سياسة

سوريا ومصيرها معلقيْن على تطاحن مشاريع الهيمنة الخارجية

كتب محرر الشؤون العربية

تقدر منظمات الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة في سوريا بحوالي 13.1 مليون نسمة، والمساعدة التي تتحدث عنها المؤسسات الدولية تتراوح بين رغيف الخبز وحبة الدواء وقارورة الغاز وليتر المازوت أو البنزين، عدا بالطبع حق التعليم والعمل للعاطلين عنه بعد انهيار قطاعات البلاد الاقتصادية، وهم بالملايين. بينما قُتل نحو نصف مليون شخص وتشرد 12 مليوناً آخرين، ويضاف إليهم حوالي 130 ألف سجين يقبعون في المعتقلات. هذا قليل من كثير المعاناة التي يعيشها السوريون في يومياتهم وهم يبحثون عن مفقود لا يجدون له أثراً، أو يقفون طوابير للحصول على ربطة الخبز وسواها من حاجيات أساسية لا يجدونها الا في السوق السوداء وبأضعاف سعرها الرسمي.

يحدث هذا لمناسبة مرور عقد على اانطلاقة الثورة السورية، مع كل المحطات التي مرت بها وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي تتجلى بحال من التمزق الكياني الذي يطال الجغرافيا السورية، وتنتاتشه القوى الاقليمية والدولية التي تحرس الأمر الواقع الراهن وتمسك بيد من حديد مفاصل البلاد. حتى بات من الممكن القول أن سوريا التي نعرفها باتت “سوريات” متعددة. فهناك سورية الاميركية وسوريا الروسية والايرانية والتركية والاسرائيلية والأسدية والداعشية والكردية. ولكل من القوى الكبرى ملاحق ميليشياوية تتعدد أسماؤها، لكنها تجتمع على نهش ما تبقى من مقومات بقاء البلاد وأهلها. وكي لا يوهم أحد أن الصورة مختلفة بين أوضاع هذه وتلك من مناطق النفوذ، لا بد من القول إن المعاناة واحدة، ومظاهر الانهيار متماثلة وسط حوالي 447 موقعاً عسكريا اجنبياً تمزق البلاد. وفي مثل هذا الوضع ليس غريباً أن يلامس سعر الليرة السورية عتبة الـ 4000 للدولار الواحد، في ما الحصول على رغيف الخبز وحبة الدواء حلماً بعيد المنال .

ومن المعروف أن الدولة السورية تقترب من حال الإفلاس الاقتصادي والمالي في ظل نفاد احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي، واستمرار تراجع قيمة العملة، وعدم توافر سيولة لتمويل واردات البلاد من القمح والأغذية والأرز والوقود وغيرها من السلع الضرورية، التي كانت سوريا تتمتع بإكتفاء ذاتي في الكثير منها. هذا وتشهد البلاد واحدة من أعلى معدلات التضخم في العالم، حيث تجاوزت نسبة زيادة الأسعار خلال السنوات العشر الأخيرة الـ 2100%، ومعها باتت ملايين الأسر، التي تعيش وسط هذه الخريطة الممزقة عاجزة عن توفير وجبة غذاء واحدة يومياً، بينما آفاق المستقبل مسدودة أمامها تماماً.  

صحيح أن هناك أزمة اقتصادية – معيشية طاحنة في سوريا، الا أن القاصي والداني يعلم علم اليقين أن المشكلة في حقيقتها هي سياسية متجذرة في بنية النظام والدولة، بعد أن أصبحت البلاد تعيش حروباً متناسلة لا نهاية مرئية لنهايتها. ولعل التنقل في الداخل السوري يكتشف عياناً كيف يصبح كل ممسك بزمام منطقة ما، حاكما بأمره يفعل فيها ما يشاء من اعتقالات وفرض للخوات إلى نهب ما يرغب من مصادر عيش الناس. وهو مصير تستوي فيه مناطق نفوذ السلطة و”المعارضة ” والخارج بأشكالها ومسمياتها. والواضح أن غياب الحلول أو التسويات التي تلجم الحروب العبثية، يحتاج إلى ما يتجاوز إدارة جغرافية البلاد، ويتطلب ما يشبه مؤتمر” يالطا” بمشاركة الأطراف المتورطة في هذه الساحة المفتوحة على مزيد من المذابح والخراب والمآسي المقيمة.  

