازج أمام الملأ ودون سماسرة). بُعيّد إفتتاحهُ الرسميّ في صيف العام ٢٠١٧، وإغراق السوق المحليّ بالأسماك المجلّدة (طرد) التركيْة والخليجيّة وغيرها، والمدعومة من أموال المودعين وبأسعار تنافسية…. الأزمة زادَ إحتدامها مع تصاعد الكلفة العامة بسبب غلاء الشِباك وكلفة إصلاحِهِ ناهيك عن إصلاح القوارب وبدل المازوت وغيرها من أكلاف.

 صيدُ السمك كان بالنسبةِ للكثيرين هواية ورياضة، سواء بالصنارة أو بالبارودة. ومع اشتداد الأزمة الإقتصاديّة أصبح مهنة للتحصيل الرزق والتخفيف من تكاليف العيش… السمكةُ المحلّية بطيئة لا تتحرك (تعبير عن الندرة وقلة الغلال)، ومعظم السمك الموجود يأتي من مصر، إذ تحمله ألينا التيارات المائيّة الشمالية.. أمام كل هذه الكم من المشكلات الحلّ برأي الصيادين هو في إنشاء المحميّات البحريّة والمزارع، وإلاّ فَوداعاً لسمكةِ صور ولنكهتها المميّزة….  بالطبع هناك الكثير من الاجراءات المطلوبة لتقليص التلويث وحماية الشاطئ ودعم أسعار الشباك وتفعيل العمل التعاوني وما شابه. 

الصيّادون الفعليّون في منطقة صور يِقدرّ عددهم بِـ ٤٢٠ صيّاداً، وهذه تقديرات الصيادين البسيطة، وأساسها تعداد الفلوكات الراسية في الميناء، وعددها تقريباً ١٣٠ فلوكة يخرج على متن كل واحدة منها ٣ صيادين(٣٩٠)  زائد ٣٠ صياداً من كبار السنّ نسبيّاً، الذين يحصلون على إذونات وتراخيص خاصة فرديّة لهم ليتمكنوا من  المشاركة في رحلات الصيد (خبرة مضافة) …

لا نقابة فاعلة تحمي الصيادين. فالنقابة انتهى دورها الشكليّ باعتكاف رئيسها خليل طه منذ عام تقريباً… رغم أنّ لا نظام داخلي حكمها ويحكمها، ولا نبض حياة نقابيّة فيها.. وعملاً بتقاسم الحصص والمراكز، فقد أنشئت نقابة لصيادي، الأسماك  في  الناقورة، يملكون ما يقل عن ١٥ فلوكة، وعددهم حوالي ٣٥ صياداً يرأسها صياد من آل البواب من صور….

أزمة الصيادين تتفاقم في ظل الفقر المتصاعد مترافقاً مع تفشي وباء الكورونا، وهم محرومون من الضمان الإجتماعي، رغم أنّ مشروع إنتسابهم إليه ما زال قابعاً في أدراج مجلس النواب منذ العام ١٩٩٦….

يتساءل الصيادون كيف يجوز أن يتمّ إدخال الآف السائقين، ودون تدقيق بالمهنة التي يزاولونها، لأنهم يملكون لوحات سير عموميّة، معظمها على سيارات غير صالحة، ولا تتوافر فيها  الشروط الفنية اللازمة للسلامة العامة. ثم إن ثمن النُمرة لايتجاوز الستة ملايين ل. ل، ولم يتمّ تنسيب الصيادين رغم ان كلفة شراء مركب قانوني مع رخصته تفوق ال ٣٠ الف $ في أقل تقدير.. ؟؟ حين طُلِبت اللوائح بأسماء الصيادين في صور، سارعت قوى الأمر الواقع إلى تقديم لائحة بما يفوق الألفي صيّاد وهمي… مما يعني إنتساب ما معدّله ١٢ الف مضمون (عائلاتهم) في أقل تقدير. هذه المبالغة تعتمد عادة حشوّ المنتفعين من قبَل أحزاب منظومة  السلطة اينما يتيسر في كل المرافق: إعلام، كهرباء ، زراعة، صحة… ممّا دفع بالضمان الإجتماعي إلى التريّث والتلكؤ في التجاوب مع طلبات الإنتساب الفعلية. الأمر الذي راقَ لقوى الأمر الواقع مّا ضاعفَ من إحكام قبضتها عليهم لإبقائهم  متسولين دائمين  لِحقوقهم على بابها…

هل يتلمّس الصيّادون جادة حقوقهم في كمواطنين عاملين بكدحهم، فينتظمون في نقابةٍ فعليّة حقيقيّة يعيدون تأسيسها وبنائها فيستعيدون من خلالها مقوّمات قوتهم وقضيتهم ويراكمون إنجازاتهم نحو مستقبلٍ واعدٍ وآمن… مثل هذه المهمة الأساسية تقع على عاتق الصيّادين أولاً كقطاع يعاني من وطأة الاهمال والتسييب ويحصد نتائج الأزمة التي تمر بها البلد. كما تقع ثانياً على  القوى السياسيّة المتنورة في العمل على إعادة بناء موقع مهم من مواقع الحركة الشعبية للدفاع عن المصالح الإجتماعيّة لفئة تدفع من رزقها اليومي جوعاً ومرضاً وصعوبات عيش كريم …

تبقى كلمة يجب أن تقال وهي إن مشكلات صيادي صور جزء من مشكلات صيادي الأسماك في لبنان بدءاً من الناقورة وحتى النهر الكبير الجنوبي… ويظل المطلوب هو عودة الروح إلى وحدة العاملين في القطاع، وطرح مطالبهم الملحة بالاستقلال عن قوى الطوائف وصراعاتها، والعمل على انتزاع حقوقهم التي لا يمكن أن تتحمل التأجيل والتسويف المزمنين.

Leave a Comment