محمد قدوح
بيروت 19 تشرين الاول 2025 ـ بيروت الحرية
بدأت قبل حوالي 6 سنوات، مع انطلاقة انتفاضة 17 تشرين في العام 2019، حوارات بين القوى السياسية المعارضة للسلطة من جهة، وبين هذه القوى والمجموعات التى تشكلت في سياقها من جهة ثانية، وفيما بين هذه المجموعات من جهة ثالثة. لكن هذه الحوارات لم تؤدِ إلى أي اتفاق على برنامج سياسي، مطلبي بين المتحاورين، وعلى تشكيل لوائح موحدة خلال الانتخابات النيابية الماضية.
التواصل واللقاءات بين هذه القوى والمجموعات، لا زال مستمرا، للبحث في سبل إستعادة حضورهم السياسي وفي الشارع. الأمر نفسه ينطبق على النواب التغييرين الذين فشلوا في انشاء تكتل نيابي فاعل من اجل تحقيق مطالب الانتفاضة، وانتهي الأمر بغالبيتهم ملحقين، وإن بشكل غير مباشر بأطراف السلطة سعيا لتوفير فرص إعادة انتخابهم في الانتخابات النيابية المقبلة.
وقد اعرب الجميع عن خيبة املهم حول ما آلت اليه هذه الحوارات، وتبادلوا الاتهامات بشأن المسؤولية عن هذا الفشل في استكمال المواجهة مع السلطة، لكن العودة إلى ما كان يحصل في الاجتماعات والحوارات، والذي لا زال يحصل حتى الآن، تظهر أن هذه الحوارات كانت محكومة بالوصول إلى هذه النتيجة البائسة لأسباب مباشرة وغير مباشرة.
أولا-الأسباب المباشرة:
- عدم الاتفاق على رؤية موحدة للواقع اللبناني بصفته منطلق ضروري للحوار، والذي على اساسة يمكن الاتفاق على برنامج سياسي وخطط تحرك واساليب التنفيذ.
- إن غالبية الأحزاب السياسية المعارضة لم تقم بمراجعة تجربتها السابقة وتجديد قراءتها للواقع اللبناني بأبعاده التاريخية المتجذرة في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وبالتالي فاتها ترصيد وزنها، وحضورها الشعبي وفي التشكيلات النقابية المختلفة، وكذلك عدم تقدير قوة النظام السياسي وأساليبه في التعامل مع الاخطار التي تهدده. كانت تتصرف وكأنها باتت قوة فاعلة ذات حضور، فيما هي اصبحت هامشية معزولة عن الكتلة الشعبية التى كانت قادرة على تحريكها ذات يوم.
- اعتبار غالبية القوى السياسية والمجموعات التغييرية أن جماهير الانتفاضة التي نزلت إلى الشارع ما تزال جاهزة لخوض غمار التغيير، ولا ينقصها سوي القيادة السياسية. وقد رشح الجميع أنفسهم لهذه المهمة الجليلة.
- استسهال التغيير وسوء تقدير قوة النظام السياسي، والاستجابة للعنف الذي مارستة السلطة، والذي يعتبر ميدانها الأفضل والأخطر. وكان هو السبب المباشر في انكفاء جمهور الانتفاضة عن المشاركة في تحركات الشارع.
- الأنا الحزبية والفردية كانت على الدوام طاغية في الحوارات حيث كل (أنا) يسعى لحرف النقاش نحو طروحاته، بما يخدم توجهاته السياسية أو طموحاته الشخصية في سياق البحث عن دور وموقع يؤهل صاحبه للترشح للانتخابات النيابية المقبلة.
ثانيا-الأسباب غير المباشرة:
يضاف إلى الأسباب المباشرة التي ادت إلى فشل الحوار بين القوى السياسية والمجموعات التغييرية، أسباب اخرى غير مباشرة اهمها، عدم اتباع المتحاورين أصول الحوار، وعدم الالتزام بالموضوعية فى طرح القضايا والآراء وعدم قدرتهم على تنظيم الأفكار وعرضها بشكل ممنهج فالعقلية المنهجية تعتمد عادة خطوات في البحث. يبدأ الأمر بمحاولة التعريف بموضوع البحث بأكثر ما يمكن من الدقة والوضوح. ثم تحديد الهدف المطلوب الوصول اليه، يلي ذلك البحث في المشكلات التي يتضمنها. وهذه تنقسم إلى اساسية وثانوية مع تبيان العلاقة بينهما. ومن ثم جمع المعلومات والمعطيات المتوافرة عن موضوع البحث، وفرز هذه المعلومات من حيث اهميتها ومدى تمثيلها للواقع. عند هذا الحد يصبح ممكنا طرح تصورات متعددة للحلول الأنسب تبعا للهدف المقرر، ومناقشة كل حل ومدى فعاليته، وما يعترضه من صعوبات وما يتضمنه من احتمالات.
وانطلاقا من هذه المناقشة يمكن ترجيح الحل الأنسب وتحديد خطوات ومراحل التنفيذ وادواته وأساليبه.