وكي تكون الصورة أكثر وضوحاً لا بد من القول إن الاميركيين وإدارتهم الجديدة تحتاج إلى مزيد من الوقت كي تتبلور سياساتهم تجاه سوريا، وهو ما يدركه الروس أيضاً الذين استثمروا في سوريا الكثير، وهم على استعداد للمقايضة في مكان آخر كالقرم واوكرانيا والعلاقات الروسية – الاميركية والاوروبية وغيرها. أما ايران فلن تتخلى عن الموقع السوري الذي يشكل بالنسبة لها حلقة أساسية في مساعيها الوصول إلى ضفاف المتوسط، ولحماية وجودها في العراق ولبنان على حد سواء. باعتبار أن تفكك حلقة من سلسة خطها البري من شأنه أن يفرط هذا العقد، ومعه كل ما راكمه المشروع من نفوذ اقليمي في المنطقة. وما يقال عن ايران يقال أكثر منه عن تركيا التي تعتبر وضع سوريا محورياً بالنسبة لها على صعيد تركيبة الدولة والنظام بأطماعه التوسعية وإثنياته المتعددة. كما أنها من خلاله تطل على علاقاتها بالاميركيين والروس والايرانيين دفعة واحدة. أما اسرائيل التي تهاجم باستمرار المواقع الايرانية في سوريا من شمالها إلى جنوبها، فلا تقتصر معركتها على إزاحة ايران عن محاذاتها، إذ إن طموحاتها الفعلية تتمثل بتطويع الموقع السوري بمكوناته الداخلية والاقليمية لخططها في الهيمنة على المنطقة، وإخضاعها لشبكات مصالحها الاستراتيجية التي باتت تتجاوز محيطها المباشر لتصل إلى بحر العرب والخليج والبحر الأحمر. هذا التداخل في القوى الدولية والاقليمية يجعل صياغة أي حل بعيد المنال، وخارج متناول اليد بالنسبة لقوة واحدة أو أكثر من القوى المتدخلة في ممرات هذه الأزمة العسيرة.

ولعل ما يجعل احتمال الوصول إلى حلول مستبعداً هو بقاء الرئيس بشار الأسد ممسكاً بمقاليد السلطة شكلاً، بينما عناصرها الفعلية بيد الأطراف التي تتصارع على الأرض. والواضح أن ما يعني النظام وسط هذا المشهد الكالح هو البقاء في السلطة، وتجهيز نفسه لولاية رابعة في ظل استحالة التوافق بين القوى المتصارعة على رئيس يعبر عن مشروع حل لأزمة البلاد. لذا لا مانع لديها من متابعة إدارة الوضع مع اقتراب نهاية الولاية الثالثة للأسد، وكثُرة الحديث عن ترشحه لولاية رابعة لمدة سبع سنوات قادمة. لذا يجري تجهيز الديكور الانتخابي لإعادة عرض مسرحية انتخابات مشابهة لما سبقها منذ عهد والده، الذي كرَّس النظام السوري وراثياً، تحت مسمى تجديد البيعة، ومتابعة النهج، واستمرار الأسدية في الابن بعد الأب “باني سوريا الحديثة”. خصوصاً أن لا اسرائيل ولا اميركا ولا روسيا ولا ايران أو تركيا في وارد خوض معركة لإزاحته طالما أن بقاءه يضمن مواصلة حضور كل منها في المعادلة التي تتحكم في البلاد من الآن وحتى سنوات مقبلة عندما يحين أوان الحلول. وهو احتمال ما زال في علم الغيب. لكن من الآن إلى وقته يتوقع الجميع أن تجري الانتخابات في أجواء من الترهيب والتخويف والتزوير كما حدث في المرات السابقة. وما يعزِّز هذا المنحى أن تعيينات بايدن لا تشي الا بالدخول في مفاوضات ومساومات مع ايران وسواها حول الملفات العالقة، وهي عديدة، لا يعتبر الملف السوري من أولوياتها. اذن أقصى ما هو مطروح الآن ليس سوى بقاء القديم على قدمه بدءاً من رأس الهرم انتهاءاً بتثبيت خطوط التماس القائمة بين مناطق نفوذ القوى. ما يعني أن المعاناة السورية مرشحة لمزيد من التفكك والدمار والجوع وأسئلة المصير.

Leave a Comment