قد لا يأخذ النقاش دون هذا التسلسل المنهجي المتين، لكن يمكن لذوي الذهنية العلمية والمتقدمة إعادة تنظيم التفكير اذا انحرف نحو اعتبارات جانبية. وهذا أمر لم يحصل خلال الحوارات والنقاشات بين المتحاورين، حيث لم يعتمد التسلسل المنهجي في مناقشة المواضيع، ولم يتم الاستدراك عندما يخرج النقاش عن الموضوع الأصلي و يذهب باتجاهات مختلفة، ثم العودة إلى الموضوع الأصلي لطرح قضايا جديدة تكون بدورها مهددة أن تنحرف نحو أمور جانبية.
وتظل معلقة لا يذهب التفكير فيها إلى أكثر من السطح، ويتم التحول عنها عند بدء الاصطدام بما تتضمنه من عقبات وصعوبات تتطلب جهدا لاستجلائها وحلها. وهكذا ينتهي الاجتماع دون أي نتيجة تذكر، ويتكرر هذا السيناريو فى غالبية الاجتماعات.
أما الأسباب الكامنة خلف هذه الاسلوب من الحوار، فتعود إلى العقلية السائدة فى مجتمعاتنا، فاذا كانت العقلية متخلفة، فانها تتصف ببعض الخصائص التي تجعل ملامستها للواقع سطحية. وعاجزة عن الغوص فيه والسيطرة عليه. واذا اتسمت بالجمود، تؤدي إلى خلق عقبات معرفية جدية تعرقل الخطط. والأخطر من الأمرين معا هو احتمال أن يتم إعادة تفسير المنهجيات بعيدا عن الاساليب الحديثة المتعمدة في البحث ودراسة الواقع، من خلال القوالب التقلدية للذهنية المتخلفة، مما يفقدها قدرتها التغييرية أو الحد منها إلى درجة كبيرة. واعتقد أن هذه الحالة هي أقرب في وصف الذهنية العقلية في مجتمعنا، بالرغم من ارتفاع مستويات التعليم فيه.
هذه العقلية تسببت باضطراب منهجية التفكير من ناحية أولى، وقصور التفكير الجدلي من ناحية ثانية، وفي الحالتين بصعوبة السيطرة الذهنية على الواقع بكل تفاصيله، لأن اضطراب منهجية التفكير يؤدي إلى سوء تنظيم ذهني في التصدي للواقع، والتعامل معه من دون خطة مسبقة، ذات أمل ومنطقية، فيقع المحاور في الغموض والحيرة ويلجأ إلى التمنيات للخروج من المأزق، وهكذا يبقي التردد سيد الموقف ما بين اقدام واحجام لا يستطيع ترجيح حل على آخر.
أما قصور التفكير الجدلي فيجعل الفرد ينظر إلى الواقع انطلاقا من مبدأ العزل والفصل، وكأن كل قضية منفصلة عن بقية القضايا. ويتم اطلاق حكم نهائي بشأنها من خلال وسمها بصفة الثبات، فيما المنهج الجدلي الذي يقول بالدنيامية والصيرورة من ناحية وبالتحديد العلائقي من ناحية ثانية، وبالتالي فان كل قضية ليست منعزلة عن القضايا الأخرى في المجتمع، وهي دوما في علاقة مع قضايا أخرى، ولا يمكن فهم حركتها الا بالعلاقة مع حركة باقي قضايا المجتمع، لأن عزل القضايا والاحداث عن بعضها وتكديسها من دون ادراك علاقات الترابط بينها، تجعل النظرة إلى الواقع كفسيفساء لا لُحمة بينها. وبالتالي لا ترى من الواقع سوى جانب واحد، بذلك انطلقنا من مبدأ السببية الميكانيكية، أي النظر للأمور باتجاه واحد، أي سبب معين يؤدي إلى نتيجة معينة، وبذلك نستطيع الامساك بالواقع الذي نتفاعل فيه مع الاحداث والقضايا ونتبادل التحديد والتأثير.
حوار القوى السياسية المعارضة ومجموعات التغيير هو النموذج السائد في مجتمعاتنا، والذي غالبا ما يوصف بحوار الطرشان. مثل هذا الحوار له اسبابه في مجتمع يعاني القهر والاستلاب الاقتصادي والاجتماعي وانعدام الشعور بالأمن. وكلها مشاعر تعيق حركة الذهن لما تولده من قلق. وهو قلق اذا زاد عن حد معين يشل القدرة على الحكم بموضوعية، ويسرع من تدهور الحوار العقلاني والتفكير المنطقي ويعجل باطلاق الأحكام القطعية المطلقة والمسبقة. يحصل ذلك بالرغم من التحصيل العلمي على مستويات عالية، وامتلاك غالبية اللبنانيين لتقنيات الاتصال والتواصل والحوار، حتى الباحثين والمؤلفين يقعون ضحية هذه المشاعر التى تهز التوازن بين الانفعال والمنطق. وكي لا تدور حواراتنا في حلقات مفرغة، ليس علينا سوى اعتماد التسلسل المنهجي المتين في البحث والحوار، واستدراك التشتت لدى حصوله.
